مقالات الأهرام اليومى

مبــارك في واشــنطن

أحد التحولات الجوهرية التي أدخلها الرئيس الأمريكي باراك أوباما علي سياسات بلاده علي مدي الأشهر السبعة الماضية هي علاقته الاستراتيجية بمصر‏,‏ فقد استطاع خلال هذه الفترة الوجيزة كسر جليد تلك العلاقة المهمة للدولة العظمي والشرق الأوسط والعالم‏,‏ كما هي مهمة لمصر لتجتاز جمود سنوات المرحلة الماضية في عهد بوش الابن‏,‏ وتمثل ذلك في أعلي معدلات زيارة للمسئولين الأمريكيين‏..‏ وقد تقدمهم الرئيس باراك أوباما نفسه في‏4‏ يونيو الماضي‏,‏ وبإلقائه خطابه التاريخي بجامعه القاهرة
أسامة سرايا

‏ ثم وزراء الخارجية والدفاع والمبعوثون الآخرون وصولا إلي القمة المرتقبة للرئيسين مبارك وأوباما في واشنطن يوم الثلاثاء المقبل‏18‏ أغسطس بالبيت الأبيض‏,‏ والتطورات الإيجابية التي عكسها تقييم إستراتيجي جديد للسياسة الخارجية الأمريكية خلال فترة الإدارة السابقة‏,‏ والتي وضعت مصر في مركز وقلب تحركات السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط‏,‏ وهو ما يجعلنا نضع القمة المرتقبة كحدث تاريخي ذي أبعاد متعددة ومؤثرة وتاريخية في مكانها الذي تستحقه‏.‏

خاصة مع ما تمثله مصر ورئيسها مبارك في كل أحداث منطقتنا والعالم بداية من عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ مرورا بالملفات الملتهبة والمفتوحة في العراق وإيران‏,‏ وانتهاء بملفات أفغانستان والتطرف‏,‏ والتي كانت محور خطاب أوباما باعتبارها الملفات الرئيسية في أجندة أمريكا الخارجية مع وضع تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في مكانها المميز‏,‏ وتأكيد المشاركة في التعامل مع قضايا المنطقة وتوتراتها‏,‏ فقد ظلت مصر وعلي مدي خمسة وثلاثين عاما منذ استئناف العلاقات المصرية‏-‏ الأمريكية بعد قطيعة استمرت نحو سبع سنوات‏(1967‏ ـ‏1974)‏ وعلي الرغم من التوترات التي شهدتها العلاقات بين البلدين طوال تلك السنوات

أقول ظلت مصر في كل الأحوال محافظة علي مشاركة استراتيجية حققت الكثير من المصالح للجانبين إقليميا وعالميا‏.‏ ولم تكن هذه المشاركة تعني يوما التطابق في المواقف والسياسات تجاه القضايا والمشكلات الإقليمية بصفة خاصة‏.‏ ومن الطبيعي أن تكون هناك خلافات واختلافات ترتبط برؤي كل طرف‏,‏ غير أن السنوات الخمس الأخيرة حملت معها الكثير من الفتور في العلاقات‏,‏ الأمر الذي أدي إلي توقف الرحلات الرئاسية المصرية التي درج الرئيس حسني مبارك علي القيام بها بصفة دورية لدعم وتطوير الأبعاد الاستراتيجية للعلاقات المصرية ـ الأمريكية

وحتي لا ننسي فيجب وضع الفترة الماضية في علاقاتنا تحت المجهر‏,‏ والتقييم المستمر بل والمتابعة الدقيقة لها حتي لا تتكرر مرة أخري في علاقاتنا‏,‏ فالذي أصاب العلاقات المصرية ـ الأمريكية محصلة طبيعية لسياسات الإدارة الأمريكية السابقة في عهد الرئيس جورج بوش‏,‏ سواء ماتعلق منها بمصر أو بالقضايا الإقليمية‏,‏ وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تحملت مصر فيها مسئولية إدارة التفاوض بين الأطراف المختلفة‏.‏ كما أنها كانت أيضا نتيجة طبيعية للموقف المصري المعلن من المشاركة مع الولايات المتحدة التي تراها مصر مشاركة بين طرفين‏,‏ لكل منهما الحق الكامل في التعبير بوضوح عن مصالح بلاده بصرف النظر عن النتائج‏.‏

وكان بوسع مصر أن تتجاوز عن بعض مسببات التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة بسبب تعدد دوائر صنع القرار في السياسة الأمريكية من الكونجرس إلي جماعات الضغط إلي غيرها‏.‏ إلا أن إدارة الرئيس بوش ذاتها أصبحت سببا رئيسيا في هذا التوتر‏,‏ فقد بات من الصعب العمل مع هذه الإدارة علي تطوير مشاركة إستراتيجية في ظل أوضاع إقليمية زادتها سياسات بوش تعقيدا برؤاها اليمينية المتطرفة‏.‏ التي طالت العلاقات الثنائية بين البلدين

وخرج مسئولو الإدارة السابقة ببعض التصريحات العدائية‏,‏ وظهرت رغبات الإملاء ووضع الشروط والتلاعب بورقة المعونة الأمريكية لمصر‏.‏

………………………………………………………..‏

كان موقف الرئيس مبارك واضحا وقاطعا من هذه التطورات السلبية في موقف الإدارة الأمريكية‏.‏ فالمشاركة مع الولايات المتحدة لاتعني القبول بالسياسات الأمريكية‏,‏ بعيدا عن المصالح المصرية‏,‏ سواء ما تعلق منها بالعلاقات الثنائية أو بالقضايا الإقليمية‏,‏ التي تمس بشكل مباشر الأمن القومي المصري‏.‏ وكان امتناع الرئيس مبارك عن القيام برحلاته المعتادة ـ التي وفرت للعلاقات بين البلدين الظروف الملائمة للتطور بما فيه مصلحة البلدين ـ تعبيرا عن تحفظ مصر علي تلك التوجهات التي جاءت بها الإدارة السابقة‏.‏

واليوم وقد كشفت الأيام للأمريكيين أنفسهم قبل غيرهم حجم الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة السابقة في العديد من الملفات والقضايا المحلية والإقليمية والدولية‏,‏ فإن ظروفا جديدة وفرت مناخا جديدا وبداية جديدة لمرحلة أخري من العلاقات المصرية‏-‏ الأمريكية‏.‏ ومن هنا تأتي زيارة الرئيس مبارك للولايات المتحدة الأسبوع القادم‏,‏ وهي تمثل اللقاء الثالث بين الرئيسين مبارك وأوباما‏,‏ ولكنها تنطوي علي أهمية غير مسبوقة بالنسبة لمستقبل العلاقات المصرية‏-‏ الأمريكية‏.‏ فزيارة أوباما للقاهرة في يونيو الماضي‏,‏ وإن حملت تقديرا واعترافا لدور مصر ومبارك باختيار القاهرة مكانا للمصالحة التاريخية مع العالم الإسلامي‏,‏ إلا أنها لم تكن الفرصة الملائمة لبحث أسباب التوتر واستعادة أجواء التعاون الإستراتيجي بينهما‏,‏ وبحث كل الملفات العالقة في العلاقات بين الدولتين‏.‏ وكذلك كان الأمر بالنسبة للقاء بينهما علي هامش قمة الدول الصناعية الكبري‏.‏

علي مدي السنوات الخمس الماضية تغيرت كثيرا قضايا المنطقة بما استجد منها‏,‏ وبما تطور فيها‏,‏ وهو أمر يفرض الاتفاق علي أطر إستراتيجية عامة تحكم تعاملات البلدين بشأنها‏.‏ هذه الأطر الاستراتيجية هي ما سوف تأتي به زيارة الرئيس مبارك لواشنطن الأسبوع المقبل‏.‏ كما أن الزيارة أيضا في سعيها لتلافي التوتر الذي ساد علاقات الدولتين خلال السنوات الخمس الماضية‏,‏ سوف تؤكد ثوابت الموقف المصري من المشاركة مع الولايات المتحدة‏..‏ المشاركة التي ترفض ممارسات الإملاء ووضع الشروط‏,‏ وتعمل من أجل مصالح البلدين معا دون تغليب مصالح طرف علي آخر‏.‏

وربما كانت الظروف الآن مواتية لتدشين مرحلة جديدة في العلاقات بين الدولتين‏,‏ ففي البيت الأبيض اليوم رجل له مواصفات خاصة ورؤي مختلفة أكثر واقعية وأكثر بعدا عن الأطر الأيديولوجية التي حكمت الولايات المتحدة ثماني سنوات‏.‏ وكذلك فإن حكمة الرئيس مبارك وخبرته الطويلة في المنطقة تمثل فرصة أمام الإدارة الجديدة لاستعادة التوازن في السياسة الأمريكية‏,‏ ليس نحو مصر فحسب‏,‏ وإنما أيضا نحو المنطقة وقضاياها‏.‏

………………………………………………………..‏

وأمام الرئيسين مبارك وأوباما تجربة الإدارة الأمريكية السابقة في إدارة العلاقات الثنائية بين البلدين‏,‏ وكذلك إدارة الملفات الإقليمية المختلفة‏,‏ وهي تجربة تحمل الكثير من الأخطاء التي يتعين تجنبها وتصحيحها‏,‏ فالولايات المتحدة في مساعيها الرامية إلي إعادة بناء علاقات أكثر توازنا في المنطقة‏,‏ والعالم بحاجة إلي شركاء إقليميين فاعلين يمكنهم تجسير الفجوة بين المصالح الأمريكية ومصالح الأطراف الإقليمية المختلفة‏.‏ وربما تدرك الإدارة الأمريكية الحالية أهمية شركائها الإقليميين في ضوء تجربة الإدارة السابقة التي اختارت ركوب صهوة خيالاتها وأيديولوجيتها المرفوضة حتي داخل المجتمع الأمريكي ذاته‏.‏

ومن الطبيعي أن تتصدر أولويات زيارة الرئيس مبارك إلي واشنطن ما يتعلق بالعلاقات الثنائية بين البلدين سياسيا واقتصاديا‏.‏ فالمدي الذي يمكن أن تصل إليه هذه العلاقة سوف تتحدد ملامحه ومدي المشاركة الاستراتيجية بين البلدين بشأن الكثير من القضايا الإقليمية‏,‏ فقد وضعت الإدارة الأمريكية علاقاتها مع مصر رهن تصوراتها عن الديمقراطية‏,‏ ورهن المعونة الأمريكية التي تقدم لمصر سنويا‏,‏ ولم تنجح تلك الإدارة في تحقيق الديمقراطية التي تريدها‏,‏ ولم تفلح في استخدام ورقة المعونة لتطويع السياسات المصرية‏,‏ وبات من الضروري إعادة صياغة ملف الديمقراطية وملف المعونة بما لايسبب توترا لمستقبل العلاقات بينهما‏.‏

إن مصر تعلم جيدا الضغوط التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية في مجال نشر الديمقراطية‏,‏ باعتبارها من ثوابت الفكر السياسي الأمريكي‏.‏ ولكن التعاون مع مصر في مجال التطور الديمقراطي شيء‏,‏ وممارسة الضغوط شيء آخر‏.‏ فمصر لم تنتظر نصائح‏,‏ أو ضغوطا لبدء مسيرتها الديمقراطية وتطويرها‏,‏ كما أن خطوات تحولها الديمقراطي هو شأن مصري خالص لايخضع للتفاوض‏,‏ وقد أكدت الشواهد في كل أنحاء العالم أن الضغوط من أجل الديمقراطية لم تحقق شيئا‏,‏ بل كانت سبيلا لزيادة التطرف ودعم قواه المتربصة بأقدار الشعوب‏.‏ ومن المطلوب اليوم أن تحدد القمة المصرية ـ الأمريكية الموقف بشأن ورقة الديمقراطية في ضوء ما قطعته مصر من تطور‏,‏ وأيضا في ضوء الأخطاء الأمريكية الناتجة عن التلاعب بتلك الورقة مع مصر ومع غيرها من بلدان الشرق الأوسط‏,‏ فلا أحد في مصر أو الولايات المتحدة يمكن أن يعترض سبيل التطور الديمقراطي أو يتنكر له‏,‏ ولكن هذا التطور كما قلت يظل من أعمال السيادة الوطنية تمارسه كل دولة بحسب الظروف السائدة وتطور إعداد المجتمعات لممارسات ديمقراطية صحيحة‏.‏

والأمر نفسه ينطبق علي قضية المعونة التي تحولت مع الإدارة الأمريكية السابقة إلي ورقة ضغط لتمرير سياسات وفرض اخري‏,‏ ونحن في مصر لاننكر ما قدمته الولايات المتحدة من معونات لمصر‏,‏ ولكننا ندرك جيدا أيضا أن تلك المعونات لم تأت من باب الإحسان الأمريكي‏,‏ ولكنها جاءت ـ وينبغي أن تأتي ـ من أبواب التحالف والتعاون والتضامن الاستراتيجي بما يحقق مصالح الطرفين‏.‏ فالولايات المتحدة ليست الدولة المانحة الوحيدة في العالم‏,‏ وليست مصر هي الدولة الوحيدة التي تتلقي هذه المعونات‏,‏ وهناك اتفاق عالمي علي التضامن بين دول الشمال والجنوب لتحسين ظروف الحياة في مختلف دول العالم بما يحقق الأمن والسلام في العالم‏.‏

والدعم الأمريكي الاقتصادي لمصر يصب في النهاية في مصلحة المشاركة الإستراتيجية بين البلدين‏,‏ فالخطوات الإصلاحية التي اتخذتها مصر اقتصاديا يمكن أن تضعها علي طريق التنمية التي تمكنها من دعم مكانتها السياسية إقليميا وعالميا‏,‏ وهو ما يوفر فرصا أكبر للتعاون المصري ـ الأمريكي‏.‏ وأحسب أن الزيارة سوف تضع نهاية لموضوع استخدام المعونة ورقة لممارسة الضغوط السياسية‏,‏ وتجاوز حدود سيادة الدولة وولايتها علي قراراتها‏.‏

فلقد أساءت الإدارة الأمريكية السابقة إلي كل ما قدمته الولايات المتحدة من معونات لمصر حين استخدمت التهديد بالخفض أو الخفض بسبب مواقف معينة فبدلت مشاعر الامتنان لدي المصريين إلي غضب ورفض لتلك المعونة والنظر إليها نظرة شك وريبة‏.‏

………………………………………………………..‏

وإذا كانت العلاقات المصرية ـ الأمريكية تتصدر جدول أعمال القمة المرتقبة‏,‏ فإن قضايا المنطقة تفرض نفسها أيضا علي محادثات الرئيسين‏,‏ فالولايات المتحدة اليوم طرف رئيسي في كل القضايا الملتهبة في الشرق الأوسط من فلسطين إلي العراق إلي إيران والسودان‏..‏ ومصر قوة إقليمية لها تأثيرها القوي في أي جهود لتسوية تلك النزاعات‏,‏ ولابديل عن التوافق بين الجانبين لوضع نهاية لكثير من تلك القضايا‏..‏ وهذا التوافق لن يحدث إلا بتحقيق المعادلة بين المصالح الأمريكية والمصالح الإقليمية للأطراف المختلفة‏.‏ ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية بحاجة إلي التنسيق مع مصر للخروج من الأزمات التي ورثتها في المنطقة عن الإدارة الأمريكية السابقة‏,‏ فالقوة الأمريكية المهيمنة ليست وحدها كافية‏,‏ علي الأقل في ضوء تجربة السنين الماضية‏,‏ ولابد أن تتعاون مع قوي إقليمية حاكمة يمكنها تقديم الكثير من الجهد في التوصل إلي التسوية العادلة‏.‏

إن التوقعات بشأن تغيير السياسة الأمريكية في المنطقة كبيرة‏,‏ وهي توقعات لها ما يبررها بذهاب الإدارة السابقة ووصول إدارة مختلفة‏,‏ جاءت بحلم جديد لأمريكا والعالم‏,‏ وبكلمات الرئيس أوباما في القاهرة لمخاطبة العالم الذي اختصمته الإدارة السابقة‏,‏ وكان خطابا واعدا‏..‏ واليوم فإن رئيس الدولة التي اختارها أوباما لمخاطبة العالم الإسلامي منها بكل ما يمثله من خبرة وحكمة‏,‏ وبكل ما قدمه من قبل من نصائح كانت كفيلة بتجنب الوضع المتأزم لأمريكا في المنطقة‏,‏ يبدأ صفحة جديدة في علاقات المنطقة بالإدارة الأمريكية الجديدة‏,‏ ولذلك فإن هناك توقعات أخري كبيرة بأن تنتهي هذه الزيارة إلي نتائج تترجم علي أرض الواقع كثيرا من الالتزامات والوعود والتعهدات التي تحدثت بها الإدارة الجديدة‏,‏ وأعلنها الرئيس أوباما‏.‏

صحيح أنه لا أحد يتوقع أن تنهي الزيارة قضية من قضايا المنطقة‏,‏ ولكنها يمكن علي الأقل أن تضع القوة الكبري في عالم اليوم والقوي الإقليمية علي بداية طريق يحقق آمال شعوب طال صبرها في انتظار الحل الذي قد يأتي يوما‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى