مقالات الأهرام اليومى

مصــر ـ مبــارك‏.. ‏ وخريطة سياسية جديدة

في عالمنا الراهن تحتل الجغرافيا السياسية موقعا استراتيجيا في وضع موازين القوي وصناعة الأدوار التاريخية للأمم وتقدير مكانتها‏,‏ وإذا كانت الطبيعة قد منحت مصر موقعا جغرافيا مميزا واستراتيجيا كنقطة فاصلة وبوصلة حاضرة بين القارات والحضارات‏,‏ فإن موقعنا الاستراتيجي وجغرافيتنا السياسية قد صنعتها وهندستها السياسة المصرية الفريدة التي أكسبتها القوة والدور المميز‏.‏

وإذا كان لنا أن نشهد بالحقيقة‏,‏ فإن هذا الدور وضعه وخططه الرئيس حسني مبارك بتبني سياسات تحقيق الاستقرار والسلام في بلادنا ومنطقتنا والعالم‏,‏ واقتحام المشكلات الصعبة ومواجهتها بالحلول الموضوعية والمؤثرة‏,‏ وهو يستخدم في ذلك كل الوسائل السياسية بما فيها قدرته علي الإقناع وصراحته المعهودة‏,‏ والمواجهة المباشرة‏,‏ حيث يملك أدوات واختيارات دقيقة‏,‏ منها زياراته السياسية الخارجية السريعة والعملية التي تتجه نحو الهدف مباشرة‏,‏ وتضع أطراف المشكلة أمام أنفسهم بالحقائق والمتغيرات‏,‏ كما أنه يصنع السياسات علي الطبيعة‏,‏ ويضع الجميع أمام الحقيقة ويغير الواقع الذي يواجهونه ويبصرهم بالمخططات الخارجية التي تستهدفهم كما تستهدفنا‏.‏

أسامة سرايا
الرئيس مبارك خلال زيارته التاريخية للسودان وسط حفاوة وترحيب من قادة الجنوب
كنت في الهند للقاء مع رئيس وزرائها مانموهان سينج قبل زيارة الرئيس مبارك المرتقبة لبلاده‏,‏ والتي تبدأ بعد أيام عندما عرفت بزيارة الرئيس إلي السودان شماله وجنوبه‏.‏ وكنت أتمني أن أكون حاضرا فيها‏,‏ ولكنني علي أي حال أدركت مغزاها ولم يفتني الحدث‏,‏ فأسرعت لكي أصف كيف يبني مبارك الدور الإقليمي‏,‏ وكيف تصوغ مصر مكانتها في عالمها حتي بين أشقائها‏,‏ فمصر ـ مبارك هي التي تقتحم كل الصراعات والمشكلات العربية ـ العربية وتواجهها‏,‏ ليس في السودان وحده‏,‏ ولكن أيضا في فلسطين ولبنان والعراق‏..‏ فالمنهج واحد والسياسة واحدة‏..‏ وإن تغيرت وتكيفت مع الفصائل واختلافها‏,‏ والمنظمات وصراعاتها حسب طبيعة كل أزمة وظروفها‏,‏ وكل بلد ومتغيراته‏.‏

إنها سياسة النفس الطويل والرؤية الاستراتيجية والمصلحة المتجردة عندما تتعامل مع الجميع‏,‏ وهي الثقة المتولدة الآن لمصر ولدورها عربيا وعالميا‏.‏

إن السودان يعيش أزمة واحتقانا داخليا حادا ليس في الغرب فقط عبر أزمة دارفور‏,‏ ولكن أيضا مع شركاء الحكومة في الجنوب‏.‏ ولاشك أن لقاء الرئيس مبارك معهم في هذا التوقيت الدقيق والحساس هو لقاء مؤثر ومباشر للداخل وللخارج معا‏.‏

ولقد التقطت حساسية الرئيس مبارك الخيط فصاغ التوقيت برؤيته‏,‏ وبعد نظره لما يحدث في السودان‏,‏ وتأثيره علي الشعب الذي يكن له الرئيس مبارك كل الحب‏,‏ ويتمني له الاستقرار‏,‏ بل يعمل علي تحقيقه‏..‏ وتلك حقيقة تؤكدها سياساته وأعماله‏.‏ ولعلنا نتذكر هنا العملية الفاشلة التي خططتها عناصر سودانية للاعتداء علي الرئيس مبارك قبل افتتاح القمة الإفريقية بإثيوبيا في يونيو عام‏1995,‏ وقد وجه الاتهام وقتها إلي بعض الجماعات‏,‏ بل القيادات السودانية بتدبير ذلك الحادث والتخطيط له‏,‏ وكان المجتمع الدولي مهيأ بل والأمم المتحدة أيضا لتوقيع عقوبات علي المعتدين‏.‏ ولكن الرئيس الذي ينظر إلي المستقبل‏,‏ ويضع سياساته بكل عمق وحكمة‏,‏ رفض أي عقوبات علي السودان‏,‏ وقال مقولته الشهيرة إن معاقبة الإرهاب والتطرف باجتثاث جذوره ومواجهته يجب أن تكون موجهة إليه مباشرة وليس بمعاقبة الشعب‏..‏ ومن البدهي أن العقوبات لو كانت فرضت علي السودان لتأثر بها الشعب ولا تطول الإرهابيين أو المتطرفين‏..‏ وهكذا صبر الرئيس علي المعتدين حتي هجروا السودان‏,‏ وذهب بن لادن وجماعته إلي أفغانستان‏,‏ وتخلصت السودان من تلك الجماعات‏,‏ ولكن آثارهم مازالت موجودة‏.‏

مبارك في السودان
لاشك أن زيارة الرئيس مبارك للسودان تجفف منابع التوتر بين الشمال والجنوب‏,‏ وتعيد الوئام للائتلاف الحاكم‏,‏ بعد التوتر بل الحرب التي حدثت في منطقة أبيي وعدم تنفيذ البروتوكول الخاص به‏.‏ وأعطت زخما للجنوبيين بأننا معهم‏,‏ وأنه لا تناقض بين أن تكون عربيا وإفريقيا‏,‏ وهذا يعزز الوحدة السودانية التي ننشدها ويعطي للاستفتاء الذي يجري عام‏2011‏ علي الوحدة السودانية نفسا صحيا مصريا وعربيا‏.‏ ويؤكد اندماج الجنوب والشمال وارتباط الجميع بالوطن الواحد‏.‏

والزيارة‏,‏ برغم أهميتها التاريخية ومغزاها وتأثيرها طويل الأمد‏,‏ لم تكن هي وحدها صانعة هذه السياسة المصرية القوية والمتجددة‏,‏ ولكن بدأتها مصر ـ مبارك عندما تعاملت مع الجنوب‏,‏ وفتحت له أبواب مصر‏,‏ وأرسلت المستشفيات والمستثمرين‏,‏ كما قال لي سيلفا كير ـ نائب الرئيس السوداني ورئيس حكومة الجنوب عندما قابلته في فبراير‏2008:‏ نحن نثق في مصر مبارك‏,‏ وإن سياسة الرئيس مبارك لها مكانة خاصة في أوساط الشعب السوداني عامة وأوساط الجنوبيين خاصة‏,‏ ولو أصبح الجنوب دولة منفصلة فإن مصالح مصر لن تتضرر علي الإطلاق‏,‏ ولا يمكن لأي جنوبي أن يضر بمصالح بمصر‏,‏ بل سيكون التعامل مباشرا معها وأقوي من الوضع الحالي‏.‏

ولكن مصر تعمل علي وحدة الجنوب والشمال وتجعل الوحدة خيارا مقبولا من الناس باختيارهم وحريتهم المطلقة‏.‏

إن زيارة الرئيس مبارك الأخيرة للسودان أعطت لأزمة الغرب ودارفور نفسا وروحا جديدة للحل للداخل السوداني وللخارج معا بنفس القوة والدرجة‏.‏

فأكدت للخارج إن البلد الشقيق لا يقف وحيدا في مواجهة الضغوط الخارجية والمؤامرات علي وحدته‏,‏ وأن مصر تقف متضامنة معه في مواجهة كل عوامل الفرقة والانقسام التي تأتي من الداخل أو الخارج‏,‏ فالبعض يحاول أن يجعل أزمة دارفور قضية الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة‏,‏ وسياسيو الداخل قد لا يفهمون ما يخطط لبلادهم من مزيد من الانقسامات‏,‏ وقد ينجرون وراءها أو يندفعون إلي صراعات لا حدود لها‏,‏ وقودها الداخلي موجود بل ومستعد ليس للاشتعال فقط بل وللحرب أيضا‏,‏ وكذلك المبررات الداخلية والعرقية والصراعات والتنافسات السودانية قد تعطي للقوي الخارجية كل المبررات‏,‏ وقد تفتح شهيتها لتقسيم السودان إلي دويلات مفككة‏,‏ وكل هذه الصراعات تساعد علي تقسيم السودان أكثر من قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير وهي المرة الأولي التي يتعرض فيه رئيس دولة في السلطة لمثل هذا الموقف‏.‏

وبالرغم من كل ما ينطوي عليه هذا الموقف من تجاوزات قانونية وسياسية وإهدار لسيادة الدولة وعدم الالتزام بقواعد النظام العالمي‏,‏ فإن علي السودانيين أن يدركوا أن هذا الموقف رسالة يمكن أن تكون قنبلة موقوتة قابلة للانفجار‏,‏ وهذه المرة سيكون بنفس التداعيات العرقية التي لها قابلية للانفجار بسهولة‏.‏

إن تحرك الرئيس مبارك للسودان صبيحة الإثنين‏10‏ نوفمبر الحالي ستكون له تأثيرات كبيرة علي مستقبل هذا البلد العزيز في ضبط الإيقاع السياسي‏,‏ والخطاب للداخل والخارج والسياسات الفعلية علي نحو يتيح تجنب أي تصعيد جديد للأزمة في دارفور سواء للفصائل المتمردة أو للقوي الخارجية التي تريد أن تكسب الإدارة الجديدة في أمريكا في صفها‏,‏ بحكم تكوينات عرقية أو حتي مصالح انتخابية وتسديد فواتير الانتخابات الأمريكية علي حساب الشعب السوداني ووحدته‏.‏

إن ضبط الإيقاع والسياسات والتعامل مع الفصائل في غرب السودان في دارفور هدف لمصر ورئيسها‏,‏ وأيضا تتيح تجنب أي تصعيد جديد في الأزمة قد يؤثر سلبا بالضرورة علي الجهود المبذولة حاليا لحلها‏.‏

ولذلك زار مبارك في الوقت والتوقيت المناسب السودان لمصلحة السودانيين ووحدتهم وحماية مصالحهم‏,‏ وزيارته رسالة لكل السودانيين وذات عمق ومغزي وعملية مبنية علي الضمير الحقيقي والفهم والرؤية السياسية والتحليل العميق للموقف داخليا وخارجيا‏.‏

وهذا ما قصدناه عندما كتبنا أن الدور الإقليمي ليس خطابا سياسيا مهما كان زاعقا‏,‏ ولا هو تحرك علي غير هدي‏,‏ سعيا نحو إثبات الحضور‏,‏ ولكنه يقوم علي منهج ويرتبط برؤية‏,‏ وهذا هو ما يميز دور مصر الذي يسعي إلي الحفاظ علي الاستقرار في المنطقة من أجل خير شعوبها ويصل بالتالي لمواجهة عوامل الاضطراب سواء التي تنتج عن تفاعلات طبيعية أو التي تترتب علي سياسات معينة أو تنتج عن تدخلات خارجية‏.‏

ومنهج مبارك في هذا الإطار هو السعي إلي احتواء الأزمات والمشكلات القابلة للانفجار‏,‏ ومحاولة استباق عوامل التفجير من خلال استشراف آفاقها في كل مراحلها من الداخل‏.‏

إن العالم يتأهب الآن لمرحلة جديدة مع انتقال السلطة في الولايات المتحدة‏,‏ بما يقترن به من توجهات وسياسات وتفاعلات‏,‏ سيكون بعضها مختلفا بالتأكيد‏,‏ وتصبح مراجعة الإفصاح عن بعض الأزمات والمشكلات المرشحة للتأثر عند التغيير ضرورة لا تحتمل التأجيل‏.‏ هذا هو الدور التاريخي لمصر ـ مبارك لمن لا يدركون‏,‏ أو لمن يدركون ويتجاهلون‏,‏ فالحقيقة لا تضيع عادة‏,‏ بل يحفظها التاريخ‏..‏ وهذا هو دور صناع التاريخ‏..‏ ومبارك في مقدمتهم دائما‏..‏ لأنه يصنعه احتراما لدوره ومكانته ومكانة بلاده واحتراما للمسئولية التي يتحملها وليس بحثا عن دور ولا حتي تسجيلا للتاريخ‏..‏ وهذا ما يضعه في مقدمة صناع التاريخ بكبرياء وعظمة‏.‏

وهذا ما جعل رئيس وزراء الهند مانموهان سينج ـ الذي يعتبرونه مهندس الاقتصاد الهندي الحديث وأحد حكمائهم ـ يقول لي إن الرئيس مبارك يحظي بمكانة خاصة في الهند فهو رجل سياسة وقائد من أصحاب العقول المستنيرة‏,‏ الأمر الذي انعكس بدوره ليس فقط علي مصر ولكنه ظهر أيضا من خلال تفاعلاته مع العالم العربي والدول النامية وفي المحافل الدولية‏,‏ وقد أصبحت مصر‏,‏ في ظل قيادة الرئيس مبارك إحدي أكثر الدول المؤثرة والمهمة علي مستوي العالم‏,‏ حيث نجد الجميع يستمعون إلي وجهات نظر مصر باهتمام واحترام شديدين وتقوم مصر بتقديم إسهامات مؤثرة في عملية السلام في الشرق الأوسط‏,‏ ويعد استمرار الاستقرار والتقدم والرخاء في مصر من الأصول المهمة بالنسبة للنظام العالمي‏.‏

ويضيف سينج أنه تقديرا واعترافا بكل ذلك‏,‏ فإن الهند تقدم للرئيس مبارك جائزة نهرو للتفاهم الدولي‏,‏ ويتسلمها الرئيس في زيارته المرتقبة‏.‏

وهكذا وبفاعلية وتواصل وتواضع لا حدود له يضع الرئيس مبارك بمحطة زيارته الجديدة للهند السياسة الخارجية المصرية في مجال حيوي جديد‏,‏ فهو يهدف بها إلي نقلة نوعية جديدة في علاقات مصر الآسيوية‏,‏ بعد أن بلغت العلاقات مع الصين ذروة لم تصل إليها في تاريخ البلدين‏,‏ الضارب في جذور الحضارة الإنسانية العريقة‏,‏ وذلك من خلال رؤية عملية واضحة تبلورت عمليا في زيارات متعددة للصين‏,‏ كان آخرها في نوفمبر‏2006‏ للمشاركة في قمة التعاون بين الصين وإفريقيا‏,‏ ثم زيارته الرسمية للصين‏.‏

وتكمل زيارة الرئيس للهند تعاون مصر مع الهند والصين في مجال الاقتصاد المتطور‏,‏ وإذا زدنا علي ذلك تطور العلاقات مع روسيا لأدركنا موقف مصر الآن مع آسيا بكل مكانتها السياسية وتطورها الاقتصادي‏.‏

إن المكانة التي تحققت لبلادنا تبلور عمليا الأفق الذي تسعي إليه مصر ـ مبارك وتحقق معادلة صعبة عندما تجعل هذه العلاقات السياسية‏,‏ وهذا التنسيق والتفاعل مدخلا رئيسيا من مداخل التنمية وتطوير الاقتصاد المصري من خلال جلب تدفقات استثمارية وزيادة التجارة‏.‏

وهذا ما نطلق عليه تغيير الخريطة الجغرافية السياسية بكل تشابكها وتفاعلاتها السياسية والاقتصادية‏,‏ وذلك ببناء شبكة من التفاعلات والمؤسسات في مختلف المجالات والمرتبطة باتفاقيات ورؤي سياسية لخلق واقع جديد يغير الإنسان والمجتمع‏,‏ ويفتح أمامه أفاقا للتطور والنمو والتحديث‏,‏ ومشاركة العالم بلا حدود أو عقبات تقف في وجه هذه المسيرة وتطورها إلي الأمام بلا توقف‏.‏

هذا ماحققته مصر مع أوروبا‏,‏ والعلاقات القوية التي بناها الرئيس مبارك مع شيراك‏,‏ ثم مع خليفته ساركوزي‏,‏ وصولا إلي رئاسة مصر مع فرنسا الاتحاد من أجل المتوسط‏.‏

ونستطيع في هذا السياق أن نرصد تأثيرات عملية الإصلاح الاقتصادي‏,‏ وتوفير مقوماته في مصر وتدعيم مرتكزات التنمية والتحديث‏,‏ وهي ما نطلق عليها البنية الأساسية المتكاملة بشقيها الاقتصادي والخدمي‏,‏ مع إدراكنا أن النجاح في ذلك مرتبط بسياسات في الداخل‏,‏ وعملية بناء مستمرة‏,‏ وهذا ما حدث في مصر خلال العقدين الأخيرين أكثر مما حدث في كل تاريخها‏,‏ ونستطيع رصد ذلك كما وكيفا بسهولة ووضوح للفارق الكبير بين ما كنا فيه‏,‏ وما أصبحنا عليه في كل مجالات التنمية بالداخل‏,‏ ولكن تكامل الرؤية وحيادها‏,‏ في الوقت نفسه‏,‏ يلزمنا الإفصاح عن أن خطط التنمية في الداخل مرتبطة إلي حد كبير بحركتنا في الخارج‏,‏ ولم يكن معروفا أو شائعا في أوقات كثيرة إدراك أن عملية التنمية والتحديث لم تعد داخلية فقط‏,‏ إذ تظل في حاجة إلي عوامل مساعدة خارجية وتتفاوت أهمية هذه العوامل من بلد إلي آخر ومن مستوي معين في التطور الاقتصادي إلي غيره‏.‏

وهكذا وللإنصاف علينا أن ندرك أن هناك توازيا للتقدم الذي حدث في مصر خلال عهد الرئيس مبارك مع تراكم في اتجاه توازن العلاقات السياسية العربية والإقليمية والدولية علي النحو الذي يحفظ الأمن القومي‏,‏ ويحقق المصلحة الوطنية‏,‏ ويعزز إمكانات العمل العربي المشترك ويساعد في حل الأزمات العربية والإقليمية المتزايدة‏.‏

وتقدم مصر مبارك نموذجا ملهما لاستخدام علاقات مصر الدولية وعلاقات مبارك الشخصية المتميزة مع زعماء العالم‏,‏ وقادته من أجل احتواء مشكلات كبيرة ومحاولة حل الأزمات المستعصية علي الصعيد العربي‏.‏

إن مصر توظف كل علاقاتها بأمريكا وإسرائيل لمصلحة القضية الفلسطينية‏,‏ وتحل مشكلات الصراعات الفلسطينية ـ الفلسطينية بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع الجميع بحيدة‏,‏ وتخص بالاهتمام مصالح الفلسطينيين ودولتهم المرتقبة قبل كل شيء‏,‏ وقد وظفت مصر علاقاتها القوية مع فرنسا من أجل حماية السودان من تداعيات أزمة خطيرة في دارفور مرشحة للتصاعد في المرحلة المقبلة‏.‏

ولذلك فالارتباط بين زيارة الرئيس مبارك الأخيرة إلي السودان يوم الاثنين الماضي‏,‏ وزيارته إلي فرنسا في أكتوبر الماضي أي قبلها بأحد عشر يوما هي أمر متكرر في حركة الرئيس مبارك الخارجية‏,‏ ويستطيع أي متابع لسياسة مصر الخارجية أن يرصد الحركة متراصة الحلقات والمتشابكة خاصة في قلب الأحداث الكبري في العالم‏.‏

ولعلنا هنا نضرب الأمثلة الحديثة فقط التي حدثت في العام الحالي‏2008‏ وحده وآخرها تعامله مع أزمة الغذاء العالمية حيث طرح رؤية متكاملة لحلها وحشد المجتمع الدولي وراءها لمصلحة الفقراء في كل أنحاء العالم‏,‏ ثم تعامله مع الأزمة المالية العالمية علي الصعيد العربي المشترك‏,‏ وتعاونه مع الدول الكبري في هذا الإطار من خلال بناء الاتحاد من أجل المتوسط‏,‏ والذي ينطوي علي بشري بأن يكون هذا الاتحاد فاعلا في النظام العالمي‏,‏ ويتيح للدول العربية المتوسطية والعالم العربي نافذة مهمة وجديدة للدفاع عن مصالحه والسعي إلي تحقيقها‏.‏

نستطيع أن نقولها بكل صراحة إن نظرة إلي عمق هذه السياسة الخارجية وتتبعها بدقة وحيادية‏,‏ سوف تكشف عن أنها استطاعت فعلا أن تنجح في تغيير الخريطة السياسية‏(‏ الجيواستراتيجية‏)‏ وأن تضع مصر ومكانتها التاريخية العظيمة مع مكانتها المعاصرة التي تستحقها في اتساق لأول مرة في تاريخنا المعاصر حيث يلتئم حاضرنا ومستقبلنا مع تاريخنا العظيم باعتبارنا بناة الحضارة الإنسانية القديمة‏.‏

وهكذا يلتقي موقعنا الجغرافي‏,‏ الذي منحته لنا الطبيعة‏,‏ مع جغرافيتنا السياسية التي نصنعها بحركتنا ودورنا إقليميا وعربيا‏.‏

وعلينا أن نعضد هذا التطور‏,‏ وأن نمسك به‏,‏ فهذا هو طريقنا الذي وجدناه حقيقة لبناء مصر الحديثة المتطورة المتكيفة مع تاريخها‏,‏ وحاضرها‏,‏ وثقافتها‏,‏ ومع عالمها في الوقت نفسه‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى