مقالات الأهرام العربى

رسالة إلى الإرهاب

ودعنا رمضان، وشهدنا العيد، وارتوت أنفسنا بالخير، وسعدنا بالمسلمين وهم يلتفون حول المسجدين الحرام والنبوى فى مشهد لا مثيل له.. حب متدفق.. خالص لوجه الله، ورأينا المسلمين والعرب حول الأقصى، مصممين على إعلاء شأن الإسلام والمسلمين، وتخليص عالمنا من الشرور، وإرسال رسالة إلى العالم للخلاص والحب، تلك رسالة الأمة الخالدة.. رسالة الإسلام فى العام الجديد.. وإذا كان المسلمون يتعرضون للاضطهاد فى البوسنة والهرسك وكوسوفا وفلسطين.. كما يتعرضون للضرب والحصار فى العراق وليبيا.. والآخرون فى القائمة ينتظرون..

فالمسلمون فى عالمنا يسعون لكى يكونوا أصحاب رسالة حقيقية.. تخلص الإنسان والعالم من سيطرة المادية المتوحشة.. ونفيها للروح الإنسانية ..رسالة الإسلام شاملة لأنها تجمع بين العقل والروح، وتحمى الإنسان المعاصر من نفسه ومن الآخرين.. رسالة تقوم على تقوية الإنسان الفرد فى مواجهة الدولة والمؤسسات والشركات العملاقة ورسالة واضحة تجمع فى مضمونها حقوق الإنسان الحقيقية ولا تلغى حقوقه السياسية لصالح حقوقه الاجتماعية.. لاتدمج الإنسان فى قوى أكبر منه ولكنها تحمى فرديته وإرادته الحرة وسط الجماعة، رسالة الإسلام مضمونها غنى الإنسان، ليس بالمفردات المادية فقط، ولكن بكل المفردات خاصة غنى الروح، وقدرتها على هزيمة الرغبات الشريرة الكامنة فى الروح الإنسانية،

أخذو هذه النقطة الأخيرة لكى أدلل على أن المسلمين ابتلوا بأصعب البلاء فى نهاية هذا القرن، وقبل بداية القرن الحادى العشرين، ابتلوا بمجموعة من البشر تجردوا من الروح البشرية، وأخذوا يعبثون فى الأرض فساداً، ويقتلون النفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق، هؤلاء هم الإرهابيون، الذين يصفون الآن أنفسهم بصفات عديدة منها الجهاد وغير ذلك من المسميات انطلقوا ليأخدوا الزمام، كونوا المنابر والأحزاب، أطلقوا الرصاص والقنابل، أسالوا الدماء، هددوا الحياة الإنسانية.. ولكن أخطر جرائمهم أنهم ألصقوا »بالإسلام« صورة هو بعيد عنها وبرىء منها تماماً، صورة القتل والإرهاب تكررت جرائمهم فى الجزائر وأفغانستان وباكستان.. ووجدناهم يعششون فى السودان ويُكوَّنون المنظمات ويُصدرون الشحنات الإرهابية، ويمهدون للاغتيالات..

فى اليمن سكنوا الكهوف وهددوا الدولة واختطفوا السائحين.. وفى مصر كانت لهم جولات، وفى الخليج ينتقلون من منطقة إلى أخرى تارة بالجرائم وأخرى بالأفكار أما فى الشام فهم ساكنون خائفون، لأن آلة القمع قوية وشديدة، وهكذا أثبت »الإرهابيون« أن اللغة الوحيدة التى يفمونها هى القمع، وأنهم لا يفهمون لغة »الحوار«.. وإلى الذين يتصورون أنه من الممكن فتح قنوات سياسية مع الإرهابيين تحت أى مسميات ديمقراطية لابد أنهم يحلمون.. فهؤلاء هم الغاشيست الجدد.. ولا حياة لهم فى ظل حقوق الإنسان والديمقراطية، وإذا كُتب للعالم الإسلامى الخروج من أزمته الراهنة، فأول الطريق سيكون هو نهاية الإرهابيين وعملائهم ومنظماتهم المنتشرة فى أوروبا، وعلى ضفاف البلدان الهشة، ولن يكون هناك حلٌّ أمام عالمنا إلا باستئصال الإرهاب، فهو ليس حلاً لمشاكلنا مع العالم المتقدم، مهما تسلح بأى سلاح، ولن يفلح الإعلام الغربى، الذى يُصَّدر لنا نجوم الإرهاب فى أوروبا وأمريكا وأفغانستان ومنظماتهم، فى جعل هذه المجموعات الضالة قائدة للعالم الإسلامى.

وإلا فبماذا تفسرون هذا الحوار الذى أجرته »التايم« مع »أسامة بن لادن« كزعيم لعالمنا كما يتصورون، يصدر فيه الإرهاب ويجعله قاموساً لمنطقتنا.. أىة جبهة إسلامية أفتت بالجهاد لتحرير الأماكن المقدسة، بتفجير السفارات وقتل السائحين، ويعترف فيه بأنه »مجرم« يطالب بأن يشهد التاريخ، بأنه محرر لأنه يريد تحرير الأقصى والكعبة بمكة.. ولا أعرف كيف سيحرر الكعبة، وكلنا شهود بأنها محررة، ويلتف حولها المسلمون بالملايين، أسامة بن لادن لا ينفى فى حديثه الذى تنشره وسائل الإعلام العالمية بأنه وراء حوادث نيروبى ودار السلام وكيب تاون وكمبالا، ويضاف إليها الرياض، وهو يهدد بتدمير أماكن أخرى إن شاء الله فى المستقبل.. إن زعيم الإرهاب الموجود فى أفغانستان يلعب نفس لعبة صدام حسين بالفصل بين العالم الإسلامى والشعوب العربية وحكامها. ولا يتوعد أمريكا والغرب فقط بالقتل، ولكنه يهدد الحكام العرب بالقتل فى أية لحظة.. ولا ينفى هذا الإرهابى أنه يسعى للحصول على الأسلحة الكيماوية والنووية.. بحجة أن من حق المسلم الدفاع عن المسلمين وهذا واجب دينى، وأنه يشكر الله على أنه سيمكنه من تحقيق هذا الهدف، فهو يقول وإن كنت أسعى إلى الحصول على هذه الأسلحة فإننى أقوم بواجبى.

انظروا ماذا يفعل ويقول »أسامة بن لادن«، إنه سعيد بقتل الأمريكيين فى الصومال، وأن جهود، المجاهدين فى الصومال نجحت ولله الحمد فى انهيار هذا البلد وزواله من خريطة المجتمع الدولى، وحتى الآن .. وهكذا فعلوا فى أفغانستان، سلَّطوا على الحكم فريقاً لم يتسلّط على الأمريكيين، ولكن تسلط وفرض الهيمنة أول ما فرض على شعب أفغانستان المسكين بشعارات دينية هى أبعد ما تكون عن الإسلام والمسلمين، وانتظروا معنا لتروا كيف يتصور هذا المجنون والمختل الذى يتحدث باسم الإسلام والمسلمين.. إنه مقتنع بأن رياح التغيير التى قام بها هى التى عصفت بسوهارتو فى أندونيسيا، ويهدد العرب بزوال حكم الأباطرة، ويواصل تهديداته.. مصوراً المسلمين بأنهم مجموعة من القتلة.. قائلاً القتال جزء من ديننا وشريعتنا، والذين ينكرون ذلك، يقترفون ذنبا جسيماً، ويواصل لغته الحمقاء قائلاً إن العالم الإسلامى ينبغى أن يعتبر أمريكا العدو الأول، وينهى حديثه بأنه واثق من أن المسلمين سيتمكنون من وضع نهاية للأسطورة المزعومة »القوة العظمى أمريكا، طبعاً تحت قيادة أسامة بن لادن وحلفائه من منظمات الإرهاب المنتشرة فى العالم.

هذا الحوار يكشف اللغة والعقلية التى تمكنت من الإرهاب والإرهابيين ويعرى مستقبلهم، ويضعنا فى العالم الإسلامى جميعا على المحك.. إننا يجب أن نفرق بين الإرهاب والمسلمين تفريقاً واضحاً لا لبس فيه، فهذه المجموعات خوارج القرن العشرين على الإسلام، والمسلمون ليسوا فى عداء مع أحد، وليسوا ضد النظام العالمى الجديد ولا يريدون فتح معارك دونكيشوتية وإلهاب المشاعر، ولكن يتفاوضون ويعرفون حقوقهم.. ويتقدمون كمشاركين فى بناء وتطور العالم، ويملكون رسالة سمحة لا قتال فيها، ولكن دفاعاً مشروعاً عن الحقوق.. للوصول إلى الاستقرار فى منطقتنا كما أننا مساهمون فى بناء الاستقرار العالمى.. وأن الذين يعترفون بلغة الإرهاب سيأكلهم الإرهابيون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق