مقالات الأهرام اليومى

مبــارك في الهنــد أفق جديد لعلاقات تاريخية راسخة

بعد ستة أيام من زيارته للسودان شماله وجنوبه زار الرئيس حسني مبارك الهند‏.‏ ومن زيارة لأشقاء النيل والأرض إلي أخري لرفقاء دروب السياسة والتنمية‏.‏ وقد حملت كل زيارة منهما أهمية خاصة لمصر‏.‏فإلي السودان والهند ثم إلي الإمارات في قلب الخليج العربي حمل مبارك رسالة مصر في عالم يكتنفه الغموض وتحيط بمستقبله الشكوك‏.‏ وإذا كانت رحلة السودان تحمل دلالات لها أهميتها في دعم وحدة البلد الشقيق وسلامة أراضيه‏

فإن رحلة الهند تؤسس لحوار استراتيجي بين دولتين بينهما كثير من روابط التاريخ وأعباء التنمية وآمال المستقبل‏,‏ ورحلة الإمارات تحمل معاني العلاقات القوية بين مصر وأشقاء الخليج والتي بناها الرئيس مبارك بسياسة بالغة الحكمة والدأب وأصبحت علامة بارزة علي مكانة مصر وفاعليتها في منطقتها وعالمها‏.‏

أسامة سرايا

لقد حل الرئيس مبارك ضيفا عزيزا علي الهند‏,‏ ولقي فيها من التقدير والتوقير لقيادته ومسيرة عطائه محليا وإقليميا وعالميا ما يستحق‏.‏ ففي موقع يبعد آلاف الأميال عنا‏,‏ وفي حفل ينطق في كل تفاصيله بالثقافة الهندية القديمة والمعاصرة‏,‏ كانت الهند بكل رموزها السياسية والثقافية مجتمعة في حفل تكريم الرئيس مبارك الذي حصل علي أرفع جوائزها‏.‏ واجتمعت نخبة المجتمع الهندي تكريما لرجل وصفه نائب الرئيس الهندي بأنه مثال بارز لشخصية القائد الذي واءم بين برامج الإصلاح والبعد الاجتماعي‏.‏

واستحق الرئيس بالإجماع جائزة نهرو للسلام والتفاهم الدولي وهي جائزة رفيعة دوليا‏..‏ ووقف سكرتير المجلس الهندي للعلاقات الثقافية يقول‏..‏ إن مبارك وسط ظروف مليئة بالتحديات تولي مسئولية الحكم‏.‏ ولكنه ومن خلال ما تحلي به من حكمة ورؤية ثاقبة وحسم ومرونة نجح في أن يمنح مصر الاستقرار‏,‏ ويعدها جيدا لتحديات القرن الحادي والعشرين‏.‏ وحينما تحدثت رئيسة الهند الدكتورة براتيبا باتيل أكدت أن قبول الرئيس الجائزة يعني أن قدر مصر والهند واحد‏,‏ وأن الهند حين منحت زعيم مصر تلك الجائزة فإنها جاءت تعبيرا عن تقدير وعرفان بدوره الجليل‏

وكانت كلمتها البليغة التي وصفت بحق دور الرئيس مبارك الذي تجمعت لديه كل قدرات ومكانة زعيمهم نهرو باني الهند الحديثة‏.‏ وأضافت إن مرحلة ناصر ونهرو دعمت الروابط الحضارية الضاربة بجذورها في التاريخ‏..‏ وأن الرئيس مبارك لديه التزام بتعزيز السلام في شرق آسيا الشرق الأوسط‏.‏ وتتميز سياساته بالحكمة والعقلانية والتوازن والانفتاح‏..‏ وكل من استمع إلي كلمة رئيسة الهند وهي تشرح كيف ينظرون ويقيمون تجربة مبارك في مصر والمنطقة والعالم‏..‏ يشعر بالفخر لبلاده ودورها في محيطها وعالمها‏.‏ وكنا قبلها قد استمعنا إلي رئيس الوزراء مانموهان سينج وهو يتحدث ويصف مصر ودورها ورئيسها‏,‏ مؤكدا المعاني نفسها عن مكانة مصر ومبارك في الهند‏.‏

وتأتي زيارة الرئيس مبارك للهند متزامنة مع الذكري الستين لإقامة العلاقات بين البلدين تعبيرا عن أفق جديد تتطلع إليه العلاقات المصرية ـ الهندية‏.‏ فقد كانت مصر والهند جوهرة التاج في الإمبراطورية البريطانية‏.‏

وفيما بعد الحرب العالمية الثانية تحملت الدولتان معا مسئولية الحفاظ علي استقرار العلاقات الدولية في عصر القطبية الثنائية‏.‏ حيث تصدرت مصر والهند حركة الشعوب الساعية إلي التحرر والسلام العالمي‏.‏ وظلت علاقات البلدين متميزة في طابعها وفلسفتها‏.‏ وكان محورها العمل من أجل خريطة عالمية أكثر أمنا وسلاما‏.‏ فقادتا حركة الحياد الإيجابي ثم حركة عدم الانحياز واستطاعتا الحفاظ علي مسافة آمنة تفصل كثيرا من الدول النامية عن صراع القطبين المتنافسين‏.‏

وتغيرت موازين القوي وأولويات العمل منذ تسعينيات القرن الماضي ولم تعد آليات العمل القديمة صالحة بشكلها التقليدي لمواجهة تحديات القرن الجديد‏..‏ وهذا الواقع العالمي الجديد يفرض علي الجميع آليات تعاون وعمل مختلفة‏,‏ ومن هنا تؤسس زيارة مبارك للهند مرحلة جديدة للتعاون علي الصعيدين السياسي والاقتصادي‏..‏ مرحلة تختلف كثيرا عن سابقتها ولكنها تقوم عليها وتستلهم منها ما يفتح آفاقا واسعة لخير الشعبين المصري والهندي‏.‏

وجاءت زيارة الرئيس مبارك للهند في توقيت له معناه وله أهميته‏.‏ حيث أكدت ارتباطها برؤية واضحة لدي القيادة السياسية المصرية لمتغيرات الواقع العالمي من حولنا وأبرزت بوضوح أن التحرك المصري لايأتي من فراغ‏,‏ أويأخذ مسارات عشوائية‏,‏ أو يبحث عن دور بأي شكل من الأشكال وإنما هو تحرك مدروس يهتدي برؤية واضحة لدي الرئيس مبارك‏..‏ رؤية‏..‏ تدرك أبعاد الواقع وتستشرف آفاق المستقبل‏,‏ وما ينطوي عليه من فرص حقيقية لدعم قدرات الاقتصاد المصري وتعظيم دور مصر إقليميا وعالميا‏.‏

……………………………………………………………….‏

ولست أجادل في حقيقة أن تلك الزيارة‏,‏ بما تحمله من آفاق تعاون مثمر‏,‏ تمثل أحد أهم التحركات الخارجية في السياسة المصرية خلال الفترة الأخيرة‏.‏ فهي زيارة تستعيد مجد علاقات قديمة‏,‏ وتبني عليه تحركا جديدا‏,‏ يستوعب معطيات الواقع الراهن‏.‏ فهناك أزمة مالية عالمية تفرض تغييرا في إدارة الاقتصاد العالمي‏,‏ وتفرض أيضا مشاركة الجميع‏,‏ وتشير إلي ضرورات التغيير في العلاقات الدولية الراهنة‏.‏ وهناك أيضا مرحلة جديدة يسعي فيها العالم نحو معالجة الأخطاء الناجمة عن السياسة الأمريكية خلال السنوات الثماني المنصرمة‏..‏ وهذه المرحلة الجديدة في العلاقات الدولية تلقي بظلالها القوية علي العلاقات المصرية ـ الهندية‏.‏

ففي النظام العالمي السابق كانت مصر والهند ركيزتين من ركائز الأمن والسلام العالمي بنفوذهما الإقليمي‏,‏ وهما اليوم‏,‏ بما لديهما من إمكانات ومؤثرات‏,‏ يصبحان ضرورتين من ضرورات سلامة عملية تشكيل النظام العالمي الجديد‏,‏ ولذلك تتصدر مصر والهند مجموعة الدول المرشحة للانضمام إلي مجموعة الدول الثماني الكبري في إطار الاتصالات الحالية‏,‏ لتوسيع هذه المجموعة‏,‏ لتضم ممثلين لما يطلق عليه الدول الناشئة أو الصاعدة بقوة‏.‏

وبين مصر والهند مساحات كثيرة متشابهة ورؤي مشتركة للتحرك في الداخل والخارج‏.‏ فهذه مشكلة سكانية تنوء بها الموارد المتاحة‏,‏ وقطاعات من السكان تكافح الفقر‏,‏ وثروة بشرية تبحث عن الاستثمار الأفضل‏,‏ وتحديات هائلة من أجل التنمية‏,‏ ورغبة في الانفتاح علي العالم والإفادة من الفرص المتاحة عالميا وهي كثيرة‏.‏

ولكن الهند‏,‏ التي حل بها الرئيس مبارك ضيفا عزيزا‏,‏ ليست هي الهند التي عرفناها في سنوات الخمسينيات أو الستينيات‏,‏ كما أن مصر اليوم ليست هي مصر التي كانت في تلك السنوات‏,‏ ولم تعد الهند فقط بلد الغرائب والعجائب والمتناقضات ومقصد أدب الرحلات‏.‏ فلقد أصبحت أيضا قوة اقتصادية متنامية‏,‏ ولم تمنعها دياناتها المختلفة‏,‏ وأعراقها المتعددة من أن تلامس بصناعاتها أرض القمر‏,‏ وتحتل مكانتها البارزة في صناعة البرمجيات والذهاب إلي كل أرجاء الدنيا بحثا عن مجالات جديدة للتسويق و الاستثمار‏.‏ وتراكمت رءوس الأموال فيها‏,‏ وظهر بها رجال الأعمال بين قوائم الرجال الأكثر ثراء في العالم‏,‏ وتطورت جامعاتها لتحتل مكانتها بين الجامعات الكبري في العالم‏,‏ وقد تعرضت للعديد من الأزمات السياسية‏,‏ ولكنها لم تتوقف عن دعم مسيرتها الديمقراطية‏.‏ ولم تتراجع حرية الصحافة فيها بالمجتمع إلي الخلف‏,‏ ولكنها كانت دوما رافدا قويا وداعما للنهضة الاقتصادية والعلمية في البلاد‏,‏ فهناك نحو‏20‏ مليار دولار حصيلة صناعة واحدة في الهند هي صناعة البرمجيات والحاسب الآلي‏.‏ وهناك معدلات نمو سنوية لاتقل عن‏8%‏ وطموح أن تبلغ الصادرات الهندية هذا العام نحو‏165‏
مليار دولار‏.‏ وتقلص الفقر بنسبة‏10%‏ وازداد حجم الطبقة المتوسطة‏,‏ وسوف تتوسع في المستقبل القريب لتدفع بالمجتمع الهندي اقتصاديا واجتماعيا خطوات إلي الأمام‏.‏

ومن غير المنطقي أن يتصور البعض أن التجربة الهندية قابلة للنسخ في مصر بمزاياها وعيوبها‏,‏ ولكنها تجربة تفتح أمامنا الأبواب لكي ندرس ونعرف ونفيد ونستفيد من قوة اقتصادية مقدر لها أن تصبح أحد مراكز الثقل الاقتصادي والسياسي العالمية خلال هذا القرن‏,‏ حيث تبلغ الاستثمارات الهندية في مصر اليوم‏800‏ مليون دولار‏,‏ وهو رقم نستطيع أن نبني عليه‏,‏ كما أن الشركات الهندية أبدت رغبة أكيدة في فتح آفاق كبري للتعاون مع مصر‏,‏ والاستفادة من المجال الحيوي المصري كنافذة للأسواق العربية والإفريقية والأوروبية‏.‏ ومصر اليوم مهيأة‏,‏ أكثر من أي وقت مضي‏,‏ لاستقبال المزيد من الاستثمارات‏,‏ خاصة أن الشركات الهندية تخطط لزيادة استثماراتها في مصر لتصل إلي آفاق جديدة‏..‏ وإذا شهدتم اللقاءين اللذين عقدهما الرئيس مبارك مع كبار المستثمرين‏,‏ ثم اللقاء المفتوح مع ممثلي الشركات‏..‏ لأدركتم أن الاقتصاد المصري مقبل علي مرحلة جديدة كمستقطب للاستثمارات الهندية‏,‏ وأن الحكومة في مصر أصبحت مطالبة بأخذ عروض الشركات الهندية بجدية كاملة‏,‏ خاصة أن الهند أصبحت تمتلك إمكانات وشركات كبري لها خبرات عالمية‏,‏ وأن التكامل والتعاون يحقق مصلحة أكيدة للبلدين‏.
.‏ ولعل فتح الحوار الاستراتيجي السياسي والاقتصادي بين الهند ومصر سيكون أداة فعالة لتعميق هذا التعاون وتطويره وتنميته باستمرار‏.‏ وزيادة قدراتنا الاستثمارية لن تتحقق بالنيات الحسنة‏,‏ ولكنها تأتي بتوفير مناخ ملائم والاستمرار في التوسع في برامج الإصلاح الاقتصادي برؤيتها الراهنة‏.‏ فرأس المال يذهب حيث يحب‏,‏ ويبقي حيث يلقي معاملة جيدة‏.‏ وحين نتحدث عن التعاون مع الهند نفكر فقط في مجال البرمجيات والحاسبات الآلية‏,‏ وهو مجال خصب للتعاون‏,‏ ولكن تجربة الهند تفتح آفاقا واسعة أمام صناعات كثيرة تحقق نجاحات ملحوظة‏.‏

وحين ذهب الرئيس إلي الهند كانت مصر قد تغيرت كثيرا وأصبحت مؤهلة أكثر من أي وقت مضي للتفاعل النشيط مع تجارب الآخرين‏,‏ حيث قطعت في طريق الإصلاح الاقتصادي خطوات مكنتها من أن تحقق معدلات نمو مرتفعة‏,‏ وساعدتها علي اقتحام مساحات غير مسبوقة في الاقتصاد العالمي‏,‏ ووفرت لها قدرات أعلي علي التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية‏,‏ وهذه التغيرات التي حدثت في مصر هي التي تزيد من مساحات المصالح المشتركة مع الهند‏.‏ وقد اشار كثيرون من المسئولين ورجال الأعمال الهنود إلي هذه التطورات التي وقعت في مصر بإعجاب يشجع علي المزيد من التعاون في المستقبل‏.‏

……………………………………………………………….‏

إن زيارات الرئيس مبارك المتعددة إلي كثير من دول الفرص المتاحة أمام الاقتصاد المصري تفرض علينا أن ننظر وأن ندرس جيدا كيف يمكن أن نستفيد مما لدي الآخرين من تجارة وصناعة وزراعة واستيراد وتصدير فالدول التي أعدت نفسها جيدا لعصر التكامل والتنافس الاقتصادي هي التي تمكنت من أن تمضي سريعا في دروب التنمية‏.‏ أما تلك التي تلكأت وتباطأت في استعداداتها فعليها أن ترضي بما تحقق لها من بطء في النمو‏.‏

لقد أصبحنا جزءا من عالم ترتبط به مصالحنا ولن نستطيع الهرب مما يجري في هذا العالم خيرا أو شرا‏.‏ وعلينا أن نسرع الخطي في أن نعد أنفسنا للتعامل مع هذا العالم الذي ترتبط به مصالحنا الاقتصادية‏.‏ حيث إننا نجحنا في أن نستوعب معطيات الواقع العالمي الجديد‏,‏ ولم يعد هناك وقت نضيعه في تلك المناقشات الجدلية التي اختفت من دول النمو السريع‏..‏ إن كل خطوة نخطوها في الاتجاه الصحيح نحو تحرير الاقتصاد لزيادة فاعليته وقدرته علي التعامل مع الاقتصاد العالمي تبدو مترددة خائفة تخشي ضغوط الداخل‏.‏ ولكن علينا أن نقتحم العقبات التي تحول دون إعداد اقتصادنا ومجتمعنا للتحول الكبير‏,‏ كما فعلت الهند والصين وقائمة أخري طويلة من الدول‏.‏

فلقد فتحت زيارات الرئيس خلال العامين الماضيين عشرات الأسواق الكبيرة أمامنا ولقينا منها القبول والترحيب علي خطواتنا‏,‏ وعلينا ألا نتردد ولندرك أننا قادرون علي تحقيق أهدافنا‏,‏ ولنزيد من قدراتنا علي التعامل مع الخارج لنجعله علي مستوي طموحاتنا‏.‏ برغم أننا نعلم جيدا أن مستقبلنا الاقتصادي مرهون بالاستجابة الواعية والملائمة لما يحدث في اقتصادات العالم من حولنا‏.‏ ولندرك أن الرغبة الكامنة لدي بعض الخائفين والساعين إلي الانغلاق الاقتصادي سوف تحد من قدراتنا وتضيع الكثير من الفرص التي إن كانت متاحة اليوم فهي لن تكون كذلك غدا‏..‏ تماما مثل حالة الانغلاق الثقافي التي نعيشها فحرمتنا من أن نعايش عالما يتغير كل يوم إلي الأفضل‏.‏

إن تجربة الهند نموذج للدول التي لم تمنعها خصوصيتها الثقافية والاجتماعية وظروفها العامة والخاصة‏,‏ وكذلك فقراؤها‏,‏ من أن تنفتح علي العالم‏,‏ مسلحة بكل ما يحتاجه الانفتاح علي العالم من إرادة وقدرة‏,‏ فحققت ما لم يكن متوقعا لها أن تحققه غداة استقلالها عن التاج البريطاني في أربعينيات القرن الماضي بملياراتها وملايين فقرائها فاستغلت إمكاناتها وقدرات طبقتها الوسطي وأبنائها العاملين في الخارج وعمالتها الرخيصة‏.‏ فحققت ثورة زراعية هزمت المجاعة ووفرت الطعام للملايين‏,‏ واستغلت عمالتها الفنية والمتخصصين في بناء واد للتكنولوجيا يشير إلي قدرتهم علي القيام بمهمة ربط بلادهم بالأسواق العالمية‏.‏

ولعلنا نقتفي منها بعض التجارب الملهمة خاصة في تكنولوجيا المعلومات والتنمية الزراعية‏..‏ والتقدم المذهل في التعليم والصحة‏..‏ وقدرات الهنود برغم تنوعهم علي إدارة حوار خلاق وديمقراطي يتسم باحترام الجميع‏,‏ وبلغة راقية بين الأحزاب وداخل الصحف الهندية التي ارتقت إلي مستويات متقدمة في الأداء ومناقشة قضاياها بمستويات عالية القيمة والكفاءة‏,‏ ليصل الحوار السياسي في الهند إلي مستويات عالمية تحقق هدفها في التطور والنمو وتغيير مجتمعهم نحو الأفضل‏.‏

ولايفوتني أن أقول إن الطموح الهندي للتقدم والتطور لم يصاحبه جشع استهلاكي أو ترفي مبالغ فيه‏,‏ فالهنود يعملون بتفان وبدقة ولايهدرون الطاقة أو المياه وأسعارها مرتفعة‏,‏ للحفاظ علي ثروتهم منها وعدم تبديدها‏.‏ وإذا حدثت مقارنة بيننا وبينهم في هذين المجالين فهي ليست لصالحنا علي الإطلاق‏.‏ فأسعار الطاقة في مصر مدعومة للجميع‏,‏ والمياه متاحة بشكل مسرف بل بالغ الإسراف‏.‏ وإذا كنا نبحث عن المستقبل الحقيقي‏,‏ فعلينا معالجة الخلل في أسلوب إدارة مواردنا من الطاقة والمياه‏.‏ والاستفادة منها لرفع مستويات النمو والتطور وهما وحدهما القادران علي الحفاظ علي مستوي معيشة متقدم لأبنائنا باستمرار وحماية حق الأجيال المقبلة في الحفاظ علي ثروتنا بلا إهدار أو إسراف في الاستهلاك‏.‏

وستكون تجربة الهند السياسية وأسلوب إدارتها الحوار ملهمة لمصر‏.‏ وستكون تجربة مصر في الاهتمام بالبعد الاجتماعي للفقراء ومحدودي الدخل ملهمة للهند‏.‏

كما أن هناك مجالات عديدة أخري يجب الاهتمام بها في تجربة الهند‏,‏ خاصة في مستوي التعليم وتطور المحليات والنمو اللامركزي وتأثيرهما علي التنمية الريفية ونمو قطاع الزراعة واستغلال مساحات الهند الشاسعة‏.‏ ومصر تملك أراضي ومساحات شاسعة باحثة عن التنمية والاستغلال وانتشار السكان عبر ربوعها‏.‏

……………………………………………………………….‏

وفي النهاية فإننا أمام قصة يجب أن تحكي لدور مصر وقائدها في السياسة الخارجية لفتح مجالات واسعة وحوارات استراتيجية علي مستوي القمة وعلي مستوي رجال الأعمال والشركات لبناء مكانة راسخة وقوية لمصر علي جميع المستويات‏,‏ سيكون تأثيرها علي مستوي معيشة المواطن المصري في إيجاد فرص العمل وتنمية التجارة والاستثمارات وكذلك في انضمام مصر ودخولها نوادي الكبار سواء في انضمامها إلي مجموعة الثماني الكبار بعد توسيعها بما يعني أن مصر جزء رئيسي في صياغة القرار السياسي والاقتصادي عالميا عبر جلوسها مع الكبار في عالمها‏

أو قدرة مصر علي الربط بين العرب والأوروبيين عبر رئاستها الاتحاد الأورو متوسطي أو قدرة مصر علي قيادة دول العالم الثالث برئاستها دول عدم الانحياز أو قيادتها للعالم العربي والربط بين شمال إفريقيا ودول الخليج العربي أو استقرار منطقة الشرق الأوسط عبر البحث عن الحلول لأزمة الشرق الأوسط أو حلول لأزمات الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين‏,‏ فضلا عن دورها في حل الأزمتين العراقية والسودانية‏,‏ وتحقيق الاستقرار الإقليمي لمنطقتنا في مواجهة الإرهاب والتطرف وصناعة السلام‏.‏

إن هذا الدور والمكانة شهدناهما بوضوح في رحلة الرئيس مبارك للهند‏,‏ ويؤكد ذلك ما قالته الهند بقوة علي جميع المستويات عندما منحته جائزة نهرو‏,‏ باعتباره القائد المعاصر الذي يجسد دور ومكانة زعيمهم في عصرنا الراهن‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى