مقالات الأهرام اليومى

مبارك‏..‏ وثورة يوليو

الثورة في أي مجتمع هي تعبير عن إرادة شعبية في إحداث تغييرات هيكلية أساسية في النظم الاجتماعية أوالسياسية أوالاقتصادية أو هي جميعا‏.‏ ومعظم الثورات في تاريخ العالم كان وعيها بما تسعي إلي تغييره أكثر عمقا مما تريد أن تضعه بديلا‏.‏ ولذلك عرفت الثورات التجربة والخطأ‏,‏ والتصحيح والتطوير والتغيير والتكيف مع المتغيرات المحيطة حتي تستقر علي البديل الأكثر كفاءة في السياسة والاقتصاد وغيرهما في إطار عدد من المبادئ العامة‏.‏ فالثورات لاتضع الشعوب في قوالب جامدة أو مسارات محددة لاتخرج عنها‏,‏ وإلا حكمت علي نفسها بالفشل الذريع‏,‏ حيث إن الظروف التي تنشأ فيها تتغير بمرور الزمن‏,‏ وتظهر معها تحديات واقع جديد‏.‏

ويمر هذا العام علي ثورة يوليو المجيدة ستة وخمسون عاما‏,‏ جرت في نهر الحياة المصرية خلالها مياه كثيرة‏,‏ وتغير وجه الحياة في مصر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا عما كان عليه صبيحة الثالث والعشرين من يوليو عام‏1952‏ فلقد ولد ثلاثة أرباع سكان مصر اليوم بعد ذلك التاريخ‏.‏ ويدرك الكثيرون منهم ما كان من الثورة وماكان قبلها من خلال روايات وكتابات متناقضة ومتباينة‏.‏ وهذا التناقض في الحديث عن ثورة يوليو يرجع إلي أسباب كثيرة ليس أقلها تشدد البعض في الحكم عليها سلبا أو إيجابا‏.‏ فهي عند البعض إلهام قائد لايجوز معه النقاش‏,‏ وهي عند آخرين وساوس شيطانية ينبغي مواجهتها والتخلص من نتائجها‏

وتناسي الجميع المبادئ التي نادت بها حركة الجيش فاكتسبت تأييد الشعب وحينها تحولت إلي ثورة‏,‏ حيث وقف الكثيرون أمام آليات التطبيق ومساعي تحقيق المبادئ العامة للثورة‏,‏ وهي بطبيعتها تقبل الخطأ وتقبل الصواب وفق معطيات الواقع المتغير من حولنا‏,‏ ويعلم الجميع أن التخلص من آخر حكام أسرة محمد علي ونظامه السياسي كان الهدف الأساسي للضباط الذين قاموا بالثورة ولم تكن لديهم صورة واضحة المعالم عن طبيعة النظام السياسي البديل‏,‏ وقد اجتهد الجميع فأصابوا وأخطأوا‏.‏

أسامة سرايا

ومن المغالطات التاريخية أن نحكم علي أخطاء عقود مضت بمنطق الوقت الراهن حتي وإن تحمل هذا الجيل من المصريين تبعات تلك الأخطاء‏.‏

وعرفت مصر بعد الثورة أربع زعامات سياسية تعاقبت علي حكم مصر من محمد نجيب إلي جمال عبد الناصر ثم أنور السادات إلي حسني مبارك‏,‏ وتباينت بينهم الرؤي وآليات تنفيذ تلك المبادئ التي اكتسبت بتأييد المصريين صفة الثبات في الحياة السياسية المصرية‏,‏ بما في ذلك موقع الحاكم نفسه من النظام السياسي‏.‏ فقد استغرقت الزعامة الكاريزمية سنوات طويلة حتي جاء الرئيس مبارك بمفهوم رجل الدولة ليضع أسسا جديدة للنظام السياسي في الداخل وآلية محكمة للربط بين العلاقات الداخلية والخارجية للدولة المصرية‏.‏

وجاء مبارك إلي الحكم والعديد من مبادئ الثورة تراوح مكانها بينما كان بعضها قد تراجع بعد نجاح نسبي‏,‏ وكان جزء من الأرض المصرية لايزال وقتها‏,‏ برغم اتفاقيات السلام‏,‏ محتلا وكانت مساعي الديمقراطية قد لقيت ضربة قاسية باعتقالات سبتمبر عام‏1981‏ واقتربت الأوضاع الاقتصادية وقتها من حدود الانهيار‏,‏ وحدث انخفاض ملحوظ في مستويات المعيشة لم تجد معه إجراءات الثورة في توزيع الثروة لتحقيق العدالة الاجتماعية‏,‏ هذا إلي جانب بنية أساسية متهالكة في الصرف الصحي والمياه والطرق والاتصالات‏,‏ ونسبة كبيرة من سكان الريف محرومة من مياه الشرب والكهرباء والصرف الصحي‏,‏ ومصانع تخلفت فيها أدوات الإنتاج عقودا عما يستخدم عالميا‏,‏ وإنتاج زراعي يعاني قائمة طويلة من المشكلات‏,‏ وضعف القدرة علي التصدير تكاد تكون معدومة‏,‏ وعلاقات تشهد قطيعة غير مسبوقة مع المحيط العربي‏,‏ وعلاقات خارجية تفتقد التوازن‏,‏ وتراجع ملحوظ للدور المصري في إفريقيا والعالم العربي‏.‏

إنها قائمة طويلة من المشكلات كان من المحتم مواجهتها بموجب ما توافق عليه المصريون من مبادئ في ظل ثورة يوليو‏,‏ واليوم وبعد تلك السنوات التي مرت استكمل مبارك لمصر تحرير كامل ترابها الوطني‏,‏ ومهد الطريق لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخ مصر حتي توج بحق المصريين في انتخاب رئيسهم من خلال الاقتراع المباشر‏,‏ ولم يفرط في إرادة الأمة الحرة المستقلة‏,‏ في ظل علاقات دولية تفتقر للتوازن وتغص بالمتسلطين علي إرادة الشعوب‏,‏ اختار مبارك الطريق الصعب في تحقيق العدالة الاجتماعية ولايزال‏,‏ ولم يتخل عن الفقراء وبلغت حقوقهم في اقتصاد الدولة ما لم تبلغه في أي عصر آخر وشيد أكبر بنية تحتية في تاريخ مصر

واختار لقواتها المسلحة المفهوم الحديث للجيوش المعاصرة فأصبح لدي مصر جيش وطني قادر علي حماية حدودها ومصالحها‏,‏ وأعاد صياغة علاقات مصر بشقيقاتها العربيات‏,‏ وأقام فاعلية دورها الإقليمي علي أسس جديدة‏,‏ واستعاد لمصر مكانتها الإفريقية وحقق لها لدي جيران الشمال الأوروبيين مكانة لم تتحقق من قبل‏,‏ واستطاع أن يترجم هذه العلاقات إلي مصالح اقتصادية داعمة لقدراتنا الراهنة‏.‏

………………………………………‏

إن كل إنجاز في عصر مبارك يترجم في أرض الواقع مبادئ تلك الثورة التي التف حولها المصريون منذ الإعلان عنها وقد استحدث مبارك أساليب عمل وآليات تنفيذ مكنتنا اليوم من أن نحتفل بالذكري السادسة والخمسين لثورة يوليو‏,‏ وقد شهدت بلادنا من مبادئها الكثير مما لم يتحقق من قبل‏,‏ ولا نقول إننا قد بلغنا كل آمالنا العريضة التي تفجرت مع الثورة ولكننا اليوم أقرب ما نكون إلي أن نري تلك الآمال قد تحققت علي أرضنا رخاء لنا ولأجيالنا القادمة‏.‏

فخلال الأعوام القليلة الماضية حققت مصر علي أرض الواقع كثيرا مما داعب أحلامنا عشية قيام الثورة‏,‏ وشهدت تلك السنوات حركة إصلاحية في كثير من جوانب حياتنا سوف يتردد صداها في قادم الأيام‏,‏ ولدينا اليوم ـ وللمرة الأولي ـ رئيس لبلدنا انتخبناه علي أساس برنامج شامل كان بمثابة عقد بين الحاكم والمحكومين‏,‏ وهذه الشرعية الجديدة تمثل أساسا لدولة مصرية حديثة‏,‏ وحققت هذه الإصلاحات كثيرا من المبادئ التي عملت من اجلها الثورة‏,‏ ففي الريف المصري مست حركة الإصلاح حياة الفلاحين بأكثر مما لامسته أي إجراءات سابقة‏,‏ فحياة الفلاح المصري اليوم لاتقارن بأي فترات سابقة في تاريخنا

حيث شهدت الزراعة المصرية تطورا ملموسا ربما لايشعر به الكثيرون من سكان المدن‏,‏ واتسمت حركة الإصلاح المصرية الأخيرة بما لم تتسم به أي حركة إصلاحية أخري في عصر التحول نحو الاقتصاد الحر‏,‏ ولم يدفع محدودو الدخل ثمنا لهذا التحول بفعل سياسات وضعتهم في المقدمة‏,‏ وحينما استحكمت أزمة الغذاء في العالم كانت الدولة المصرية في طليعة من تصدوا لتلك المشكلة حماية لمحدودي الدخل من مواطنيها بل وتحملت مسئولية قيادة اتجاه عالمي لحماية الفقراء أينما كانوا‏,‏ وسوف تظل إنجازات مبارك دعما حقيقيا لتلك الثورة التي صنعها شعب آمن بمبادئها وعمل من أجلها‏,‏ وانتصر مبارك لمبادئ ثورة يوليو احتراما لإرادة أمة فحقق لها الكثير من مبادئها‏.‏ ونحن مطالبون باستمرار ما حققناه من معدلات نمو أبعدت عنا شبح الفقر والتدهور الاقتصادي‏,‏ ولا شك أن استمرار تلك المعدلات كفيل بتحقيق ما حلمنا به كاملا مع ثورة يوليو‏1952,‏ وكفيل أيضا بأن تظل ثورة يوليو مصدر إلهام وإبداع لأجيال قادمة من المصريين‏.‏

إننا بحاجة إلي توافق عام بشأن ثورة يوليو بعد تلك السنوات التي تفصلنا عن تاريخ قيامها‏,‏ ولاينبغي الوقوف طويلا أمام أخطاء السياسات إلا بقدر الاستفادة منها وتسديد خطي المستقبل‏,‏ فسوف تظل ثورة يوليو بأعمالها جميعا ـ الصواب منها والخطأ ـ جزءا من تاريخنا الوطني وقوة دافعة لنا علي طريق مازال مملوءا بالعقبات والمشكلات‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى