مقالات الأهرام اليومى

تحديـات الواقـع وآمــال المسـتقبل

حمل خطاب الرئيس حسني مبارك أمام مجلسي الشعب والشوري رؤية قوية وواضحة لتحديات المرحلة الراهنة علي الصعيدين الداخلي والخارجي‏,‏ فلم يعد خافيا علي أحد أن ما تموج به الساحة الدولية والإقليمية من أحداث وتغيرات سوف تؤثر في أوضاعنا الداخلية والخارجية علي السواء‏..‏ وهذه التأثيرات سوف تشمل قائمة طويلة من قضايانا ابتداء بأمننا القومي‏,‏ وانتهاء ببرامج الإصلاح الاقتصادي والحفاظ علي معدلات الأداء المتميزة التي حققناها خلال الفترة الماضية‏..‏ وفي مواجهة هذه التحديات ليس أمامنا من سبيل سوي أن نعي كثيرا مصالحنا الوطنية وسبل الحفاظ عليها وتعظيمها‏,‏ وأن نسمو فوق الخلافات التي أضاعت منا الكثير من الجهد والوقت ولم تأت بنتيجة تذكر‏.‏

وحين تحدث الرئيس عن المشروع القومي الذي ينبغي أن تنتظم جهودنا وتفكيرنا فيه لم يجد أفضل من أن يدعو إلي أن تصبح مصر بمصالحها وأهدافها قبلة عملنا في المرحلة المقبلة‏.‏ وهذا المشروع يتجاوز حدود المشاعر إلي حقيقة أنه شرط من شروط البقاء لهذا البلد آمنا مستقرا قادرا علي تحقيق غايات أبنائه‏..‏ وأن تكون مصر أولا فذلك يعني أن تعلو مصالح شعبها فوق أي مصالح فئوية أخري‏,‏ وألا تحيد بنا عن تلك المصالح خلافات أو اختلافات أو مشاحنات أو مناورات يعبر بها البعض عن وجوده‏,‏ وأن نعمل معا من أجل وحدة الهدف‏.‏ فلقد طالت بنا الخلافات التي تشتت جهودنا وتعطل كثيرا من الخطوات التي كان ينبغي المضي فيها‏,‏ ولم يبق بعضنا هدفا واحدا نعمل من أجله دون تشويه‏.‏

أسامة سرايا

إن الأخطار اليوم تحيط بنا وليس أمامنا في مواجهتها سوي أن ندرك حقيقتها ونستشرف تأثيراتها المستقبلية‏.‏ فقد تعرض الرئيس لقضية الأمن القومي‏,‏ وهو أكثر من يعي أبعادها وتأثيراتها‏.‏ فلقد عايش لسنوات طويلة مسيرة أمته في سنوات الانكسار ومراحل إعادة البناء وصولا إلي النصر واسترداد الأرض والحفاظ عليها آمنة من كل عدوان‏.‏ وحين يتحدث مبارك عن الأمن القومي فلا بد أن نستمع‏,‏ وأن نعي حقيقة ما يقول‏,‏ إذ إننا لسنا بعيدين عن الخطر ولن نكون بمأمن منه إلا بالوقوف خلفه صفا واحدا مهما بلغت التضحيات‏.‏ ولعل نظرة واحدة علي المنطقة من حولنا كفيلة بأن نعي ماذا فعل مبارك لأمن مصر وماذا يعني بكلماته حول هذا الأمن؟

وعلي الصعيد الاقتصادي رسم الرئيس في خطابه ملامح التحرك والعمل لمواجهة واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية التي واجهت العالم خلال نصف القرن الماضي‏,‏ وهي أزمة قال الرئيس إننا لسنا بعيدين عنها ولكننا نملك مقومات مواجهتها باقتصاد استطعنا تصحيح هياكله‏,‏ وعلينا أن نمضي في طريق الإصلاح الاقتصادي بخطي واثقة في أن كل تحرك في هذا الاتجاه سوف يزيد قدراتنا علي مواجهة الأزمة وتحقيق التنمية‏.‏

وأكد الرئيس أن استلهام روح العصر في تصحيح هياكلنا الاقتصادية لن يكون علي حساب الأبعاد الاجتماعية‏,‏ وهو ما أكده مرات كثيرة‏,‏ خاصة أن التجربة المصرية في هذا المجال تعد اليوم من التجارب الرائدة عالميا‏,‏ وليس منطقيا أن نعود فنناقش جدوي الإصلاح الاقتصادي اليوم بعد كل ما تحقق‏,‏ وأن نعيق المزيد من خطوات الإصلاح بمناقشات واتهامات وأقوال لم تعد بكل المعايير صالحة لهذا الزمن‏,‏ حيث إنها تؤخر خطوات لابد من اتخاذها‏,‏ وتعطل مساع لا بديل عن القيام بها‏.‏ وعلي مستوي العمل التشريعي طرح الرئيس تسعة مشروعات بقوانين جديدة تستجيب للكثير من التغيرات والمستجدات في مجالات عمل مختلفة تجدد حيوية المجتمع‏,‏ وتواجه مشكلاته الجديدة‏,‏ وتوفر فرصا أفضل للإنجاز‏.‏ وقد حمل خطاب الرئيس ملامح كثيرة لسياسات وبرامج يتعين إنجازها لارتباطها بقدرة المجتمع والاقتصاد المصري علي مواصلة ما حققه من قبل‏,‏ وليس لدينا من الجهد والوقت ما تسمح ظروفنا والتحديات من حولنا بتضييعه في مهاترات غير أن كل ذلك يرتبط بحقيقة أن تكون مصر ومصالح شعبها هي الغاية والمقصد من الجميع‏.‏

………………………………………………………‏
إن خطاب الرئيس مبارك أمام مجلسي الشعب والشوري حدد برنامج مصر للعمل الوطني في المرحلة المقبلة بدقة علي المستويين الداخلي والخارجي لعام‏2009‏ في لحظة دقيقة وصعبة في تاريخنا السياسي‏.‏

وقد تكون فترة حرجة ومرحلة أزمات سياسية واقتصادية علي الصعيدين الإقليمي والعالمي‏,‏ لكن الوضع المصري علي المستويين قادر علي اجتياز الأزمات‏..‏ فإذا نظرنا إلي الصعيد السياسي الإقليمي فسنجد أن مصر في مرحلة صعود لا يستطيع أن ينكرها أحد‏..‏ فنشاطها الواضح عزز موقعها الإقليمي‏.‏ وقد وضعتها أدوارها المتعددة في سلم متقدم‏..‏ وإذا أشرنا إلي رئاستها للاتحاد المتوسطي السابق نلمس قدرتها علي تجميع دول البحر الأحمر للدفاع عن سلامته وأمنه الإقليمي‏,‏ ومكانتها علي الصعيد المؤثر لاحتواء الصراعات والاضطرابات في منطقتنا العربية خاصة علي صعيد لملمة الخلافات الفلسطينية وتحقيق الهدنة في قطاع غزة‏.‏ وقد جعل ذلك الرئيس مبارك قادرا علي أن يوجه رسالة محددة للإخوة الفلسطينيين عبر خطابه الذي طالبهم فيه بالاتحاد‏,‏ وأن يوجه رسالة إلي إسرائيل واضحة بأن الاحتلال لا يدوم‏.‏

إن رسالة مبارك في القضية الفلسطينية يجب أن تصل إلي أسماع الفلسطينيين والإسرائيليين معا‏.‏ فهم أول المستفيدين من حل الصراع‏..‏ فهذا الحل يحقق مصالح الاثنين‏..‏ ويمنحهما ويمنح المنطقة فرصة الاستقرار‏,‏ ونشير هنا إلي المكانة التي تحققت للرئيس مبارك علي الصعيد الفلسطيني‏,‏ فهو الذي ساوي بين الفصائل ويستمع للجميع بلا تمييز ويتعامل مع القضية الفلسطينية لمصلحة الفلسطينيين فقط ولاشك أننا اذا حافظنا علي قضية الفلسطينيين بدون تدخلات خارجية لاستطاعت مصر حل المشكلة وقيام الدولة لأن مصر تملك تأثيرا حتي علي الشارع الإسرائيلي الذي يثق بأن مبارك يتكلم بصوت الحكمة والمعرفة الدقيقة التي تجعله يواجه الإسرائيليين بأخطائهم‏,‏ ويضعهم أمام حقائق دفع استحقاقات السلام بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة ونبذ العنف والإرهاب والتسلط ضد الشعب الفلسطيني‏.‏

ومن هنا فإن علي الفلسطينيين وفصائلهم المتناحرة والعرب أن يتوحدوا ويضعوا ثقتهم في قيادة الدور المصري لانتهاز الفرصة السانحة أو المواتية عالميا وإقليميا لتحقيق السلام وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي العربية وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس‏.‏

فمصر تكاد تكون البلد العربي الوحيد الذي يحشد التأييد للفلسطينيين وقضيتهم‏,‏ ولايوظف خلافات الفصائل وتناحرها لمصلحة قضايا خارجية أو لعلاقاتها الدولية‏.‏ بل إن مصر توظف طاقاتها للفلسطينيين وحدهم وقضيتهم العادلة وترفض أن يوظفها الآخرون لمصالح ضيقة أو ذاتية فهي تترفع عربيا عن استخدام القضية الفلسطينية‏,‏ وتتعامل معها بتجرد لمصلحة شعبها ودولته المرتقبة فقط‏.‏

………………………………………………………‏
وعلي الصعيد الخارجي والعلاقات الدولية فقد اكتسبت مصر احتراما في الشأن العالمي‏,‏ حيث إنها تعمل لمصلحة محيطها وعالمها‏,‏ فهي عندما ترأس مؤتمرا أو تجمعا عالميا‏,‏ سواء كان ذلك متوسطيا أو في عدم الانحياز أو إفريقيا فهي توظفه لمصلحة شعوب المنطقة‏,‏ وهي دولة كما وصفها مبارك بحق‏,‏ تسعي للتعاون مع الجميع بما يحقق مصالح شعوبنا‏,‏ ولا تقبل ضغوطا من أحد‏.‏

ولعل ذلك هو ما أكسب دورها مصداقية وحيادية وثقة فمصر رفضت احتلال العراق‏..‏ ورفضت معالجة الأزمة الإيرانية مع الغرب باستخدام القوة‏,‏ ورفضت فرض عقوبات علي العالم النامي‏,‏ وطالبت بمشاركة دوله في صنع القرار السياسي والاقتصادي عالميا‏,‏ وأن تتحمل دورها في معالجة أزمتي الغلاء والأزمة المالية العالمية علي قدم المساواة مع العالم الغربي‏,‏ فمصر تكتسب مكانتها ودورها الإقليمي من ثقة شعوب المنطقة والدفاع عن مصالحها ـ وليس بتأييد قوة عظمي سواء كانت أمريكا أو أي قوة أوروبية‏,‏ فحظيت بالاحترام الدولي والعالمي‏,‏ والاستماع إلي رأيها المميز الذي يحمل المعرفة بتداعيات الأزمة وظروف المنطقة العربية وشعوب قارتي آسيا وإفريقيا‏,‏ ولذلك تحملت خلال الفترة الماضية من علاقاتها الأمريكية العنت الشديد من جانب رؤية الرئيس المنتهية ولايته جورج بوش التي اتسمت بسياسات المتشددين من جناح المحافظين الذين وسعوا من هوة عدم الثقة بين الشرق والغرب‏,‏ وأخطأوا في إدارة حرب الإرهاب وتدخلوا في الشأن الداخلي لدول العالم فإزدادوا شكوكا وعدم اليقين في النظام العالمي‏.‏

ونعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر وضوحا في صياغة شكل التعامل مع إدارة أمريكية جديدة تملك من معطيات الواقع السياسي علي جميع الأصعدة ما يجعلها تعيد النظر في الكثير من السياسات التي عمقت المشكلات‏,‏ وأدت إلي تجذر الإرهاب والتطرف في عالمنا وليس العكس‏,‏ ولاشك أن الرؤية المصرية الصادقة والحكمة التي تحلي بها الرئيس مبارك خلال الفترة الماضية ستجعل لرؤيته وتشخيصه للواقعين الإقليمي والعالمي صوتا مسموعا ومحترما لدي الإدارة الأمريكية الجديدة التي يمثلها الرئيس المنتخب باراك أوباما والتي كشفت مؤشراتها الأولية عن أن لديهم ثقة متزايدة في الرؤية المصرية وفي حكمة الرئيس مبارك وقدرته علي التعامل مع الأزمات سياسيا واقتصاديا وأمنيا‏,‏ واتجاهاته لاجتثاث الأزمات من جذورها‏,‏ نظرا لأنه ينفذ مباشرة إلي مسبباتها‏,‏ ويضع الحلول التطبيقية التي تراعي الأبعاد الثقافية والاجتماعية وخصوصية منطقتنا‏,‏

خاصة في القضية الفلسطينية وفي أسلوب التعامل مع مسببات الإرهاب والتطرف التي ظهرت عالميا بقوة بعد أحداث سبتمبر عام‏2001‏ في أمريكا‏.‏

ولاشك أن مصر تمثل ميزان الثقل العربي وقد فتحت أخيرا ملفات الاضطرابات في لبنان‏,‏ ووضعت ثقلها السياسي والأمني في دعم الرئيس ميشال سليمان‏,‏ واحتواء كل الفصائل اللبنانية ودعم الحل اللبناني الموحد للطوائف والحفاظ علي صيغة لبنان الفريدة في تنوعها الذي يكسبها قوة ومكانة ليس في محيطها فقط بل أيضا في عالمها‏.‏ وقد أدرك اللبنانيون أخيرا الحرص المصري علي هذه القوة‏,‏ وقد أعطاهم مبارك قوة لم تحدث تاريخيا فهي قوة البحث عن مصلحة الشعب اللبناني بلا تدخل عسكري أو حتي نفوذ مادي‏..‏ وهذا هو الدور الذي يبقي والمكانة التي لاتهتز والتي تكتسب قوتها من ثقة الطوائف والشعب نفسه‏,‏ أيضا هناك دور مصر في الشأن السوداني بين شماله وجنوبه بل وفي الغرب في دارفور‏,‏ دور الاحتواء والحفاظ علي الذاتية السودانية حرة بلا تدخل خارجي يهز ثوابتها ويثير القلق والاهتزاز في ذاتية الشخصية السودانية إنه الدور المبني علي المعرفة والتجرد‏,‏

الدور الذي يحقق مصالح الشعوب واستقرار الدول ولا يوظف الصراعات بين الفصائل أو الخلافات والحروب بين الجماعات لتهديد استقرار الدول

أو علاقاتها الداخلية ويمنع الآخرين أو القوي الإقليمية أو الكبري من أن تتسلط علي القرار المحلي لدولنا وشعوبنا‏.

فهل ندرك بموضوعية وذهنية عاقلة قوة هذا الدور الجديد الذي يتناسب مع العصر ومصالح الشعوب ويتعامل مع خصوصيتنا الثقافية والسياسية بكل الموضوعية والدقة بدون إثارة النعرات أو طرح الشعارات الخالية من المضمون والتي لا تحقق الهدف الذي يحمي مصالح شعوبنا‏.‏

………………………………………………………‏
وبرغم إدراكنا الدور المصري الإقليمي والعالمي وصعوده علي أسس تتناسب مع العصر الراهن ومتغيراته وأهدافه الإنسانية والسياسية الرفيعة التي تحقق مصالح الشعوب العربية‏,‏ بل مصالح شعوب العالم الثالث كله‏,‏ فإن مصر لا تنسي في لحظة صعودها الراهن أن قوتها الداخلية ومتغيراتها علي الصعيدين السياسي والاقتصادي هي رصيد هذا الصعود ورمانة ميزانه‏,‏ فهي ستواصل بناءها الاقتصادي وتطورها السياسي لبناء الدولة النموذج لمحيطها ولعالمها‏.‏

فالدولة الحديثة المتطورة تبحث عن مشاركة الجميع‏,‏ ولتكن المشاركة في المتابعة وإدراك المتغيرات وعناصر القوة الاقتصادية والسياسية في مصر والسعي لبناء المؤسسات وتفعيل دورها علي كل صعيد‏.‏

………………………………………………………‏
ونحن هنا نذكرالجميع بمساحات الحرية السياسية والثقافية والفكرية التي أصبح الجميع يمارسونها فلقد أصبحت الدولة القوية الراهنة‏,‏ تتحمل الكثيرين حتي من يستخدمون الحريات لطمس إنجازات التطور والتغيير في مصر وفي إهالة التراب علي ما يحدث دون إدراك مغزاة‏,‏ وهذه هي طبيعة الحرية والتطور‏,‏ ولكن وعي النخب وأصحاب العقول يجب أن يتطور ليتجاوز تلك الآفة التي قد تؤثر علي المسيرة من جانب أنها قد تحبط البعض أو تعمل علي تغييب الظواهر الإيجابية التي تحدث في مصر وفي سياستها وفي اقتصادها لبعض الوقت‏,‏ ولكنها لا تستطيع أن تحجب قوتها وصعودها‏,‏ ولنا عودة للتطورات الاقتصادية المتلاحقة في مصر والمنطقة والعالم والتي تعطي للسياسات المصرية الداخلية القدرة علي التطور‏,‏ والنمو المستمر ورفع مستوي معيشة أبنائها بكل فئاتهم خاصة الطبقات الفقيرة والاهتمام بالرعاية والتعليم والصحة والمشاركة في تجربة فريدة في النمو‏..‏ ولنا عودة أخري إلي هذه السياسات‏,‏ فهي الشق الثاني للصعود المصري المتميز في عصرنا الراهن‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى