مقالات الأهرام العربى

الرهان..

راهنت محدّثي علي أن وزير خارجية العراق جاء إلي القاهرة وفي ذهنه استمرار سياسات نظامه الخاسرة.. وأن رهاناته أصبحت تميل إلي الانتحار.. وأنه يشعر بالحصار.. ولذلك يشد العرب جميعاً إلي مصيدة الرهان الخاسر.. واستمررت في متابعة سياسات صدام وطارق عزيز ووزيرهما الصحاف.. حتي كانت المفاجأة المتوقعة وزير نظام العراق يعقد مؤتمراً صحفياً يكشف فيه أوراقاً مغلوطة، ويمهد لسيناريو مفتعل من المتوقع حدوثه.. وإن لم يعلن عنه، ولكنه يحرث الأرض، لشيء مخطط في بغداد.. عندما اتهم وزراء الخارجية العرب بأنهم جاءوا لكي يدينوا العراق.. وليس لإدانة العدوان الأمريكي ـ البريطاني.. وأنهم تلقوا تعليمات من واشنطن لتنفيذها، فقد أخرج أوراقاً ومذكرات وكأنه حصل علي معلومات مؤكدة، أُرسلت إليه من واشنطن لكي تحّرضه ضد العرب قبل الاجتماع وذلك في محاولة جادة ومخلصة ـ كمحاولات النظام العراقي السابقة ـ لإفساد أي دور عربي يسعي إلي إنقاذ العراق من الحصار والعدوان.

لم تكن مفاجأة، ولكنه سيناريو عراقي معروف سلفاً.. الوزير العراقي.. ينسحب من اجتماعات القاهرة »٤٢ يناير« والتي حضرها ٨١ وزيراً للخارجية، وسط رغبة عربية عارمة وقوية لتفعيل دور النظام العربي.

والخروج من براثن النفق المظلم الذي حُشِرت فيه المنطقة ـ والمسئول عن ذلك بالقطع هو نظام العراق ـ منذ ٨ سنوات.. ولا نري ضوءاً أخضر أو أي ضوء للخروج منه.. وهكذا واصل العراق لعبة المقامرة التي يلعبها علي شعبه وعلي العرب.. النظام العراقي لا يري سبيلاً للخروج من المأزق.. إلا »بشد الحبل علي الغارب« لإسقاط المنطقة كلها، وتقديمها فريسة للمعتدي.. وسألني زميلي إنكم تظلمون النظام العراقي، لقد أخطأ ويريد الخروج من المصيدة.. ولكنه يبحث عن وقفة متماسكة وقوية من أشقائه العرب ضد المعتدي

وكان ردي ببساطة أية وقفة يبحث عنها العرب؟ فالوزراء والحكام ـ ومن ورائهم الشعوب ـ جاءوا إلي بيت العرب وكلهم رغبة في إدانة العدوان الأمريكي علي الشعب العراقي وهم رافضون ـ بالإجماع ـ التعامل مع الشعوب بالعدوان العسكري أو بالحصار.. بل إن المسألة العراقية تحولت إلي رغبة شعبية جارفة لدي الشعوب والحكام لإنهاء الحصار والمقاطعة ـ ليس ضد الشعب العراقي وحده ـ ولكن ضد الشعوب العربية الأخري التي تتعرض للعدوان والحصار كالعراق.. مثل ليبيا والسودان.. ولكن السلوك العراقي المستفز في العدوان والتسلط.. لا يحرم شعبه فقط من أن يعيش في سلام ويتخلص من آثار العدوان ولكن يضع المنطقة بكل شعوبها في موضع الاتهام ويجعلها هدفاً للعدوان من خلال قرارات عدوانية ومتسلطة من الخارج..

وإلا بماذا تفسرون عدوانه المستمر علي الحقيقة، وإضاعته المستمرة للفرص المتاحة أمامه؟ وأصبح هذا النظام متفرداً ـ حقيقة ـ في الإضرار بشعبه وبمنطقته وبأسلوب درامي، لم نره لا في التاريخ الحديث، ولا القديم.. فلم يقتصر ضرره علي الشعب العراقي فقط، وإلا بماذا تفسرون انهيار أوضاع منطقة الشرق الأوسط اقتصادياً كثمن لمغامراته الفاشلة في حربي الخليج الأولي والثانية؟ خاصة عدوانه التاريخي في بداية التسعينيات الذي أسقط المنطقة رهينة للعدوان الخارجي، وفتح الباب واسعاً للتدخل الأمريكي في شئون المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بعد أن انفتحت المنطقة العربية مثل غيرها من الشعوب للتعاون الاجتماعي والثقافي في ظل العولمة والنظام العالمي الجديد..

ونضيف لذلك بعداً آخر هو أن »المسألة العراقية« ـ كما أصبحت تعرف ـ أخذت الاهتمام العربي بعيداً عن قضية العرب المصيرية.. وهي التعامل مع إسرائيل وصولاً إلي سلام عادل في المنطقة، وأخذاً طبيعياً لحقوق الشعب والدولة الفلسطينية المهدرة، والضائعة، والتي أصبحت الآن في ظل الأوضاع العربية المتردية بعيدة عن الاهتمام بل خرجت مؤقتا من أجندة القضايا الطارئة، وها نحن نري شعوباً ودولاً عربية معرضة للمجاعة والانهيار والتفكك، بل إن التدخل الخارجي يفتح الباب واسعاً لحروب أهلية جديدة وانقسامات عشائرية وقبلية ودينية وعرقية لا قبل للمنطقة بها.

وحاول زميلي كسب الرهان الخاسر وسأل بماذا تفسر هذا السلوك العراقي الأرعن غير المتوازن؟.. فجاء ردي سريعاً نظام لا يتعلم من أخطائه ولا من التاريخ.. وحساباته ليست خاطئة فقط بل هي الخطيئة نفسها قبل أن تتبلور.. النظام العراقي وجد في رد الفعل العربي الحاسم في مصر وسوريا والخليج والمغرب ضد العدوان الأمريكي أنه تأييد لنظام صدام حسين في مواجهته التي يراها مشروعة ضد أمريكا والغرب، وتصور أن الرأي العام العربي سوف يهتف ويخرج مدافعاً عن صدام ونظامه في مواجهة أمريكا وبريطانيا في عدوانهما الأخير، ولكن الحقيقة التي يجب أن يعرفها هي أن العرب من المحيط إلي الخليج.. كان يهتفون حقيقة »أعانك الله يا بغداد.. ضد العدوان وضد صدام حسين«.. ولذلك فعندما يسقط هذا النظام في بغداد حقيقة سوف يتنفس العرب جميعاً الصعداء من أعماقهم.

ولكن كيف يسقط ليتخلص العرب والعراق من هذا النظام وأخطائه؟.. تلك حقيقة ماثلة للأذهان.. فلا يمكن قبول التدخل العسكري السافر بضرب العراق باستمرار.. كما لا يمكن القبول بالتدخل الأجنبي بالأموال وأجهزة المخابرات لإسقاط أي نظام عربي مهما كان مريضا أو فاشلاً.

فتلك مهمة الشعوب والمعارضة والمؤسسات في داخل كل قطر عربي.. والعراق لن يشفي من مرضه الداخلي بدون إسقاط العقوبات وعودة الحياة الطبيعية إلي شعبه ومؤسساته الوطنية، وهي وحدها القادرة علي محاسبة »صدام حسين.. وفريقه الحاكم«.

وهي صاحبة المصلحة في إسقاطه ومحاسبته تاريخيا.. فالشعب  العراقي وحده سيدفع ثمن أخطاء هذا النظام وهو القادر علي إزاحته واختيار نظام جديد، يخرج بالعراق والمنطقة من النفق المظلم الذي وضعها فيه صدام حسين، ويريدنا أن ندور في حلقاته المفرغة بلا نهاية، بل يريد أن يجذب كلَّ من هم خارج طاحونة هذا الفشل والانهيار الضخم لكي يشاركوه جميعاً المصير المظلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق