حواراتمقالات الأهرام اليومى

الشيخ خليفة بن زايد رئيس دولة الإمارات في حديث إلي أسامة سرايا‏:‏ نقدر مكانة مصر في منظومة الأمن القومي العربي بأبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية الإماراتيون سباقون في التوجه إلي مصر للزيارة والسياحة والتعليم والاستثمار نتمسك بخيار التسوية السلمية للنزاع علي الجزر الإماراتية الثلاث مع إيران الابتعاد العربي عن العراق أدي إلي انفراد بعض القوي الإقليمية به ومحاولة عزله

أجري الحوار في أبوظبي‏-‏أســـامة ســـرايا‏:‏
شارك في الحوار‏-‏ثابت أمين عواد‏:‏
أسامة سرايا

حملت اوراقي الي القصر الرئاسي بـ‏’‏ البطين‏’,‏ متفائلا بسخونة الحوار لاسباب عدة اهمها ان الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة‏,‏ يتحدث لاول مرة للصحافة المصرية وقلما يدلي بحديث الا عند الضرورات‏,‏ حتي يبصر الرأي العام بالأحداث وتطوراتها‏,‏ الأمر الذي يرفع من ايقاع هذا الحوار ويزيد من حيويته‏..‏

وحملت اجابات رئيس الإمارات ماتم التوصل إليه من صيغة توافقية خليجية لاقامة منظومة استراتيجية لاستخدام الطاقة النووية في شأن معالجة الملف النووي الايراني‏..‏

الاجابات تناولت أيضا استثمار تفاعلات الأزمة الاقتصادية الراهنة والتحولات التي تشهدها اسواق العمالة والتوظيف في معالجة الخلل في التركيبة السكانية وضبط سوق العمل‏,‏ وتطوير شروط استقدام العمالة‏..‏

والتنوع الذي تتكون منه امارات الدولة‏,‏ والذي قد يراه البعض سيؤدي الي التنافس‏,‏ تم تسخيره لتحقيق اتحاد قوي تتكامل فيه الموارد وتتوالد الفرص‏,‏ ويستفيد من المزايا النسبية في كل امارة‏,‏ وبناء مؤسسات الدولة وتطويرها‏..‏

امام تراجع اسعار النفط‏,‏ تنبهت الإمارات مبكرا الي اهمية التعامل مع الأزمة وتنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط‏..‏

توجيه الوفرة والفوائض النفطية التي شهدتها دول اوبك‏,‏ قبل الأزمة الاقتصادية الحالية‏,‏ الي تنمية الموارد البشرية‏..‏

فالأزمة الاقتصادية تشد الجميع الي الانتباه والمتابعة‏,‏ حيث الاسواق لم تكشف بعد عن كامل ابعادها وتطوراتها‏,‏ ونحن مازلنا في بداية الطريق‏..‏

كانت فرصة امامنا ان نلتقي بالشخص الاهم والاكثر محورية في متابعة الأزمة وتطوراتها الشيخ خليفة بن زايد الموجود في قلب الأزمة‏,‏ في امارة‏’‏ ابوظبي‏’‏ اغني امارات الاتحاد‏..‏ وبعد‏4‏ سنوات علي توليه مقعد الشيخ زايد آل نهيان‏,‏ وعقب لقائه مع الرئيس مبارك‏,‏ في حوار مباشر سألته‏,‏ خلاله‏,12‏ سؤالا اجاب عنها بشفافية وتلقائية‏..‏

بادرته بالسؤال الاهم عن الاقتصاد والاسواق‏,‏ ومستقبل المنطقة العربية والعالم في ظل الأزمة الاقتصادية وتداعياتها‏..‏

كما سألته عن علاقته بمصر ورئيسها‏..‏ ومتي يزورها‏,‏ والتعاون المستقبلي بين الدول العربية‏..‏

فقال الشيخ خليفة بهدوء وثقة‏..’‏لانستطيع ان نقول اننا لم نتأثر بالأزمة‏..‏ الجميع تأثر‏..‏ والفارق سيكون في التفاوت بالتأثير والخروج منها قبل الآخر‏..‏ ويجب ان يكون هناك تعاون عالمي في الخروج من الأزمة‏..‏ ونحن في الامارات نبهنا إليها قبل غيرنا‏..‏اخذنا احتياطاتنا لنحمي انفسنا من الخسائر‏..‏ ولكن البترول اسعاره تدهورت كثيرا جدا‏..‏ ونحن نتوقع تأثيرات الأزمة المالية علي اسعار البترول برغم دخول الشتاء وتزايد الاستهلاك‏..‏

وعن العلاقات مع مصر فانها تتزايد‏,‏ وقد قلت للرئيس مبارك اننا لانحتاج الي دعوة لزيارة مصر‏..‏ وهذا نص الحديث‏..‏

‘‏الاهرام‏’:‏ شكلت العلاقة المميزة التي ربطت المغفور له الشيخ زايد والرئيس مبارك قوة ورافدا لدعم العلاقات المصرية ـ الإماراتية‏,‏ بل والعربية بشكل عام‏,‏ كيف ترصدون تأثير تلك العلاقة ورؤيتكم للعلاقات المصرية الإماراتية بعد توليكم المسئولية خلفا للوالد العظيم ؟
الشيخ خليفة‏:‏ يسرنا أن نرحب بكم وبصحيفة الأهرام‏,‏ التي هي واحدة من أقدم منابر الإعلام العربي‏,‏ ونؤكد أن العلاقة بيننا والشقيقة مصر استراتيجية في مختلف أبعادها‏,‏ وقد حرص المغفور له‏-‏ بإذن الله تعالي‏-‏ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان علي التأكيد المستمر علي هذه الحقيقة‏,‏ وترجمتها إلي مشاريع وبرامج عمل مشتركة‏,‏ إدراكا منه‏(‏ رحمه الله‏)‏ لما لمصر من مكانة ودور‏,‏ وما تمثله من ثقل في منظومة الأمن القومي العربي في أبعاده السياسية‏,‏ والعسكرية‏,‏ والاقتصادية‏,‏ والثقافية‏.‏

ولعل في هذا تفسير للطبيعة الخاصة التي ميزت علاقته‏(‏ رحمه الله‏)‏ بشقيقه فخامة الرئيس محمد حسني مبارك‏,‏ الذي نكن له كل التقدير والاحترام‏..‏ ليس فقط لما نلمسه من فخامته من حرص لتنمية ما بين البلدين والشعبين الشقيقين من علاقة‏,‏ بل أيضا لما له من دور كبير علي صعيد العمل العربي المشترك‏,‏ وتأمين أسباب المنعة للنظام العربي‏,‏ بمواقفه المشهودة ومبادراته المحمودة‏,‏ نصرة للحقوق العربية‏,‏ وتنقية للأجواء‏,‏ وجمعا للصف‏,‏ وبحثا عن السلام والوئام‏.‏

وخلاصة القول‏,‏ أن الذي بيننا ومصر من تعاون وتنسيق في كل المجالات‏,‏ هو نصرة للأمة العربية‏,‏ وتعزيز للعمل العربي المشترك

القوة الكامنة
‘‏الاهرام‏’:‏كيف ترصدون الواقع العربي‏,‏ وتحديدا ما يتصل بالقضية الفلسطينية‏,‏ خاصة أن الإمارات عضو في اللجنة الرباعية العربية إلي جانب مصر والسعودية والأردن؟
‏الشيخ خليفة‏:‏ قد يكون الواقع العربي علي غير ما نتمني‏,‏ ويتمني المواطن العربي‏,‏ لكن هذا الواقع علي علاته فيه العديد من عوامل القوة الكامنة‏,‏ تجعلنا متفائلين بالمستقبل إذا أحسنا استثمار ما نملكه من أسباب القوة والتطور‏.‏ ولا شك أن من بين أبرز الأسباب التي حالت وتحول دون الاستفادة الكاملة من عوامل هذه القوة‏,‏ حالة عدم الاستقرار‏,‏ التي يمر بها العالم العربي منذ عدة عقود‏,‏ والتي كانت في بعض جوانبها من إفرازات ونتائج الفشل في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية‏,‏ وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة علي أرضه‏.‏ ومع أننا نرفض أن تتحول هذه القضية إلي شماعة نعلق عليها أخطاءنا وتقصيرنا في جوانب كثيرة من العمل العربي المشترك‏,‏ فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية‏,‏ والرفض المستمر لمساعي السلام‏,‏ وعدم جدية إسرائيل في مفاوضات الحل النهائي الجارية مع الفلسطينيين‏,‏ يترك شعورا بالقلق‏,‏ وعدم اليقين‏,‏ تنعكس آثاره علي مجمل الأوضاع في المنطقة‏.‏ ومن منطلق إيماننا بأهمية إيجاد حل عادل ودائم‏,‏ شاركنا في اللجنة الرباعية العربية إلي جانب مصر والسعودية والأردن‏,‏ بهدف دفع الجهود السلمية‏,‏
وحث الأطراف الدولية المؤثرة‏,‏ للضغط علي إسرائيل للقبول بقرارات الشرعية الدولية‏,‏ وتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين‏,‏ وصولا إلي إنهاء احتلالها للأراضي التي احتلتها عام‏1967,‏ بما فيها القدس الشريف‏,‏ وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة فوق أرضه‏,‏ وإعادة الأراضي السورية المحتلة في الجولان‏,‏ وما تبقي من الأراضي اللبنانية‏,‏ وذلك في إطار التزام عربي بما ورد في مبادرة السلام العربية‏,‏ التي تدعو إلي صيغة سلام عادل‏,‏ تضمن الأمن لإسرائيل‏.‏

‘‏ الاهرام‏’‏ خلقت الحرب في العراق وتطوراتها واقعا جديدا في المنطقة‏,‏ كيف يتم تقييم هذا الواقع من زاوية العلاقات العربية العراقية‏,‏ ومن زاوية العلاقات العربية الإيرانية؟
‏الشيخ خليفة‏:‏ إن الأوضاع في العراق الشقيق هي من عوامل القلق التي عانت المنطقة منها ولا تزال‏.‏ فهذه الأوضاع بالرغم من التحسن النسبي في المناخ الأمني‏,‏ وانخفاض وتيرة العنف‏,‏ تشكل هاجسا مقلقا‏,‏ يستدعي بذل مزيد من الجهد حتي يستعيد العراق عافيته‏,‏ ودوره الإقليمي‏,‏ ومكانته كعامل فاعل من عوامل الاستقرار في المنطقة‏.‏

ومن هذا المنطلق‏,‏ فإن هناك حاجة ماسة لدفع الموقف العربي نحو مزيد من الإيجابية في التعامل مع الأوضاع الخطيرة التي يمر بها العراق الشقيق‏,‏ بمساندة شعبه‏,‏ وحكومته‏,‏ للخروج من دائرة العنف‏,‏ وتشجيع جميع مكونات الشعب العراقي وأطيافه علي الانخراط في العملية السياسية‏,‏ التي تستهدف الحفاظ علي هويته العربية‏,‏ ووحدته‏,‏ وسيادته‏,‏ واستقلال أراضيه‏.‏ ولاشك أن الابتعاد العربي عن العراق‏,‏ أدي إلي انفراد بعض القوي الإقليمية بقدرة التأثير في الساحة العراقية‏,‏ بهدف عزل العراق عن محيطه العربي‏.‏

ومن خلال هذا الفهم لمخاطر أبعاد العراق عن دائرته العربية‏,‏ ومن منطلق الإحساس بالمسئولية القومية‏,‏ بادرت الإمارات إلي شطب كامل ديونها علي العراق‏,‏ بهدف مساعدة الحكومة العراقية علي تنفيذ خطط إعادة الأعمار والبناء‏,‏ وتحسين الوضع الأمني لها‏.‏ كما أننا نعمل الآن علي استكمال فتح سفارتنا في بغداد‏,‏ كجزء من التزامنا بالدعم السياسي والمعنوي للجهود المبذولة علي الصعيد الأمني‏,‏ وتشجيع فئات الشعب العراقي علي نبذ كل أشكال العنف الطائفي والمذهبي‏.‏ ونحن علي يقين من أن مبادراتنا ومبادرات مماثلة من دول عربية شقيقة أخري‏,‏ سيكون لها تأثير واضح في مسار الأحداث في العراق‏,‏ وستكون عاملا من العوامل المساعدة للحكومة العراقية في استعادة الأمن والاستقرار‏.‏

أما فيما يتعلق بالشق الثاني من سؤالك‏,‏ حول تأثير ما يجري في العراق علي العلاقات العربية ـ الإيرانية‏,‏ فإننا نأمل ألا تكون العراق ساحة لاختبار تلك العلاقات‏,‏ وأن يلتزم الجميع مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخري‏,‏ ولدينا إيمان كامل بأن عراقا آمنا ومستقرا هو في مصلحة الجميع‏,‏ وفي مصلحة الأمن الإقليمي‏,‏ وأن أي محاولة لاستثمار الاضطراب الأمني والخلاف السياسي في العراق‏,‏ ستطال شروره الجميع‏.‏

‘‏الاهرام‏’:‏ ما زالت الإمارات تحتكم الي العقل وحسن الجوار في مطالبها باستعادة جزرها الثلاث المحتلة‏,‏ أبوموسي وطنب الكبري والصغري‏.‏ كيف ترون مستقبل هذه القضية خاصة في ضوء الإجراءات الإيرانية الأخيرة‏,‏ وهل هناك خطوات يمكن اتخاذها أمام عدم تجاوب إيران مع اليد السلمية التي تمدها الإمارات‏,‏ والمبادرات الخليجية والعربية المتتالية في هذا الشأن ؟
‏الشيخ خليفة‏:‏ نحن لا نتعاطي مع حقوقنا الثابتة بالجزر علي شكل ردات فعل‏,‏ بل لدينا منهج واضح‏,‏ يقوم علي مجموعة من الأسس الثابتة‏,‏ أبرزها التمسك بخيار التسوية السلمية لهذا النزاع‏,‏ عن طريق تحكيم مبادئ الشرعية الدولية‏,‏ ومبادئ وأحكام القانون الدولي‏,‏ وقبول التحكيم‏,‏ أو الدخول في مفاوضات ثنائية جادة‏,‏ وهي أسس لم تتبدل‏,‏ أو تتغير بالرغم من كل الإجراءات والعقبات التي اعترضت مسعانا السلمي‏.‏

إننا بالرغم من تمسكنا بحقنا الثابت في الجزر‏,‏ ننظر لإيران كجارة‏,‏ لدينا معها تاريخ طويل من العلاقات والمصالح المتبادلة في مجالات عديدة‏,‏ ونحن نعمل علي توظيف هذه العلاقات في دفع المساعي السلمية لحل النزاع علي الجزر‏,‏ مدركين أن حل هذا النزاع بشكل عادل‏,‏ من شأنه توسيع آفاق التعاون بين البلدين‏,‏ وتحسين مناخ الأمن والاستقرار في المنطقة‏.‏ أما الرهان علي فرض واقع معين علي الأرض‏,‏ فهو رهان خاسر‏,‏ ولن يؤدي إلي أي نتيجة‏,‏ ذلك أنه لن يثنينا طول الزمن أو قصره‏,‏ عن الاستمرار في المطالبة بحقوقنا المشروعة والعادلة في الجزر‏.‏ إننا نأمل أن يشكل التفهم العربي والدولي للطروحات السلمية الإماراتية‏,‏ عاملا مساعدا لإقناع إيران في الجلوس إلي مائدة حوار‏,‏ تفضي إلي تسوية سلمية عادلة لهذه القضية‏.‏

تدفق آمن للنفط
‘‏الاهرام‏’:‏ مع تزايد حجم التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران‏,‏ خاصة فيما يتعلق بملف إيران النووي‏,‏ وتهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز‏.‏ تردد أن دول الخليج لديها بدائل لعبور الناقلات النفطية‏,‏ التي تحمل صادراتها من الخام للعالم‏,‏ ما هذه البدائل؟ وما الرسالة التي لابد أن يقرأها أصحاب القرار في إيران‏,‏ والولايات المتحدة‏,‏ حتي لا تنطلق شرارة الحرب في الخليج العربي ؟
‏الشيخ خليفة‏:‏ مضيق هرمز ممر مائي حيوي للاقتصاد الدولي‏,‏ وهو أحد مفاتيح الأمن والاستقرار ليس للمنطقة فحسب‏,‏ بل للعالم أجمع‏.‏ ولذلك فإن مسئولية تأمين سلامة الملاحة عبره هي مسئولية دولية‏,‏ وبالتالي فإن من غير الملائم أن يصبح هذا الممر الحيوي موضوع مزايدات سياسية‏,‏ ومن غير المقبول والحالة هذه التحدث عن بدائل لاستمرار تدفق النفط من الخليج إلي العالم‏.‏ لأن الأمر لا يتعلق بدول الخليج فقط‏,‏ بل بالعالم كله‏.‏ ودول الخليج حريصة علي القيام بمسئوليتها في هذا الجانب‏,‏ لا حفاظا علي مصالحها الذاتية فحسب‏,‏ بل كجزء من دورها ضمن الأسرة الدولية‏,‏ للحفاظ علي استمرار تدفق النفط بشكل آمن‏,‏ باعتبار أن النفط هو حاجة دولية وليس سلعة تجارية فقط‏.‏ وبصرف النظر عن أهداف الحديث عن بدائل عن مضيق هرمز لنقل الصادرات النفطية من الخليج إلي العالم‏,‏ فإن هذا الحديث يوحي باستنفاد المساعي السلمية‏,‏ التي تقوم بها أطراف عديدة‏,‏ لحل أزمة الملف النووي الإيراني‏.‏ ولا يجوز تكريس هذا الانطباع أو الترويج له كأمر لا مفر منه‏.‏ إننا في دول الخليج بالرغم من القلق الذي نشعر به إزاء استمرار وتصاعد أزمة الملف النووي الإيراني‏,‏ لا نزال نعول علي نجاح المساعي الدولية المتعددة الأطراف‏,‏ لإقناع إيران بالتجاوب مع ما يريده المجتمع الدولي‏,‏ وبما يتفق مع التزاماتها‏,‏ وفق عضويتها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية‏,‏ ولتبديد أي مخاوف أو شكوك حول طبيعة وأغراض برنامجها النووي‏.‏

وبالمقابل فإننا ندعو إلي مواصلة النهج السياسي والدبلوماسي‏,‏ بعيدا عن أي تصعيد أو انفعال‏,‏ وذلك للتوصل إلي اتفاق سلمي‏,‏ يكفل الأمن والاستقرار لدول المنطقة وشعوبها‏.‏

‘‏ الاهرام‏:‏ في الوقت الذي ترون فيه أن الأمن والاستقرار يتحقق من خلال علاقات جيدة متوازنة‏,‏ واحترام متبادل للسيادة والمصالح‏,‏ يري البعض أن الأمن يتحقق بتعزيز القدرات العسكرية‏,‏ والتسابق نحو امتلاك الأسلحة المتطورة‏.‏ هل ما زلتم عند رؤيتكم ؟ وكيف ترون الإستراتيجية الدفاعية لدول مجلس التعاون؟
‏الشيخ خليفة‏:‏ نحن في دولة الأمارات وقفنا دائما ضد محاولات إقحام المنطقة في سباق التسلح‏.‏ لكن هذا لا يعني الانتقاص من حقنا في امتلاك أسلحة متطورة‏,‏ تخدم الإستراتيجية الدفاعية التي نعتمدها‏,‏ والقائمة علي أساس توفير مقومات الدفاع عن مصالحنا الحيوية‏,‏ والإسهام بدورنا كجزء من مكونات الأمن والاستقرار في المنطقة‏.‏ إن امتلاك أسلحة متطورة يجب ألا يكون سببا في تغذية النزعة العدوانية‏,‏ بل وسيلة لتحسين قدرة القوات المسلحة‏,‏ وتمكينها من مواكبة التقنيات العسكرية الحديثة‏,‏ بما يتناسب مع احتياجاتنا الدفاعية علي المستويين الوطني والإقليمي‏.‏ أما إذا كنت تقصد بسؤالك السباق لامتلاك أسلحة الدمار الشامل‏,‏ فقد دعونا دائما إلي جعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج العربي‏,‏ منطقة خالية من هذه النوعية من الأسلحة‏,‏ لأننا نؤمن أن أفضل ضمان للأمن والاستقرار‏,‏ يكمن في إيجاد حلول عادلة للأزمات الراهنة في المنطقة‏,‏ وفق قرارات ومبادئ الشرعية الدولية‏,‏ وعلي قاعدة احترام المصالح وحسن الجوار‏.‏ أما التسابق لامتلاك أسلحة التدمير الشامل في ظل استمرار الأزمات الحالية‏,‏ فإنه يزيد من أجواء التوتر‏,‏ ويقوي النزعات العدوانية‏.
نحن في دولة الإمارات ودول الخليج‏,‏ لدينا سياسة دفاعية قائمة علي أساس احترام خيارات الآخرين‏,‏ وردع أي محاولة لفرض هذه الخيارات علينا‏.‏ وقد اكتسبت هذه السياسة مصداقية واحتراما‏,‏ خاصة بعد أن أثبتت دول المنطقة أنها لم تستخدم لغة التهديد‏,‏ أو التلويح بالقوة‏,‏ كـأداة من أدوات سياستها الخارجية‏.‏

قدرات بشرية محلية
‘‏ الاهرام‏:‏ خطت دولة الإمارات خطوات مهمة نحو معالجة قضية التركيبة السكانية‏,‏ كيف ترون الحلول العاجلة والآجلة لهذه القضية ؟
‏الشيخ خليفة‏:‏ هناك عدة مستويات لمعالجة الخلل في التركيبة السكانية‏.‏ أولها ضبط سوق العمل‏,‏ بشكل يمنع تحول العمالة المؤقتة التي جاءت بهدف العمل في مشاريع وأغراض محددة‏,‏ ضمن علاقات تعاقدية واضحة‏,‏ إلي عبء ديمغرافي دائم‏.‏ وهذا يقتضي تطوير التشريعات المتعلقة بأسس التعامل مع هذه العمالة‏,‏ بما يتناسب مع طبيعتها المؤقتة‏.‏

أما المستوي الثاني‏,‏ فهو ذو أبعاد ثلاثة‏,‏ البعد الأول‏:‏ العمل علي تنمية القدرات البشرية المحلية‏,‏ وتطوير أدائها عبر التدريب والتأهيل تطويرا نوعيا‏,‏ يسمح بامتلاك وتشغيل وسائل التقنية الحديثة‏,‏ التي تقلل من الاعتماد علي العمالة الأجنبية‏,‏ خاصة العمالة الهامشية غير الماهرة‏.‏ والبعد الثاني‏,‏ العمل علي إشاعة ثقافة الاعتماد علي الذات‏,‏ في كثير من الأعمال التي تركناها للعمالة الأجنبية‏,‏ وهذا يتطلب مراجعة بعض العادات والمفاهيم‏,‏ بهدف إعادة الاعتبار للعمل اليدوي والميداني‏,‏ الذي كان من السمات الاجتماعية الواضحة في المنطقة‏.‏ أما البعد الثالث فهو دفع الكلفة المالية للعمالة الوافدة‏,‏ من خلال تطوير شروط الاستقدام والاستخدام للعمالة الأجنبية‏,‏ إلي المدي الذي تصبح فيها تلك الكلفة مغرية للبدائل المحلية‏.‏

إننا ندرك أن قضية التركيبة السكانية من التعقيد بحيث تتطلب وقتا وجهدا متواصلا‏,‏ وتفاعلا مجتمعيا مع أي خطط حكومية‏.‏ إلا أننا ونحن نتفهم هواجس ومخاوف البعض من هذه الناحية‏,‏ نري أن التنوع في التركيبة السكانية للإمارات كان مصدر إثراء لتجربتنا التنموية‏,‏ فقد أشاع روحا من التسامح‏,‏ وأجواء من الانفتاح علي ثقافات وحضارات شتي‏.‏ وأن ما ننعم به اليوم من أمن واستقرار‏,‏ بالرغم من التنوع الكبير في التركيبة السكانية‏,‏ دليل علي أن لدينا القدرة علي ضبط إيقاع العلاقات داخل المجتمع الإماراتي‏,‏ من خلال احترام حقوق الإنسان‏,‏ وضمان كرامته‏,‏ وتوفير سبل العيش الكريم لكل من يقيم علي أرضه‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى