مقالات الأهرام اليومى

الإصـــلاح عــلاج للأجــور والغـلاء

لم يحمل خطاب الرئيس حسني مبارك في عيد العمال خبر الزيادة الأكبر في تاريخ الأجور في مصر فقط‏.‏ ولكنه حمل إلينا أيضا معاني ودلالات حاول البعض إنكارها لسنوات طويلة‏,‏ فلقد وضع الرئيس بخطابه الدولة والمجتمع في اختبار حقيقي لمواجهة أزمة عالمية طالت بتأثيراتها واقعنا المحلي‏,‏ وكان قراره تعبيرا عن رؤيته المدركة لحجم ما تعانيه الطبقات الأقل دخلا في المجتمع‏.‏ وكان التحدي الذي واجه الحكومة هو تدبير المبالغ اللازمة لتمويل تلك الزيادة في الأجور دون أن يتحمل الاقتصاد المصري تبعات تعوق نموه وتحد من انطلاقته التي بدأناها قبل سنوات‏,‏ وقد واجه المجتمع تحديات أخري هذا الاسبوع في ظل تلك الزيادات التي طالت الأجور وبعض السلع والخدمات والرسوم أيضا‏.‏

والحقيقة هي أن مصر اجتازت ذلك الاختبار بكل فئاتها المعنية بهموم الوطن ومصالح المواطنين‏,‏ ولقد وضع خطاب الرئيس مبارك في عيد العمال الملامح الأساسية للتحرك المصري في مواجهة أزمة غذاء عالمية‏,‏ ومحورها التضامن والتكاتف لتخفيف معاناة غير القادرين‏,‏ وكان تحرك الحكومة لتدبير التمويل اللازم متناغما مع تلك المعاني التي طرحها الرئيس من خلال إجراءات تحمل القادرون شيئا من أعبائها‏,‏ ولم تثر تلك الإجراءات سخطا أو غضبا بين الذين تحملوا الزيادات التي جاءت بها الرسوم الجديدة في بعض السلع والخدمات‏,‏ بل إن بعضهم كان راغبا في المزيد من الأعباء‏,‏ ولقد ضرب الذين خسروا الإعفاءات الضريبية لمشروعاتهم في القرارات الحكومية الأخيرة المثل في الاستجابة لنداء التكافل وحماية أمن المجتمع

والإسهام في الأعباء الإضافية التي فرضتها الأوضاع الاقتصادية العالمية علينا‏,‏ أما جموع المصريين فقد اجتازوا الاختبار بنجاح واقتدار برغم المعاناة من ارتفاع الأسعار‏,‏ ولم يستجب المصريون لمحاولات قلة اعتادت في كل مناسبة محاولة جر المجتمع نحو الفوضي والاضطراب ودفع الحكومة بعيدا عن أهدافها بإثارة اللغط حول سياساتها‏.‏

وما حدث منذ الأول من مايو وحتي الآن وبالسرعة التي تم بها يؤكد أننا برغم كل الصخب ما زلنا بخير‏,‏ وأننا قادرون علي المضي في طريق اخترناه بملء إرادتنا ومواجهة مشكلاتنا بعقلانية وحكمة‏,‏ وقد خيب الجميع ظنون الواهمين الراغبين في إشاعة الفوضي والنيل من كل إنجاز‏,‏ ومازال المجتمع المصري بما حدث في الأسبوع المنصرم متماسكا وقادرا علي مواجهة الأزمات والحفاظ علي بقائه عزيزا‏,‏ آمنا ومستقرا‏.‏

وأدرك الجميع أن سيمفونية الغضب من حولنا لن تتوقف مهما حققنا ومهما أنجزنا‏.‏ ولابديل إلا أن ندير ظهورنا لهؤلاء ونصم آذاننا عما يقولون فما ينطقون إلا كذبا ولايعرفون غير التضليل قولا‏.‏ وكان يوم الرابع من مايو يوم عيد للمصريين‏,‏ أرادوه يوما للغضب والسخط والتخريب‏,‏ وأراده المصريون يوما يذكرون فيه بالعرفان والاحترام إنجازات رجل قاد أمته في ظروف بالغة السوء‏.‏ فكان للمصريين ما أرادوا‏..‏ كان يوما شاهدا علي نجاحنا ـ حكومة وشعبا ـ في مواجهة أزمة تنذر بالخطر فلقد اصطف الجميع تحت راية زعيم لم نعرف عنه سوي الإخلاص والوفاء لشعبه وأمته لكي نعبر الأزمة إلي بر الأمان‏..‏ لقد أراده البعض يوما يتوقف فيه العمل ويعم السخط ويضطرب النظام ويتراجع الأمن‏..‏ لكن الجميع أدركوا أن مصر لن تواجه مشكلاتها بتلك العقلية المدمرة وأن لديها عقلا آخر أكثر حكمة وأكثر قدرة علي اختيار حلوله لمشكلاته‏.‏

……………………………………………………………‏

ولم نكن نستطيع مواجهة ما يحدث في مصر والمنطقة والعالم من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية ونبني عليها ونجتاز صعوباتها إلا بالبنية الأساسية بمعناها الشامل والتي تحققت لبلادنا منذ سنوات السبعينيات والثمانينيات وصولا إلي الألفية الجديدة‏,‏ التي محورها الاستقرار السياسي وتحرير الأرض والبلاد من الصراعات الخارجية وفتح المجالات لظهور القطاع الخاص بكل أشكاله ورغم تحفظاتنا علي أداء البعض فإن ظهور طبقة من المنتجين ورجال الأعمال في كل المجالات قد أدي إلي زيادة القدرة وأعطي للمجتمع مناعة وحصانة وقدرة علي الاستمرار‏,‏ ومواجهة الأزمات‏.‏

وعلينا ألا ننسي التعليم العام والفني والجامعي الحكومي والخاص فقد حدثت به قفزة حقيقية لا يمكن أن ننكرها‏..‏ قفزة جعلتنا اليوم نفرض ضرائب علي تلك المؤسسات بلا خوف أو تردد بل بقبول من أصحابها علي مواصلة دورهم بل وتصحيحه‏,‏ والالتزام بمعايير الجودة التي سوف تفرضها المؤسسة الجديدة ودون اللجوء إلي زيادة الرسوم المفروضة علي الطلاب وتحميلهم بأعباء جديدة‏..‏

أسامة سرايا
أما الصحة فيجري الآن التوسع في قطاعاتها ورفع كفاءتها وصولا إلي التأمين الصحي الشامل بمستويات جودة مرتفعة يتمتع بها كل المواطنين القادرين وغير القادرين وهناك رغبة جادة من الحكومة لأن تدفع تكلفة غير القادرين وليس تحميلها علي المؤسسة الصحية بما يجعلها تنوء بما لا تحتمل وتسقط في هوة الفشل كما حدث في تجربة الصحة والتعليم في الستينيات‏.‏ وتلك هي المعايير الاجتماعية الصحيحة للتطور المستمر والإصلاح الحقيقي وحماية محدودي الدخل والانتقال بمستواهم المعيشي والحياتي لمرحلة متقدمة وليس بسياسة المسكنات الموضعية أو بتغييب التفكير العلمي الدقيق المتماشي مع التطورات العصرية‏..‏ إنه عمل حقيقي لوجه الوطن وحماية المستقبل وإعطاء المواطنين حقوقهم وليس باللعب علي الأوتار الحساسة أو الشعبية الجوفاء التي تحصل علي الرضا المؤقت وسرعان ما يكتشف صاحبها الخدعة التي حصل عليها‏,‏ وليست السلعة أو الخدمة الحقيقية التي تعيش معه الآن ويحافظ عليها للمستقبل له ولأبنائه‏.‏

وعندما تسعي إلي مساعدة الطبقات الفقيرة‏,‏ فإنك تدبر لهم موارد حقيقية ليس بطبع بنكنوت يؤدي إلي التضخم أو بتوفير الخدمة والسلعة دون تدبير مواردها بما يؤدي بها إلي العجز وعدم القدرة علي الوفاء بالاحتياجات بعد فترة وجيزة ولو أنصف أي عقل حسابي وتقييمي لأدرك أن الاقتصاد المصري ـ الذي استطاع أن يفتح اعتمادات إضافية في استخدامات الموازنة العامة للدولة للسنة المالية‏(2008/2007)‏ وأن يخصص‏24‏ مليارا وأربعمائة وتسعة وستين مليونا وثمانمائة ألف جنيه لمواجهة متطلبات جديدة للموظفين وللدولة ولمحدودي الدخل ـ اقتصاد قوي ومتطور يستطيع أن يواجه الأزمات ويتعامل معها بقوة‏.‏

إن مصر القوية المعاصرة استطاعت في فترة وجيزة وبعمل حقيقي أن تساعد مواطنيها في أزمة عالمية طاحنة وذلك بتدخل شهد به الكثيرون حتي من يعارضون النظام السياسي المصري الراهن بل واعتبروه تدخلا جراحيا وليس مسكنا لإنقاذ محدودي الدخل في أزمة عالمية شديدة الوطأة‏,‏ ولأن قرار زيادة الدخول في مصر خطوة علي طريق مستمر لحماية المواطنين فإنه يستحق التقدير والاحترام‏,‏ ولأن الإجراءات التي اتبعتها الدولة كانت حقيقية ومؤثرة لتدبير الموارد‏,‏ فقد حاول البعض استغلالها‏,‏ ولكن يقظة الوطن بكل فئاته فوتت الفرصة أمامهم وهذا يعطينا الثقة في المستقبل‏.‏ فقد كنا في السنوات الماضية نفشل في مواصلة عملية الإصلاح‏,‏ لأن الإدارة كانت عاجزة عن مواجهة الشعب بأن لكل عملية اقتصادية ثمنا يجب أن ندفعه بكل يقين ورضا حتي يستمر العمل والأداء المتميز‏.‏

إن ما حدث في مصر خلال الأيام الماضية يكشف عن قدرة الدولة والمجتمع علي مواجهة الأزمات والعمل علي حلها‏,‏ ولكن يجب أن ندرك أن الدولة لا تستطيع الاستمرار في هذه السياسة دون أن يعمل كل فئات المجتمع علي زيادة الإنتاج وتحسين الخدمات فهذه معادلة مهمة لاستقرار الناس والمجتمع‏.‏

ولذا يجب أن يستجيب المجتمع والناس للسياسات الجديدة الرامية إلي فتح المجال أمام المستثمرين المحليين الإقليميين بل والأجانب والشركات العالمية والإقليمية لمشاركتنا في التنمية حتي نجتاز معادلة نقص الإمكانات بل وسرعة تلبية الاحتياجات المتزايدة للمواطنين سواء لسوق العمل أو للسلعة والخدمة المتميزة‏.‏

وعلينا أن نقف جميعا مع السياسات الجديدة وأن نتحلي باتساق في التفكير والرؤية وألا تحكمنا الازدواجية بين ما نريد وأساليب تحقيقه‏.‏ فلن يستطيع المواطن أن يحقق رغباته في دخل متميز وحياة مستقرة دون عمل حقيقي ومستمر وفي مؤسسات وشركات متكيفة مع عصرها وقادرة علي الإنتاج بالأساليب الجديدة والمنافسة في الأسواق وتقديم الخدمة المتميزة والسلعة المتنافسة مع العالم بكل المقاييس‏.‏

وإذا لم يواجه الناس بحقائق العمل والأسواق فإننا نخدعهم‏,‏ فالشارع المنظم والمؤسسة المنضبطة هما القادران علي تقديم السلعة أو الخدمة التي تلبي الاحتياجات الأساسية ويمثلان معا الطريق الوحيد للوصول إلي مستوي الأمان والتقدم‏.‏

……………………………………………………………‏

ولذلك شعرت بالاطمئنان إلي الثقة واليقين بالمصريين في كل مكان بعد رفضهم الدعوات الفوضوية وممارسة الإضراب والبعد عن لغة المصالح الحقيقية‏,‏ فاللغة الجديدة والنغمة المتطورة هي لغة الاقتصاد ولسان حال المجتمع الذي نقيس به التطور وما نحن بصدده من مشكلات‏.‏

إننا الآن أمام تطور سياسي واقتصادي بل واجتماعي نوعي في مصر وعلينا أن نحافظ عليه ونمسك باللحظة حتي لا تضيع منا كما كان يحدث في الماضي وندفعها للأمام بلا تردد أو تخوف أو انزلاق إلي لغة الفوضويين والانتهازيين أصحاب المصالح أو المترددين والمتقاعسين الذين يستفيدون من الأوضاع المتجمدة أو من أصوات الماضي التي يحلو لها أن تخوفنا من السير إلي الأمام أو النكوص عن أهدافنا المتقدمة‏.‏

وعلينا أن نتذكر أزمة البنوك المتعثرة التي اجتزناها فلقد أصبحنا نملك مؤسسات تمويلية وبنكية قادرة علي المنافسة وتتمتع بالملاءة المالية بالمعايير الدولية‏,‏ وخطونا من إنقاذ الاقتصاد إلي إنقاذ الشركات من الإفلاس وأدرنا أصعب أزمات سعر صرف الجنيه المصري حتي وصلنا به إلي سعر مستقر وثابت وسط أنواء أزمات متعددة في عالم أسعار الصرف‏.‏

إنها أزمات الأعوام السابقة من الألفية الجديدة فقط‏,‏ وتجد البعض هنا يتحدثون عن الأزمات ولا يتحدثون عن قدرة المجتمع المصري علي مواجهتها‏.‏

لقد حدثت أخيرا أزمة وجدناها صعبة واجتزناها في فترة محدودة وهي أزمة إنتاج وتوزيع رغيف الخبز‏,‏ وذلك عقب أزمة عالمية ظهرت نتيجة ارتفاع أسعار القمح عالميا وكانت في بدايتها أزمة إدارة‏,‏ وحاول البعض استغلالها لصالحه بما أحدث احتقانا‏,‏ وبالرغم من استمرار الأزمة عالميا وعدم انخفاض أسعار القمح إلا أن الترتيبات المصرية والتحرك علي صعيد حلها والسياسات الجديدة بتخفيف حدة المركزية والاهتمام بالمحافظات قد أكدت ـ بشهادة كل المراقبين ـ أن أزمة طوابير الخبز في طريقها للحل‏.‏

ولقد واجهنا هذه الأزمة في كل مراحلها بتوفير القمح من الإنتاج المحلي وتشجيع المنتجين علي الزراعة‏,‏ وأيضا بالاستيراد من الخارج في عز أزمة عالمية طاحنة وتسارع دول العالم لتوفير احتياجاتها‏,‏ وأيضا بإدارتها داخليا علي مستوي المحافظات والأحياء‏,‏ وحماية محدودي الدخل عن طريق زيادة المبالغ المخصصة لدعم الخبز للحفاظ علي سعره ليلبي احتياجات المستهلكين بمختلف نوعياتهم وطبقاتهم‏,‏ ونحن الآن في طريقنا ـ وبجدية كبيرة ـ لاجتياز أصعب الأزمات الاقتصادية وأخطرها‏

وهي أزمة ارتفاع الأسعار الغذائية والطاقة عالميا وتأثيراتها المحلية علي المواطنين في مصر‏..‏ إنه اقتصاد قوي وقادر وتثبت الاختبارات والأزمات الصعبة يوميا قدرته علي الصمود بل والتطور إلي الأمام‏,‏ فالعملية الإصلاحية تتجاوز عملية إدارة الأزمة وحتي مساعدة الفقراء ومحدودي الدخل‏..‏ ونحن أمام هذه التجربة الجديدة يجب أن ندرس كيف نحقق الأهداف العاجلة ونستمر في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي‏,‏ فالأزمات كاشفة دائما لمعدن الأمم والشعوب‏,‏ والدول في عصرنا نوعان‏:‏ نوع يواجه الأزمات والمشكلات ويوازن بين احتياجات اللحظة وضرورات البناء المستقبلي‏,‏ ونوع يتحايل علي المشكلات إما بالشعارات البراقة أو بالتضحية بالمستقبل‏.‏

والنوع الأول هو سبيل الدول التي تسير في طريق النهضة وتسعي إلي الانتقال من مصاف الدول النامية إلي الدول الآخذة في التقدم‏.‏

وقد اختارت مصر هذا الطريق الذي يكفل حلا حقيقيا لمشكلاتها‏,‏ ولكن اجتيازه يحتاج إلي وعي بأبعاده وضرورته من جانب المجتمع وليس فقط الدولة‏..‏ وعلي صعيد أحزاب وقوي المعارضة والمنظمات غير الحكومية وليس فقط علي مستوي الحكومة والحزب الوطني‏.‏

ولكي تمضي مصر في طريق الإصلاح الهيكلي بقوة وفعالية‏,‏ فإنه ينبغي أن تتصرف مختلف الأطراف بوضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار‏,‏ وأن تنأي عن التلاعب بهذه المصلحة لتحقيق أهداف صغيرة‏,‏ فمن السهل اللجوء إلي التحريض والتعبئة ضد إجراءات الإصلاح ورفع شعارات قد تبدو في ظاهرها بريئة‏,‏ ولكنها تؤدي في حقيقتها إلي تعويق قدرتنا علي اجتياز الإصلاح الذي يوازن بين الحاضر والمستقبل‏,‏ بل ومن الصعب التغلب علي شهوة الإثارة والنزعة الشعبوية‏

التي سجل التاريخ مدي تأثيرها في كل مرة استخدم فيها مفهوم الشعب بشكل مجرد لإعاقة إصلاحات تستهدف مصلحة الناس بصورة واقعية باعتبارهم مواطنين ينتمون إلي شرائح وفئات اجتماعية مختلفة‏.‏

……………………………………………………………‏

وفي أي إصلاح هيكلي جاد يستهدف تحسين مستوي الحياة لابد من إيجاد توازن بين مصالح مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية وفقا لمعرفة واقعية بالخريطة الاجتماعية‏.‏

ويتحقق هذا التوازن في الإجراءات التي يتم اتخاذها من خلال زيادة حقيقية في الأجور‏,‏ تستفيد منها الفئات والشرائح التي عانت ارتفاع أسعار المواد الغذائية‏,‏ الذي يعود إلي أسباب خارجية في المقام الأول‏

كما يتحقق هذا التوازن عبر توزيع الأعباء الناتجة عن إيجاد موارد حقيقية لتمويل زيادة الأجور لكي تكون زيادة فعلية بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية مع حرص خاص علي الفقراء ومحدودي الدخل من ناحية‏..‏ وحذر واجب بشأن مستقبل الاستثمار الخاص الذي يسهم في الإصلاح من ناحية أخري ويرتبط ذلك بتوازن خلاق بين احتياجات اللحظة الراهنة وضرورات المستقبل القريب‏,‏ فالدول التي تواجه المشكلات تحرص علي ألا تكون هذه المواجهة علي حساب الأجيال الجديدة التي تتحمل هذه الدول المسئولية عن توفير الظروف الملائمة لها‏.‏

فما أسهل التضحية بمصلحة هذه الأجيال وحل مشكلة آنية علي حساب المستقبل‏,‏ وهناك دول تلجأ إلي تبديد كل ما لديها من أصول وأرصدة واحتياطيات في إنفاقات جارية حتي تتجنب إجراء إصلاحات قد يكون بعضها مؤلما بدرجة أو بأخري‏,‏ ولكن هذه الإصلاحات هي الطريق الآمن إلي الإنجاز الاقتصادي‏,‏ وبالتالي تحسين مستوي حياة الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة‏.‏

وهنا تحديدا يكون الاختيار والاختبار فاختيار طريق الحل الحقيقي الجاد للمشكلات يمثل اختبارا لكل من يطالب بإصلاحات هيكلية‏.‏ وهذه الإصلاحات هي التي تكشف حقيقة التزام المطالبين بها بالمصلحة العامة من عدمه‏.‏

فإذا طالبت أحزاب وتيارات سياسية بإصلاحات هيكلية‏,‏ يكون عليها أن تشارك في الدفاع عنها أو علي الأقل أن تكف عن إلحاق الأذي بها حين تحدث‏.‏ وهذا اختيار صعب حين تكون المتاجرة بالشعارات البراقة مغرية‏.‏

وأصعب ما في هذا الاختيار هو أن يطرح علي أحزاب وقوي المعارضة سؤال واضح ومحدد لا سبيل إلي الالتفاف حوله‏,‏ وهو‏:‏ أين تقف اليوم؟ وهل تريد حقا المشاركة التي لا تكف عن الدعوة إليها‏,‏ أم أنها لا ترغب في أكثر من المتاجرة بالشعارات واستغلال أية فرصة تلوح لها من أجل الإثارة؟

إن لحظات الإصلاح الحقيقي تكون كاشفة للتوجهات الفعلية وفاصلة بين من يشارك ومن يتاجر‏,‏ من يعلي المصلحة العامة ومن يركض وراء مصالح خاصة أو حزبية صغيرة‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى