مقالات الأهرام العربى

العرب وأمريكا

أمريكا محور الأحداث الشرق أوسطية . . فهى التى ترعى السلام العربى ـ الإسرائيلى، وهى التى تحاصر العراق . . وهى التى تهدد ليبيا، وهى التى تراقب الأحداث فى السودان . . وهى ـ أولا وأخيرا ـ القوة العظمى الآن فى عالمنا .

ومهارة العرب وقادتهم ليست فى التسليم بما تمليه عليهم هذه القوة الكبرى، لكن فى الحوار والعمل المكثف والدءوب لحماية المصالح العربية .

ونحن الآن نترقّب القمم العربية بين الزعماء العرب والرئيس الأمريكى، وفى مقدمتهم الرئيس حسنى مبارك الذى سيعقد لقاء قمة مع كلينتون فى واشنطن يوم الثلاثاء القادم، وهناك القمة المفاجئة للرئيس  الأسد فى جينيف مع الرئيس كلينتون بعد غد الأحد، وهو فى طريقه إلى بلاده بعد جولته الآسيوية فى الهند، وباكستان، وبنجلاديش .

وذلك وسط تحرك عالمى غير عادى للرئيس كلينتون قبل رحيله مع إدارته فى نهاية هذا العام .

وإذا سلمنا بأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لها سياسة شبه مستقرة . . فإنها فى السياسة الخارجية تكاد تكون متطابقة، لأن المؤسسات لا الإدارات هى التى تضعها، مع التسليم  بوجود هامش مختلف نظرا للطبيعة الشخصية للرئيس ـ ولكنه على العموم ـ غير مؤثر على جوهر السياسات ودور الدولة العظمى .

وإذا توقفنا أمام القمة المرتقبة الأولى، فإن هدفها المعلن هو عودة أطراف المباحثات السورية ـ الإسرائيلىة إلى مائدة التفاوض للمرة الثالثة، بعد توقف دام  شهرين .

كلينتون يتوقع أن يأخذ من الرئيس السورى تعهدات تساعد باراك لكى يطمئن إلى مستقبل السلام بين بلاده وسوريا، والرئيس الأسد يبحث فى نقطة جوهرية، وهى مستقبل السلام أو التفاوض نفسه بين سوريا وإسرائيل، الذى انطلق منذ نحو ٠١ سنوات »مدريد ١٩٩١« بدون جدوى حتى الآن . ونعتقد أن الرئيس الأمريكى كلينتون، أصبح لا يملك وقتا طويلا فى البيت الأبيض . ويريد أن يرى ثمارا إيجابية لهذه العملية فى عهده، وبين يديه . ونتصور أنه سوف يضغط على شريكه الإسرائيلى لكى يأخذ خطوة جدية على طريق التسوية والسلام، الذى سيفتح الباب واسعا لتغيير جوهرى فى الشرق الأوسط، لأن السلام مع سوريا سيشمل لبنان، وسيعطى الأمل للعالم العربى كله وللفلسطينيين فى أنه من الممكن أن تصل مباحثاتهم المضنية التى تجرى هى الأخرى فى  قاعدة  جوية  أمريكية  »بولينج« قرب واشنطن إلى اتفاق إطار مع نهاية مايو القادم، والتوصل إلى الانسحاب الثالث فى نهاية يونيو . والآمال تحدو الجميع فى الوصول إلى الاتفاق النهائى، وإعلان الدولة الفلسطينية مع سبتمبر القادم . . وهكذا سيصل الشرق الأوسط إلى بر الأمان، وذلك إذا ما كان باراك ـ رئيس الوزراء الإسرائيلى ـ قد وعى درس نيتانياهو، ويريد ألا يكرر مأساته، وأن يحفر اسمه فى  سجل صنّاع السلام القادرين على التغيير، ولكن كلها مازالت آمالا . . ونحن نترقب .

أما  قمة مبارك ـ كلينتون يوم الثلاثاء القادم، فإنها من أهم  القمم العربية ـ الأمريكية . . لأنها تجىء فى وقت حساس ودقيق، وصلت فيه الأمور فى قضايا عديدة ـ أمريكا شريك كبير فيها ـ إلى نقطة اتخاذ القرار .

ومصر مبارك لم تصبح قوة إقليمية ذات دور محورى فقط، لكن وصل الأمر إلى أن الثقة فيها وفى قدرتها عربيا وشرق أوسطيا من جميع الأطراف، وصلت إلى نقطة الذروة، إضافة  إلى المكانة الرفيعة التى  صنعها الرئيس  حسنى مبارك بمهارته وحنكته  الدبلوماسية، وتحركه المناسب والسريع فى نفس الوقت، ولعلنا لا ننسى كيف نجح فى التعبير عن العرب وقوتهم فى حماية لبنان . . عقب تعرضه للعدوان الأخير، حيث جاءت زيارته إلى بيروت فاتحة الطريق إلى يقظة عربية شاملة ضد العدوان الإسرائيلى . . أعقبتها زيارا ت عديدة للقادة العرب . واجتماع مجلس الجامعة فى قلب العاصمة التى تاجه العدوان . . فى رسالة واضحة لضمان مقدرة العرب على التصدى للعدوان، بل وقفته هذه السياسية هذه أعادت إلى أذهان الجميع دبلوماسية مبارك، عقب توتر العلاقات السورية والتركية، وكيف استطاع تجاوز هذه الأزمة عبر تحركات مكوكية بين العاصمتين، وضعت الخلاف فى حجمه، ومنعت التصعيد، بل أسهمت فى تطوير العلاقات العربية ـ  التركية .

وعلى نفس المنوال . . كان الرئيس مبارك فى شرم الشيخ حريصا فى قمته مع عرفات وباراك على ألا يتوقف  المسار الفلسطينى . . بل أن يخطو خطوات إلى الأمام، مكنته ـ بالتعاون مع الولايات المتحدة ـ من أن يحقق الانسحاب الثانى للإسرائيليين من أراضى الضفة وقطاع  غزة، لكى تصبح نسبة الأرض المحتلة التى عادت إلى الفلسطينيين ٩ .٢٤٪ »مساحة الأرض كاملة السيطرة ٢ .٨١٪ والأرض الخاضعة للسيطرة المدنية ٧ .٤٢٪« .

هكذا هو الرئيس مبارك على كل صعيد، كان وسيظل صانعا للأحداث، يخطو بالمنطقة إلى السلام الشامل والعادل . . وفى نفس  الاتجاه . . حمى مبارك . . السودان وليبيا . . من أى عدوان . بفكر دبلوماسى راق . . لا يبحث فيه عن أن يكون فى بؤرة الضوء، لكن فى المجال الحيوى المؤثر لحماية المصالح العربية العليا .

وبالرغم من الدور الحيوى والمجهود الكبير الذى  بذله لحماية  العراق، فإن النظام هناك لم يمكنه ـ بسوء تقديراته وحماقاته ـ من أن يحقق نجاحا . . لكنه ظل يتابع دوره ـ ونجح إلى حد كبير ـ فى وقف الضربة الثانية للعراق، ومازال يتابع ويرعى عمليات الإنقاذ للشعب العراقى . . بالذات فى مجالها الإنسانى . . وإعادة فتح الحوار العربى ـ العراقى، عبر قنوات جامعة الدول العربية .

كل هذه المواقف السياسية البارعة والواعية أعطت الرئيس مبارك مكانة عالمية، وتقديرا دوليا، أحدث تغييرا فى رؤية السياسة الأمريكية للدور المصرى على المسرح العالمى . . الذى  أصبح يحظى باحترام وتقدير أمريكى . . تراه هذه الدولة العظمى بمثابة العقل الكبير والدور المحورى، الذى ينقل هموم العرب، بل العالم  الثالث وآراءهم إلى المجتمع الدولى والقوة الكبرى .

ولا تستطيع أمريكا وحدها ـ رغم قوتها ـ أن تتجاهل الرؤية المصرية رغم الاختلاف معها ـ فهى لا تصدر عن الهوى، لكن عن رصد حقيقى للواقع المعاصر، ولا يمكن لأىة حركة سياسية أو دبلوماسية أن تنجح فى منطقتنا دون أن تضع فى اعتباراتها خبرة مصر وقائدها مبارك، لكل هذه النقاط، ولقدرة وتميز الدبلوماسية المصرية، تكتسب قمة مبارك ـ كلينتون مكانتها وأهميتها الإقليمية والعالمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى