مقالات الأهرام العربى

الدعاء وسط المتناقضات..

جرياً علي عادة أعيشها منذ سنوات، استقبلت آخر أيام شهر رمضان في مكة المكرمة، وتحررت ـ كغيري ـ مما يشدني.. وركَّزتُ ـ بذهني ـ وبدني ـ في العبادة، وبالرغم من ذلك لم أستطع أن أهرب من الأفكار والقضايا، التي تؤثر في حياتنا ونعيش أسري لها، تحبسنا وتحكمنا، ونتصور أننا قادرون عليها، وفي أثناء طوافي حول الكعبة مع جموع المعتمرين من العرب والمسلمين من كل الأجناس والشعوب وهم يتجردون من مظاهر الدنيا، بعد أن خلعوا جميعاً المعاطف، التي يرتدونها في حياتهم اليومية، وارتدوا ثوباً واحدا،ً تقرُّباً إلي الخالق وامتثالاً لأمره، اختلطت من حولي النداءات والدعوات، انصهر المسلمون والعرب في رقعة محدودة، حول الكعبة وفي حيز مكاني يجمعهم جميعاً، رغم اختلافهم وتنوع أشكالهم ومشاربهم.. أصبح الكل في واحد، بلسان وقلب متحد، انصهروا في صورة رائعة، فريدة، قديمة جديدة، مثلها مثل الحياة والموت، تتكرر، ولكنها تعيش فينا، ونري تجلياتها كحدث نعيشه لأول مرة.

هربت من نفسي واندفاعي لدقائق، لكي أقوم بتجريد الصورة، عساني أفهم، وأستخلص نتائج قد تكون جديدة.. تشرح لي عمق هذه اللحظة النادرة، ملايين القلوب المتحدة، لا رياء فيها، فالصدق حقيقة، والرغبة أكيدة في الخلاص، وبناء حياة صحيحة مستقيمة، لكن تناقضاً في الصورة يلح علىَّ، ويجعلني أشك في حقيقة الموقف وصحته، أما عن صورة شعوب العالمين الإسلامي والعربي الراهنة، فهم مجموعة متناحرة، يتحدثون ليل نهار عما يجمعهم، وهم في حقيقتهم قوي متصارعة متفرقة، يطرحون مباديء سامية ورائعة، وهم أول من يخالفها، ويسيرون في عكس الاتجاه، الخوف والقلق يستبد بهم، تكالبت عليهم الأمم، فسلَّموا مقاليد أمورهم إلي قوي داخلية أضاعت مستقبلهم، وسمحوا للقوي الخارجية بأن تزرع بذور الشقاق والشكوك والفتن في صفوفهم، فوقعوا فريسة لعقول غريبة الأطوار، زرعت الوقيعة بين المسلمين وعالمهم المعاصر.. لبُّوا نداء الصراع والتفكك.

ورَبُّوا قوي التطرف، وعَلَّموها حرث أرض الكراهية والتمهيد للكوارث والحروب الداخلية والأهلية.

يؤمنون بالسلام والتنمية والاستقرار والأمن، ويتركون قوة أخري تقودهم في عكس الطريق.

تربوا علي بناء الأوطان وحفظ حقوق الإنسان، الفقير في مقدمتها.. ولم يتركوا له الفرصة لتحقيق أهدافه.

استخلصتُ من الصورة إرادة الخالق، وفهمت أين مكامن القوة فينا؟ وعرفت أننا كأمة لو أخذنا الفرصة لبناء الوطن والإنسان، لصنعنا معجزة خالدة للإنسانية وفهمنا معني الصراع وأهدافه.

هربتُ من أفكاري بالدعاء، الذي وجدته ملاذاً لعالمي الداخلي، ولكنني طلبت من الله.. ألا يجعل كل هدفي وأمنياتي نهايتها الدعاء، ولكن العمل حتي لو كان صغيرا، لكي يساعد في تصحيح أوضاعنا، ويفتح الباب لشعوبنا للخروج من أزماتها، وبناء حياة مستقرة.

هل يمكن لأي عقل أن يسبر غور ما يفكر فيه النظام الحاكم في العراق، ويخلصنا من فهم المتناقضات الضخمة، والحيرة التي يضعنا فيها؟ ففي الوقت الذي يجب فيه أن يركز علي تخليص شعبه من الحصار والتجويع، ويكشف فيه العدوان الأمريكي والبريطاني علي العراق بهدف تفكيك الدولة وهدم بنيانها، بحجة نَزْع أسلحة الدمار الشامل، نجد صدام حسين وطارق عزيز مستمرين في سياستهما التي تؤدي إلي خلق النزاعات العربية، وضرب أية محاولة عربية جادة لمساعدتهما علي اجتياز الوضع الراهن، والتخفيف من معاناة الشعب العراقي من جراء استمرار الحصار والتجويع والإبادة، فالنظام العراقي أضاف إلي ذلك حصاراً داخلياً محكماً بالقمع والحزب الواحد والحرب المشتعلة من الخارج، وتخويف العراقيين من جيرانهم وأشقائهم العرب.

وإلا فكيف تفسرون حديث حكام العراق عن قرارات الأمم المتحدة بشأن الكويت، وأنها كيان مصطنع أنشيء لمحاصرة العراق، بل بلغ التمادي حده في رفض الواقع وإعادة زرع الفتن بين البلدين الحديث عن عدم اعتراف العراق بالقرار ٣٣٨، الذي سبق أن وافق عليه في مايو ٣٩٩١، بشأن حل مشاكل الحدود المعلقة بين البلدين، وكذلك رفضه لمنطقة الحظر الجوي في الشمال، وإعادة تجديد الصراع مع الأكراد.. تلك كانت آخر ابتكارات صدام حسين ومجموعته الحاكمة في بغداد، بعد أن وجه الاتهامات والشتائم إلي كل من ساعده في مواجهة الضربة الأمريكية ـ البريطانية التي تعرض لها العراق في ديسمبر ٨٩٩١، نهاية العام الماضي، وأبرزها الهجوم علي مصر ورئيسها، بل علي روسيا والصين وفرنسا، هم رموز المجتمع الدولي الذي رفض العدوان،

وأخيراً يمارس نظام العراق غرائبه غبر المبررة أو المفهومة، فأي منطق هذا الذي يرفض مساعدات الدول العربية للشعب العراقي لتخفيف الحصار والمعاناة، ونقص الطعام والدواء.. وانهيار مستوي المعيشة، بل المجاعة، التي تشهدها أغني دولة عربية علي يد نظام صدام حسين وعملائه، ولعل موقف التشكيك في المبادرة السعودية الراغبة في رفع الحظر التجاري والاقتصادي عن العراق، يعتبر أغرب المواقف العراقية، التي تعكس أن هذا النظام يحتاج إلي دراسة نفسية وعقلية جديدة لمعرفة كيفية التعامل معه، ويجعلنا نؤكد أن العراق وشعبه أصبح رهينة، ليس لنظام حكمه فحسب، ولكن لمجموعة من المجانين، وفاقدي الأهلية، يقبضون علي السلطة، ويحتاجون إلي ردع عربي، وتعاون جاد مع الشعب العراقي لإنقاذه من هذه المأساة الدرامية، التي ليس لها مثيل في تاريخنا العربي القديم والمعاصر.

سألت نفسي هل من الممكن أن يصل العرب إلي الاتفاق علي قمة قادمة، وجاءت الإجابة من داخلي أعتقد أننا نقترب من قمة عربية جديدة، وأملي أن نتصارح ونتصالح فيها، ونتفق، وليكن علي حد أدني ينقذ الجميع، ويحفظ آخر نقطة من الماء والدم العربي المهدر والمستباح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق