حواراتفاعليات

«شيراك» سألنى عن التوريث فقلت له «جمال» سكرتير لوالده.. والرئيس «مبارك» شكرنى وقال لى: مصر لن تُورث

الحوار مع شخصية بحجم الكاتب الصحفى أسامة سرايا، رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة الأهرام الأسبق، ملىء بالذكريات التى تعج بمعلومات لا يعرفها الكثيرون خاصة من المهتمين بالشأن العام، كما أنه ثرى بالمواقف التى عاصرها الرجل بدءاً من الرئيس الراحل أنور السادات، الذى شارك معه فى تأسيس الحزب الوطنى الديمقراطى، مروراً بالرئيس الأسبق حسنى مبارك وعلاقته الوطيدة بمسئولى مفاصل الدولة آنذاك، وحتى تواصله معه الآن باعتباره «إنسان»، على حد وصفه.

«سرايا» قال لـ«الوطن» إنه حاور أغلب رؤساء دول العالم وقص أبرز المواقف التى لا ينساها، خاصة مع الرئيس الفرنسى الأسبق جاك شيراك، والرئيس العراقى الراحل صدام حسين والرئيس الليبى الراحل معمر القذافى، كاشفاً النقاب عن كواليس إقالته من منصبه كرئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام وطبيعة علاقته مع رئيس التحرير الذى أتى بعده وحقيقة منع مقالاته من النشر.. وإلى تفاصيل الحوار:

فى البداية نريد أن نعرف أبرز ما لديك من ذكريات لا تنساها قبل الحديث فى تفاصيلها؟

– دعنى أبدأ بالحديث عن رمضان 1439هـ الحالى أولاً، فقد اجتمعت فيه ذكرى 3 أحداث لها دلالات، أولها ذكرى انتصار العاشر من رمضان، ثم ذكرى هزيمة 67 فى شهر يونيو الحالى، وأخيراً بعد 13 سنة من غياب رموز الدولة المصرية وقوتها حلف الرئيس اليمين الدستورية لولاية ثانية، وقفت أمام هذه التواريخ وعدت بالأيام إلى الذاكرة وكان أسوأها 5 يونيو 1967، أسوأ كارثة فى التاريخ المصرى المعاصر، حيث تم تهجير مواطنى كل مدن القناة، هنا ظهر أمام الناس وجيلنا الذى عاش هذه الأيام أن مصر قد ذهب ريحها، وبالحسابات العقلية تبين أن مصر انتهت وأنها ستصبح دولة فرض عليها هزيمة وتبعية، لكن الشعب المصرى فاجأ الناس كلها برفض الهزيمة، خاصة أنه لا يملك شيئاً، فعندما رفض المصريون رحيل عبدالناصر لم يرفضوا رحيل شخصه لكنهم رفضوا فى رحيله تقبل الهزيمة، ليؤكدوا أنهم قادرون على تجاوزها وهذا الموقف كان بداية لعصر جديد.

كيف رفض المصريون الهزيمة حينها كما تقول؟

– حاولت القوى الباغية فرض سلام الاستسلام على المصريين، يفرضون علينا البقاء مهزومين عبر التاريخ بأن نعيش دولة ذليلة فى الشرق الأوسط، وكانت أول ضربة العملية البحرية فى ميناء إيلات، التى كانت إشارة إلى أننا سنقاتل ولن نقبل الهزيمة، وعندما عبرنا القناة بعد 6 سنوات، العبور فى حد ذاته لم يكن عبوراً فقط ولكن رسالة لكل المؤسسات العالمية والعسكرية والعلمية تقول إن المصريين رغم أن ليس عندهم علم حديث ومؤسسات قوية تجابه العصر إلا أنهم أعلنوا أنهم سيظلون جزءاً من العالم المعاصر.. النصر هنا جاء بإمكانيات محدودة وهذه هى العبقرية.

هل تريد أن تربط بين ما حدث فى هزيمة 1967 وثورة 25 يناير 2011؟

– بالفعل، بعد 2011 أرادوا أن يفرضوا على مصر وسوريا والدول العربية الفوضى، وفى هذه المرحلة دخل العدو لضربنا، ليس عسكرياً، ولكن من خلال الطابور الخامس الكامن بداخلك وهى أمراضك الداخلية عبر التاريخ، أو ما يسمى بـ«الإسلام السياسى»، وقد وظفهم المتطرفون للاستيلاء على السلطة فى مصر وحكموا بأموال خارجية قطرية تم إنفاقها وتدخل تركى مقيت برعاية وموافقة إيرانية مسبقة، أما إسرائيل فاتخذت موقف المتفرج فى أحداث 2011 مثلما كانوا يتفرجون فى الحرب الأمريكية ضد العراق وسوريا فى إطار الجيل الرابع من الحروب.

وماذا عن موقف حلف الرئيس لليمين؟

– عندما وقف رئيس الجمهورية فى البرلمان يقول إنه نفذ 11 مشروعاً قومياً، أعلن بذلك خروج مصر من طوفان الفوضى وخلص مصر من التدخل فى الشأن الداخلى المصرى ومن أقزام أحدهم «معاه فلوس» وآخر يريد بناء الدولة العثمانية على أنقاض دول المنطقة لصالح الاستعمار العالمى، كل هذه الأشياء ظهرت لى فى رمضان 1439، واكتشفت من استدعاء كل تلك الذكريات أن مصر دولة ليست من السهل هزيمتها لأنه لا أحد من الأعداء يعرف من سيقاوم، لأننا نتمتع بالعقل الجمعى للشعب، وإسرائيل فهمت هذا الموضوع والعرب لم يفهموه، كما أدركت أنه مثلما أدركنا فى هزيمة 67 أنه من الضرورى أن يكون لدينا جيش قوى، أدركنا بعد 2011 أن يكون لدينا دولة حديثة ومواطن حديث، كما أن حركة المجتمع تدل على أنه يقبل ما لم يكن يقبله فى الماضى ليعود مقتنعاً بفكرة الصبر على المكاره، فالمجتمع لو عملت له طبلة وقلت له تعالى نعمل فوضى لن يستجيب.

ما أبرز ذكرياتك الصحفية خاصة أنك عاصرت مبارك فترة ليست قليلة؟

– أنا كصحفى تربيت على أنى أتابع الأحداث، وأحد الأشياء التى كانت تثير حفيظتى فى مجال عملى عندما كنت أرى رؤساء التحرير يتحدثون عن مواقفهم مع رئيس الجمهورية فلا أحترمهم.

لماذا؟

– ما هو ده طبيعى إن الرئيس يقابل كل الصحفيين، وإن الصحفيين يلتقوا بكل المسئولين والزعماء ليحصلوا منهم على المعلومات والأخبار، وليس من الطبيعى أن نتفاخر بهذا، أنا دائماً صحفى إخبارى، والخبر حينها كان شيئاً مقدساً، لكن الآن لم يعد مقدساً لأن كل مسئول أصبح تحت رجله أو دماغه 500 ميكروفون، وبالتالى فإن عصر الانفراد قد انتهى، الآن لا بد أن نعيش عصر التحليل.

لكن هذا لا يمنع من أنك كونت شبكة علاقات وصداقات مع كبار المسئولين وأصحاب النفوذ حينها؟

– عشت فى مؤسسة صانعة الخبر، وهى مؤسسة الأهرام، كما كنت أسعى لصناعة الخبر مش عشان أعمل صداقات، وتعلمت ذلك من الكاتب الصحفى الراحل إبراهيم نافع، رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير ونقيب الصحفيين الراحل، رحمه الله.

هذا عن علاقتك بإبراهيم نافع.. فماذا عن الكاتب الصحفى الراحل محمد حسنين هيكل؟

– «هيكل» كان هو والسلطة واحد، كان هو وعبدالناصر ملك وكتابة، فاندمج فى السلطة فأصبح هو السلطة، فهناك بعض الناس يقولون إن عبدالناصر توفى عام 2017 بوفاة «هيكل» لأن فكرته كانت لا تزال حية.

قص لنا أبرز مواقفك مع الرئيس الأسبق مبارك؟

– لم أكن أقبل أن يجرى رئيس الجمهورية حواراً لصحيفة أجنبية قبل أن يجريه فى الأهرام، ماكنتش بعرف أنام، وذات مرة زار مبارك أمريكا ليلتقى رئيسها حينها باراك أوباما، وقد أجريت معه حواراً قبلها وحصلت على تفاصيل الزيارة وماذا سيقول لأوباما قبل عقد الاجتماع.

هل أجريت حواراً مع زعماء آخرين؟

– نعم، فقد التقيت جاك شيراك رئيس فرنسا، قبيل مغادرته قصر الإليزيه بأسبوع، حينها سألنى «مَن سيحكم مصر هل جمال مبارك؟» فأجبته بأن جمال مجرد سكرتير يعاون والده ولن يحكم مصر بعد مبارك، وكان هناك شهود نقلوا الكلام لمبارك وكلمنى الرئيس حينها وقال: «اللى قلته صح يا أسامة لن يحكم مصر إلا من يختاره أبناؤها.. فمصر لا تورث».

هل حاورت معمر القذافى؟

– حاورت القذافى وكان بينى وبينه مشكلة قديمة عندما أتى ليحضر مؤتمر القمة العربية فى مصر واقتحم طاقم حراسته الحريمى حاجز الحراسة دون تفتيش، وكنت أعلق فى محطة تليفزيونية على ذلك فهاجمت القذافى وحراسه باقتحامهم الدولة بهذه الطريقة الحمقاء، وكنت حينها رئيس تحرير الأهرام العربى، واشتكانى «القذافى» لمبارك وقال له: «أنا هقتله لو مترباش.. إزاى يتكلم عليّا كده؟»، فطلب مبارك من صفوت الشريف أن يصالحنى عليه وحدثنى صفوت الشريف بالفعل وكانت هناك رحلة لمبارك فى ليبيا فرفضت لأنه هددنى بالقتل، وقيل لى هل تخاف وأنت مع الرئيس فقلت إنه ليس له أمان، وبالفعل سافرت وسلمت عليه ولم يعلق على الموضوع.

وماذا عن صدام حسين؟

– حاورت الرئيس العراقى صدام حسين وزرته مع أول وفد مصرى برئاسة محافظ البنك المركزى بعد عودة العلاقات التى كانت مقطوعة بسبب معاهدة السلام مع إسرائيل، وحكى لنا أن مصر بلد عظيمة ولكن فيها فساد كثير، فرد محافظ البنك المركزى على نجم قائلاً أى حد يتمسك يقدم للمحاكمة، فطلب «صدام» نقل تجربة العراق للرئيس السادات، وقص موقفاً يوضح هذه التجربة قائلاً «نمى إلى علمنا أن وكيل وزارة خد عزومة فجمعتهم على الفطار وقلت لهم اكتشفت أن فيه جريمة فساد والعراق مش فاضية تحقق فأطلقت النار على المتهم»، فأنا قلت إحنا عايزين فساد فى مصر أحسن من اللى بيعمله الراجل ده، وكتبت مقالاً رفضاً لجريمة مقتل صدام.

كيف تركت الأهرام وماذا فعلت بعدها؟

– تركت الأهرام نهاية مارس 2011، وجه يحيى الجمل والجماعة الثورجية وأرادوا أن ينتقموا من كل من له علاقة بمبارك، فمثلوا برؤساء التحرير فى هذا الوقت، لأننا كنا أضعف حلقة، مفيش مؤسسة تدافع عنا وأنا كنت أكبر واحد فيهم، فكان لا بد أن يتم التشهير والتنكيل بى على مستوى عال، ولولا أنى لم أخطئ فى عملى لكان من الممكن أن تكون ظروفى أصعب، وجئت بمنظور مهنى وليس بمنظور أنى مصاحب حد أو بتزكية من جهاز، كما تم اختيارى رئيساً لمؤسسة عريقة بحجم مؤسسة الأهرام من خلال أدائى المهنى، فقد أنشأت على سبيل المثال مجلة الأهرام ومعهد الأهرام للصحافة.

هل هناك مقالات مُنعت لك؟

– رئيس التحرير الذى أتى بعدى أراد أن ينكل بالفترة السابقة ومنع مقالاتى، وقلت له امنع يا حبيبى، التاريخ سيعيد نفسه ولا يمكن أن تضيع الحقيقة حتى لو ضاعت بعض الوقت، فعليك أن تلتزم بقيم الجورنال، ومنها أن يحتضن رئيس التحرير المقبل رئيس التحرير السابق، فقال: لا، قدم على إجازة، ولم أذهب لأى مكان وجلست فى البيت، والآن عدت لأكتب وهو الذى رجع بيته، وقد عرض علىّ شغل كثير لكنى قررت ألا أعود إلا من باب الأهرام.

وماذا عن علاقتك برؤساء الوزراء؟

– أحمد نظيف أفضل رئيس وزراء فى تاريخ مصر منذ ثلاثينات القرن الماضى بالأرقام.. ثم شريف إسماعيل ثم عاطف صدقى ثم محلب، أما هشام قنديل فهو ومرسى فصل اعتراضى فى تاريخ مصر، فضلاً عن حازم الببلاوى رغم أنه اقتصادى عظيم، والجنزورى رئيس حكومة عادى أخذ دعاية سياسية أكثر من حقيقة أدائه.

هل تعرضت لمحاولة اغتيال؟

– تعرضت لمحاولة اغتيال أثناء فترة حكم الإخوان، لا أستطيع أن أقول إنهم المسئولون، لكنى أتحدث عن الفوضويين الذين كانوا كثراً حينها، حيث كنت خارجاً من الأهرام ذات يوم وقتل عامل بجانبى وتلقيت تليفوناً من أحد الواقفين فوق الكوبرى يقول لى كان المفروض الرصاصة تكون فيك، لا أخشى الإخوان ولكن أخشى الفوضى، لأنها المقدمة التى تصنع حركة التنظيمات السرية.

ما طبيعة علاقتك بالرئيس الأسبق مبارك حالياً.. هل لا تزال على تواصل معه؟

– أتحفظ على هذه النوعية من الأسئلة، فالرئيس الأسبق حسنى مبارك يجب أن يعامل معاملة الإنسان العادى، ده رجل حكم مصر لمدة 30 سنة، وعموماً أنا أعامل الرئيس الأسبق معاملة إنسان، فأحدثه تليفونياً ولا أريد أن أعلن أكثر من ذلك.

ما طبيعة علاقتك بمكرم محمد أحمد وكرم جبر حالياً؟

– مكرم محمد أحمد وكرم جبر تاريخهما محترم ويعرفان المهنة بشكل جيد، ويستطيعان إدارة الدفة بأمانة، فأنا عاصرتهما وأعلم إمكانياتهما، لكن المشهد لا يزال صعباً لأن التكنولوجيا فرضت متغيرات جديدة فى عالم المهنة، والمشهد يتغير بالكامل، لذا فهو يحتاج عقولاً جديدة وتفكيراً بشكل معين، فضلاً عن أن الظرف السياسى لم يكن مؤهلاً لأن يعمل الناس فى المهنة بحب، فمهنة الصحافة ظروفها صعبة وشاقة.

أخيراً.. كيف ترى المشهد الصحفى حالياً؟

– المرحلة المقبلة شديدة الصعوبة، والدفة تحتاج تضافر كل الأجيال وكل الخبرات، ولم يعد لها مزايا باعتبارها سلطة رابعة، كما أنه لم يعد بها شهرة أو مزايا مادية، لكنها أصبحت مهنة تفكير ومتابعة ومهنة عقول، والتخصص الدقيق صحافة القصة المتكاملة بأبسط الأساليب وتحتاج مجهوداً كبيراً.

رئيس تحرير الأهرام الأسبق مع الرئيس الفرنسى الأسبق جاك شيراك
رئيس تحرير الأهرام الأسبق مع الرئيس الفرنسى الأسبق جاك شيراك
مع بطرس غالى
مع بطرس غالى
مع ملك الأردن
مع ملك الأردن
بواسطة
الوطن
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق