مقالات الأهرام العربى

القضية البريئة

لاشك أن كل فرد فى عالمنا العربى والإسلامى يعيش حالة من الخوف والرفض ولا أبالغ إذا قلت الحزن، وليس مبعث هذه الحالة هو الخوف على الإرهابيين كما يحاول أعداؤنا أن يصوروا منطقتنا كلها على أنها أصبحت فى حالة حرب، وصدام مع الغرب، ولا يمكن أن يقع العقلاء ­ وهم أغلبية أمتنا ­ فريسة للدعاية الساذجة، التى يطلقها البعض من الموهومين فى خطاب المتطرفين والإرهابيين بأنهم يدافعون عن قضايانا، ضد الطاغوت كما يصورون، فالذين يعيشون فى الكهوف ويقتلون الأبرياء ويدمرون الحياة الإنسانية، لم ولن يكونوا منا أو يمثلونا حتى ولو كان هذا خطابهم، فقد انكشفوا بضلالهم وجريمتهم، ويريدون الآن أن يموتوا شهداء أو أصحاب قضايا عادلة، فهؤلاء الإرهابيون شبعوا قتلاً فينا جميعاً، وكلنا نعيش وبين ظهرانينا ضحايا وشهداء حقيقيون كانوا فريسة لهذا التيار المنحرف، الذى خرج من بيننا ويريد افتراسنا، وفينا من نجح فى وضع حد لخطورة هذا التيار، لكنه لم يستأصله، ومازال ثقافياً وسياسياً يتنامى كالمرض السرطانى الكامن، ويظهر من حين إلى آخر مهدداً الجهاز المناعى،

وكل همه قتل الحياة الإنسانية، قد بدت خطورة مرض التطرف والإرهاب بحيث أصبح يهدد الحياة الإنسانية، وكانت إحدى نتائجه الخطيرة أنه أصبح مسئولاً عن الحرب العالمية الثالثة أو الأولى فى الألفية الجديدة، ورأينا كيف تكون النار من مستصغر الشرر، فهؤلاء المتطرفون والإرهابيون جميعاً، وأجزم بأنه مرضى ومعاقون نفسياً، لا يحتاجون إلى الفحص السياسى أو الفكرى، إنما يحتاجون إلى الفحص السيكولوجى المتأنى، حتى نعرف كيف ينمو التطرف والإرهاب فى العقل الإنسانى، إلى أن يدمر صاحبه داخلياً ويصل به إلى الإرهاب والجريمة أو الاكتئاب النفسى، ثم إلى جريمة الانتحار سواء فردياً أم جماعياً أم حتى يقتل نفسه والآخرين، فبعضهم يصف نفسه وفكره السقيم والضحل، بأنه ممثل الله على الأرض، فكل أسماء أحزابهم تتحدث باسم الله، والله ليس له متحدثون رسميون، فأحزابهم هى لله، وغيرها للشيطان ويطلقون على جمعياتهم مسميات إسلامية، أو دينية كأنما غيرها ليس كذلك، ويلعبون لعبة شيطانية على رجل الشارع، بعد أن غيروا أشكالهم وأزياءهم، ومع ذلك تحملناهم عسى أن تشفى عقولهم، ويعودوا إلى الصواب، فإذا بهم يدفعوننا جميعاً إلى الانتحار معهم، ويدمرون مجتمعاتنا، ويدفعون الحياة الإنسانية إلى الخراب.

وإذا كانت الحرب الراهنة تأخذ اسمها من مكافحة الإرهاب، فإن من واجبنا جميعاً أن نشارك فيها، ولا نتخلف عنها، لأن الإرهابيين من بيننا، وخرجوا علينا، ويجب ألا يتوهم أحد بأن رفضنا للسياسات الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط وتحيزها لإسرائيل، يعنى أننا نقبل بالإرهاب والتطرف، فكلنا يعلم خطورة أن يتمكن هذا الإرهاب أو هذا العقل المتخلف من أى قرار سياسى أو اقتصادى أو اجتماعى أو ثقافى، فهؤلاء الذين يكرهون أنفسهم، قبل أن يكرهوا النساء والأطفال، يرفضون مفهوم الحياة نفسها،  فكيف نقبلهم أوصياء علينا، أو نجعلهم أبطالنا، أو رموزنا؟

وقد ارتكب التطرف خطيئتين لا تغتفران، الأولى عندما أعلنت أمريكا الحرب على بن لادن والظواهرى، و˜طالبانŒ، فخرج علينا يتحدث من الكهوف، وبدلاً من أن يعترف بضعفه وقلة حيلته، ويطالب بالرحمة، أخذ يهدد ويتوعد، بل جرؤ علانية على الاعتراف بأن قتلة الأبرياء المدنيين فى نيويورك وواشنطن، من المسلمين وراح يصفهم بالشهداء أو كواكب الإيمان وكأنهم يقطعون الطريق ويعترفون أمام العالم بمسئوليتهم عن الجريمة النكراء، وبما يعنى تحميل هذه الجريمة لكل المسلمين، أما الخطيئة الثانية فهى أن بن لادن لم يكتف بهذا الخطأ الشنيع، فأضاف إليه قضية عادلة، هى القضية الفلسطينية فارتكب الخطأ نفسه الذى ارتكبه صدام حسين فى بداية التسعينيات عندما احتل الكويت، ولم يفهم العقل العربى والمسلم كيف يكون احتلال الكويت، هو طريق تحرير القدس، كما لم نفهم كيف يكون تهديد حياة الأبرياء والمدنيين فى نيويورك وواشنطن، هو طريق تحرير فلسطين وإقامة دولتها، وكيف نطلب من أمريكا أن تكون عادلة وتضغط على إسرئيل وتدفعها إلى احترام القوانين الدولية وحقوق الشعب الفلسطينى، ونحن نهدد أبناءها، وكل من يعيش على أرض أمريكا بألا ينعم بالسلام أو الهدوء، فى حين أن الأرض الأمريكية مفتوحة لكل الشعوب، وأولهم الفلسطينيون والعرب والمسلمون، وأن من بين ضحايا الجريمة النكراء فى نيويورك فى مركز التجارة العالمى كان هناك 1500 شخص عربى من 6 آلاف ماتوا شهداء، وهم يؤدون أعمالهم بعمل خائن وغادر، لا تقره الشرائع السماوية ويحرمه الإسلام.

أعرف أفكار الإرهاب والتطرف لتبرير الجريمة الجبانة، لكننى خفت على البسطاء، وشعرت فى نفسى بخطورة السياسات الخاطئة، التى تخلق بيئة صالحة للإرهاب والتطرف، فكما أن هناك ملاذاً آمناً للإرهابيين فى أفغانستان، فهناك ملاذات آمنة كثيرة للتطرف والإرهاب فى أماكن أخرى وهى الأزمات العالمية التى يستكين أصحابها للظلم، ويرو الطاغوت وهو يتحرك، ولعل أهم قضية للظلم والإحساس بغياب العدل، يجب أن يهتم بها العالم، هى القضية الفلسطينية، فلن يتحقق استقرار عالمى أو إقليمى، بدون قيام دولة فلسطينية مستقلة، يعود إليها اللاجئون الفلسطينيون، ويتم تعويض المشردين ويحتفل العالم بعودة المقدسات الإسلامية فى القدس إلى أصحابها، حتى لا يكون هناك مناخ وملاذ لخطر الإرهاب وللصراع بين الأديان والشعوب.

إذا كانت أمريكا قد أعادت التفكير بهدوء بعد أزمتها الكبرى فى 11 سبتمبر 2001 وأدركت أنها لا يمكن أن تأخذ الشعوب بجريرة الإرهاب، فقامت بالفصل ما بين الإرهابيين وشعوبهم، وما بين الإسلام والإرهاب. فيجب أن تعلم أمريكا أنها فى حاجة إلى تعاون عالمى، وأن قيادة العالم لا تعنى الانفراد بالقرار، ولكن المشاركة ضرورة، ولن تستطيع أن تهزم الإرهاب وحدها، لأن قتال الإرهابيين ليس أمنياً أو عسكرياً فقط، فمحاربتهم تحتاج إلى مناخ عالمى يسوده العدل، ومراعاة مصالح الجميع.

وعلينا نحن فى عالمنا العربى الإسلامى، ألا تستهين بالمرحلة القادمة ويجب أن نكرس جل اهتمامنا بخلق مناخ صحى وتعليمى جديد، يقر بحقوق الجميع، وببناء دولة المؤسسات واحترام القانون بلا تمييز فى الدين والجنس، ويقر بحق المواطن وحريته ومشاركته فى حكم نفسه والحصول على نصيب من ثروة بلاده بحكم عمله، وليس بانتمائه أو عائلته أو قربه وبعده، أو تأثيره فى مركز الحكم، يجب أن نقف ضد الخارجين على القانون، أو من يريدون فرض آرائهم لوجودهم فى السلطة، أو يدعون بأنهم يمثلون الله على الأرض، أو بأنهم أصحاب الدين الصحيح، ويتدخلون فى خصوصيات الإنسان وحريته بحجة أنهم يعرفون الله، وصحيح الدين أكثر وأن نفصل ما بين الدين والسياسة، ونعلى من شأن المواطن والقانون وألا نخضع لتهديد وتخويف وإرهاب القوة والتكفير وألا نهرب من الحداثة خوفاً أو كسلاً أو عجزاً ونبرر لأنفسنا أخطاءنا وخطايانا لمواجهة المتسلطين أو المستخدمين للدين هروباً من العمل أو إشاعة للفوضى أو الذين يستخدمون الرموز الدينية بشكل سياسى والدين منهم براء.

ولعل العرب بعد الحرب الراهنة، يعرفون خطورة غياب مشروع عربى حضارى مشترك للتعليم والصحة والبناء الاقتصادى والثقافى الصحيح، وأن هذا الغياب كان وراء هذه الأزمة العالمية الكبرى والتى خلقها الفشل الاقتصادى والسياسى، وأننا جميعاً علقنا شماعة هذا الفشل على الأزمة الفلسطينية ومواجهة المحتل الغاصب مثلنا مثل ˜الإرهابيينŒ وهم ˜يعلقونŒ جريمتهم على الأزمة الفلسطينية وهى من الجميع براء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق