مقالات الأهرام اليومى

مهام الحكومة الجديدة

لم تكن انتخابات برلمان‏2005‏ كغيرها من الانتخابات التي تتحول بمرور الأيام إلي جزء من الماضي‏,‏ ولا تترك وراءها غير الذكريات‏.‏ فلقد شغلتنا وأجهدتنا كثيرا‏,‏ ونترقب ما سوف تأتي به خلال الأيام المقبلة‏.‏ فنحن الآن في انتظار الحصاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتلك المعركة الطويلة التي بدأت مع دعوة الرئيس حسني مبارك إلي تعديل المادة‏76‏ من الدستور‏,‏ وانتهت بالأمس القريب حين استكمل البرلمان الجديد هيئته‏.‏ وهكذا لم يكن عام‏2005‏ مثل غيره من الأعوام‏,‏ وإنما كان عام التحول السياسي الذي شهد تطورات بالغة الأهمية في مسيرتنا السياسية‏.‏ تم فيه الاختيار الحر المباشر لرئيس الجمهورية‏,‏ وتم فيه انتخاب برلمان جاء متغيرا في تركيبته عما سبقه ليواجه مسئوليات تختلف في سياقها كثيرا عن مهام برلمانات سابقة‏.‏

لقد انتهت معارك الاختيار الديمقراطي الحر‏,‏ وليس أمامنا اليوم أهم من تلك البرامج والسياسات والحلول لمشكلات كثيرة تواجه المصريين جميعا‏,‏ فقراءهم وأغنياءهم‏,‏ المتعلمين منهم وغير المتعلمين‏,‏ المشاركين وغير المشاركين في الأحداث السياسية الأخيرة‏.‏ وهي البرامج والحلول التي جاء اختيار المصريين للرئيس حسني مبارك علي أساسها‏,‏ وحصل الحزب الوطني علي الأغلبية في ظلالها‏,‏ فالحقيقة أن برنامج الرئيس يمثل آمال أمة تخوض معركتها في مواجهة قائمة طويلة من المشكلات‏.‏ ولذلك فإننا اليوم ـ ناخبين ومنتخبين ـ في مواجهة مع التحدي الأكبر‏.‏ وهذه المواجهة هي المحك الحقيقي للاختبار ودعم الثقة أو فقدانها في قدراتنا السياسية‏.‏فمعارك الاختيار قد انتهت‏,‏ وليس بين أيدي المواطنين سوي برامج وسياسات ووعود بمواجهة جادة وحازمة لمشكلات حياتهم‏.‏

وإذا كان الرئيس مبارك منذ بداية معركة الانتخابات الرئاسية وحتي خطابه في الهيئة البرلمانية للحزب الوطني في مجلس الشعب الجديد ـ قد أكد أن برنامجه يتجاوز قضية الوعود الانتخابية إلي الالتزام والجدية والتنفيذ‏,‏ فإن هذا البرنامج يظل هو المحك الرئيسي في تقييم أداء الحكومة والبرلمان خلال السنوات المقبلة‏.‏ فهو بمحاوره المختلفة التي تمس اهتمامات المصريين جميعا يعد العقد الاجتماعي المبرم بين المصريين والحكومة والبرلمان‏.‏

وربما يساور البعض منا شئ من الشك الموروث عن كثرة الوعود وقلة الوفاء بها‏,‏ ولكننا اليوم نعيش واقعا جديدا لايحتمل التأخير أو المماطلة‏,‏ بعد أن دخل المواطن المصري معركة الاختيار الحر في المعادلة السياسية‏,‏ وهو متغير لابد أن تنظر إليه الحكومة والبرلمان نظرة مختلفة‏,‏ تساعد علي فهم أعمق للالتزامات المترتبة عليه‏.‏ ولست في حاجة إلي تأكيد أن الدور النشيط للمواطن المصري في العملية السياسية يلقي دعما واضحا من الرئيس مبارك الذي أكد أن الانتخابات تمثل برغم ما شابها من سلبيات خطوة مهمة إلي الأمام في مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي‏.‏ وإذا كانت الحكومة والبرلمان يتحملان اليوم مسئولية تنفيذ البرنامج الانتخابي الذي يحقق مصالح الوطن والمواطنين‏,‏ فإن الرأي العام هو الرقيب الذي لن يغفل عن متابعة أدائهما معا من أجل تحويل هذا البرنامج إلي واقع ملموس في حياتنا‏.‏

لقد انقضت سبعة عشر شهرا علي تشكيل الحكومة الراهنة‏.‏ وسواء خضعت للتغيير أو استمرت‏,‏ فإن الحكومة المقبلة سوف تتحمل المسئولية الأكبر عن أن يصبح برنامج الرئيس شيئا فشيئا جزءا من الحياة اليومية لجموع المصريين‏.‏ وأولي مسئولياتها هي جدولة البرنامج الانتخابي وفق إطار زمني محدد ومعلن مع وضع أولويات للسياسات والحلول التي يتضمنها حسب احتياجات المواطن‏,‏ وليس وفقا لرؤية وزرائها‏,‏ ثم تحويل هذه السياسات إلي آليات تنفيذ تحظي باهتمام المواطن‏.‏ ولابد أن تلجأ الحكومة في كل الحالات إلي لغة مغايرة في خطابها السياسي الموجه إلي الرأي العام‏,‏ إذ لن تجدي لغة التكنوقراط في إغراق المواطنين بمفاهيم وعبارات فنية تعطي الوزراء فرصة للتملص من تنفيذ فعلي قابل للقياس والتقويم للسياسات والبرامج‏.‏ فمن المهم أن تعمل الحكومة‏,‏ ولكن عليها في الوقت نفسه أن تحسن مخاطبة المواطنين بما تفعله‏.‏ لقد قدمت حكومة الدكتور أحمد نظيف الكثير فيما انقضي من عمرها‏,‏ وهذه حقيقة يدركها الكثيرون‏,‏ ولكنه كان مقلا في حديثه إلي المواطنين حول ما تقوم به حكومته‏.‏ ومن حقه علينا ان نحسن فهمه إن تحدث بما يخالف آراء استقرت لدي البعض منا‏,‏ وأن تتسع دائرة الحوار ا
للائق معه‏.‏ أما وزراء حكومته فكثير من تصريحاتهم فقد معناه ومغزاه لدي المواطنين‏.‏ فهي غالبا ما تأتي تصريحات فضفاضة لاتقول شيئا‏,‏ وبعيدة عن أي احتمال للمراجعة والتقويم‏.‏ ومن بينها ـ علي سبيل المثال ـ تصريحات بعض الوزراء الحاليين عشية تكليفهم بالوزارات التي يتحملون اليوم مسئولياتها‏.‏

إن البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك يحتوي علي صياغات دقيقة ومحددة بالأرقام عن فرص العمل والأراضي المستصلحة والسياحة والصحة والإسكان وتخطيط القري المصرية والتعليم بمراحله المختلفة وبرامج المياه والزراعة وتفعيل دور المحليات‏.‏ ومن غير المقبول أن تتحول هذه الأرقام المحددة بدقة إلي عبارات عامة علي ألسنة المسئولين المنوط بهم ترجمة الأرقام إلي واقع ملموس يراه المواطن رأي العين من حوله‏.‏

ويهمني هنا الإشارة إلي جدية الحكومة في برنامج الخصخصة‏,‏ وتنشيط البورصة المصرية‏.‏ فقد نجحت إلي حد كبير في الأيام القليلة الماضية في هذا الصدد عندما طرحت‏20%‏ من أسهم الشركة المصرية للاتصالات‏,‏ وقد رأينا التجاوب المذهل من جانب المدخرين الذين أقبلوا علي الشراء بصورة لم تحدث من قبل‏.‏ ويجب الاستفادة من هذا التطور المهم وتكراره‏.‏ فهناك رموز اقتصادية إذا طرحت للمواطنين من خلال البورصة فسوف يحدث نفس التجاوب‏,‏ وسيعطي ذلك مصداقية كبيرة للحكومة ولسوق المال المصرية‏.‏ وسيتعلم المصريون المعني الحقيقي للخصخصة‏,‏ وأنها ليست عملية بيع للاقتصاد‏.‏ ولكنها شراء المصريين لاقتصادهم وأنها عملية اقتصادية كبري‏,‏ لتسييل أصولنا الاقتصادية وتحريكها لنتحول إلي اقتصاد ديناميكي حقيقي‏,‏ يحدث خلاله تقسيم سليم للعمل‏,‏ ويملك عن طريقه الشعب والمواطنون والقطاع الخاص أصول الإنتاج‏,‏ وبالتالي ينتجون السلع والخدمات‏,‏ وتتفرغ الحكومة لمهام أكبر‏,‏ مما يؤدي إلي تحول كبير نحو اقتصاد قوي وتوفير فرص جديدة للعمل‏,‏ وهكذا يصبح اقتصادنا جزءا من الاقتصاد العالمي بكل مقاييسه ومعاييره‏.‏ والحقيقة أن برنامج الرئيس الانتخابي هو خطاب التكليف لأي حكومة
خلال السنوات الست المقبلة‏,‏ وهو معيار واضح لتقييم أدائها أمام الرئيس والرأي العام‏.‏ فلقد اعتادت الحكومات علي أن يتم تكليفها بقضايا ومشكلات دون تحديد معايير الإنجاز الواجب عليها تحقيقه‏.‏ أما اليوم فإن مهمة الحكومة صعبة أمام برنامج محدد تعاقد الشعب عليه مع الرئيس مبارك‏,‏ وهو أكثر تحديدا من كل خطابات التكليف التي صدرت لكل الحكومات في الحياة السياسية المصرية من قبل‏.‏ وعلي الحكومة أن تستعد لذلك جيدا‏.‏

البرلمان
يبدأ البرلمان الجديد عمله بعد معركة انتخاب طويلة‏,‏ ولدي الرأي العام في مصر نحوه مشاعر تتأرجح بين الشك والرجاء‏..‏

فالشك تبعثه سنوات طويلة من الممارسة التي اختزل الأعضاء معظمها في السعي نحو جمع توقيعات الوزراء‏,‏ وإدارة المصالح الخاصة والسلوكيات غير المقبولة‏,‏ وتصفية الحسابات‏,‏ والوقوف عند صغائر القضايا‏,‏ وتغييب هموم المواطن تحت قبة البرلمان‏.‏

أما الرجاء فهو نتاج معاناة عشرة أشهر كاملة من الحراك السياسي غير المسبوق ومعارك انتخابية استنفدت الكثير من الجهد في مناخ حر لم يخل من العنف‏.‏ ويعزز هذا الرجاء المهام الكبري التي تنتظر أعضاء البرلمان الجديد‏,‏ والتي تحدد مستقبل الحياة السياسية في بلادنا‏.‏ فمجلس الشعب الجديد هو ضمير المصريين في الرقابة علي الحكومة ومتابعة أدائها‏.‏ ولو أنه تابع نيابة عنا أداء الحكومة وراقب تنفيذها برنامج الرئيس مبارك في التحول الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي‏,‏ وأنهي سنواته الخمس بواقع يشهد بتحقيق ما تضمنه هذا البرنامج في كل المجالات ـ لو أنه فعل ذلك فسوف يكون إنجازا غير مسبوق في حياتنا البرلمانية‏,‏ وعندئذ يستحق أعضاؤه كل التقدير والاحترام‏.‏ ولذلك أتمني أن يحظي هذا البرنامج باهتمام كل عضو في المجلس مهما تكن انتماءاته الحزبية‏,‏ فلسنا نطمح خلال السنوات الخمس المقبلة إلي أكثر مما فيه من إصلاح دستوري وتحول ديمقراطي وتحديث تشريعي وحرية تعبير وإصلاح اقتصادي واجتماعي‏.‏

وعلي جانب آخر فإن مجلس الشعب الجديد يتحمل أكثر من غيره مهمة إدارة عملية التحول الديمقراطي خلال الفترة المقبلة‏.‏ فنحن لم نصل بعد إلي الديمقراطية التي ننشدها‏,‏ ولسنا مطالبين بالقفز المفاجئ غير المحسوب في طريقها‏.‏ وإنما نحن في حاجة إلي تنقية الدستور من مواده التي تعوق مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي‏,‏ علي أن تتضمن التعديلات الدستورية تعزيز دور البرلمان نفسه في المراقبة والتشريع‏,‏ وفي حاجة أيضا إلي تفعيل المشاركة السياسية ودفع الحياة الحزبية الحقيقية إلي الأمام‏,‏ وبحاجة إلي تحديث تشريعي يعزز استقلال القضاء وحماية قائمة طويلة من الحقوق التي لاتحظي بالحماية الواجبة‏.‏

إن المهام المنتظرة من المجلس الجديد تعد محل إجماع من المواطنين‏,‏ وليست مجالا للاختلاف بين التيارات والاتجاهات الموجودة فيه‏.‏ فقد نقبل الخلاف أو الاختلاف حول وسائل وأساليب معالجة بعض القضايا‏,‏ ولكننا لن نقبل أن تصبح المهام التي نسعي إليها ضحية للخلافات والمهاترات بين أعضاء المجلس‏.‏ فليس من بين هذه المهام ما يصادر فكرا أو يخالف دينا‏,‏ وإنما هي محل إجماع الضمير الوطني بكل الروافد التي أسهمت في تكوينه‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق