مقالات الأهرام العربى

مبارك.. حكمة العصر

لا شك أن تاريخ مصر والعرب سوف يتوقف طويلا أمام العشرين عاما الأخيرة من القرن العشرين، بالكثير من التقييم والتحليلات المتعددة، فبالرغم من انتصار أكتوبر ١٩٧٣ وما أعقبه من ارتفاع مكانة العرب اقتصاديا وسياسيا، نتيجة الانتصار العسكرى وارتفاع أسعار البترول، إلا أن المنطقة سارت بعد ذلك فى أجواء صعبة وأعاصير عديدة وتقلبات كبيرة لاتزال تتوالى علينا حتى اليوم.

وإذا كان لنا أن نرصد ظاهرة إيجابية واضحة أو نرى نقطة ضوء تُرشد تَطَلُعنا للمستقبل والألفية الجديدة بروح متفائلة ومستقبلية، فلن نستطيع إلا أن نرصد بقوة وبوضوح سياسات الرئيس حسنى مبارك فى مصر، على كل الأصعدة محليا وإقليميا ودوليا، فقد عكست هذه السياسات حكمة العصر الذى نعيشه باقتدار لا يوصف، فتجسدت شخصية مصر وعمق تاريخها فى حكمة قرارات ورؤية الرئيس حسنى مبارك، فكان للسياسات التى سلكتها »مصر مبارك« فى هذه السنوات الصعبة صواب الرؤية التى جَنَبت العرب ومصر مشاكل عديدة، وكان لمنطقتنا العربية أن تنجو مما خطط لها عقب حرب الخليج الثانية ومأساة احتلال الكويت، إذ تفهمت بدرجة أكبر أن حكمة وقيادة الرئيس مبارك وعمق قراءته لمعنى هذا الحدث القاتل فى تاريخ العرب المعاصر.

وقد سارت الأمور بما لا يشتهى العرب، وبما لا يخدم مصالحهم الاستراتيجية طويلة المدى، لكن تلك المحنة قد أظهرت حنكة مبارك خلال تلك الأيام مع رؤيته الصائبة بالحفاظ على النظام العربى، والوقوف ضد الاعتداء، وعودة الكويت المستقلة، واستمر مدافعا عن العراق ومصالحها الاستراتيجية بالحفاظ على وحدة ترابها، وبتخفيف معاناة شعب العراق، ومنع التدخل الخارجى لتغيير النظام، لأن هذا حق للشعب العراقى وحده، وليس للقوى الخارجية.

هذه الرؤية الشاملة لمنطقتنا وظروفها الصعبة لم تكن جديدة على قيادة الرئيس حسنى مبارك، فقد كان هو نفسه القائد الذى عبر بمصر محنة الجفوة والقطيعة الرسمية بين مصر ومحيطها العربى مع بداية الثمانينيات، والتى نتجت عقب مبادرة السلام، وسَعْىّ مصر إلى الخروج بالمنطقة من نفق عدم الاستقرار السياسى الناتج من الاستنزاف العسكرى وبزوغ رؤية السلام والتفاوض لحل الصراع العربى الإسرائيلى، وبداية مرحلة جديدة فى الشرق الأوسط، فحكمة العصر تمثلت فى الدور البارع الذى لعبه الرئيس حسنى مبارك فى تهيئة المنطقة للسلام الشامل مع الحفاظ على الحقوق والمصالح العربية، فأصبحت مصر ومبارك هما أصحاب الدور الأوفى والأكبر والرئيسى فى السلام، والدفاع عن الشعب الفلسطينى، ودعم مسيرته فى إقامة الدولة، وسط الأعاصير والأنواء والقلاقل الدولية.

ويمكننا أن نُضيف أن مصر مبارك هى الساعية والداعمة للموقف السورى واللبنانى، والتى استطاعت ـ بحنكة ورؤية شاملة ـ الدفاع عن السلام الشامل وربطه بالعلاقات الطبيعية والحفاظ على المنطقة بتوازنها الرائع فى مرحلة السلام والتعاون الإقليمى، فقد رهنت كل المصالح بما فيها الشرق أوسطية والرؤية المستقبلية للتعاون الاقتصادى والدولى مع إسرائيل، بالتوصل إلى السلام الشامل، وعودة صيغة الأرض مقابل السلام للتعامل على أرض الواقع، رغم تطرف اليمين الإسرائيلى، الذى جاء بنيتانياهو إلى السلطة فى التسعينيات ليجهض كل سياسات السلام، بل واصل مبارك سياساته السلمية بوضوح رؤية وحكمة عصر لا تبارى، فواصل هجوم السلام عالميا، وداخل الحدود الإسرائيلية، وأصبحت رؤيته مؤثرة على كل صعيد سواء فى منطقتنا أو فى أورويا أوأمريكا، فلأ لأول مرة تصل  السياسة العربية لهذا التأثير والفعالية الإقليمية والدولية وكشف أعداء السلام.

وإذا كان لنا أن نرصد كل ذلك فى وقت تحتفل فيه مصر والعرب بعيد ميلاد الرئيس مبارك، فإننا ننتهز الفرصة لتهنئته مع أمنياتنا له بعام سعيد، فإننا لن ننسى أنه نفسه القائد الذى عبر بالضربة الأولى جويا، وفتح طريق النصر العسكرى الأول للعرب فى القرن العشرين.

وكان صاحب الرؤية والحكمة لبلاده فى البناء والإصلاح الاقتصادى، فقادها نحو بناء عصرى ربط بلاده بالاقتصاد العالمى، وفتح الأسواق وارتفع معدل النمو، وانتقل إلى المشروعات العملاقة وخرج بمواطنيه من الوادى الضيق لتعمير الصحراء وإقامة المشروعات العملاقة. قائد بكل هذه المواصفات، وبهذا الرصيد التاريخى والأعمال الجليلة والتاريخية، حافظ على بساطته وقربه من الناس، خاصة البسطاء، ولم يتسرب إليه الغرور، بل كل يوم يتجدد ويتحرك، وتجده فى كل مكان من العالم، وينتقل فى كل أرجاء مصر ليدفع شعبه نحو العمل والتغيير بدأب غير مسبوق.

كل هذا يجعلنا نقول إن حكمة العصر وضحت فى رؤية مبارك الفكرية وقدرته العملية، ونقول إن حكمة العصر التى اتسم بها مبارك وطبع بها كل سياسات مصر ، هى رصيد كبير نستلهمه ونسترشد به، ونحن نتطلع إلى القرن المقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى