مقالات الأهرام اليومى

تحــرير ســيناء‏..‏ملحمة الحرب والسلام

مابين السادس من أكتوبر عام‏1973,‏ والخامس والعشرين من أبريل عام‏1982‏ تسعة أعوام تمثل حقبة فاصلة في تاريخ الإدارة المصرية للصراع الطويل مع إسرائيل‏,‏ وكانت سيناء هي المحور الأساسي في ذلك الصراع‏.‏ فقد شهدت أرضها عمليات قتال شرسة‏,‏ كما كانت بحدودها وأهميتها الاستراتيجية الموضوع المتصل في صراع التفاوض الذي استمر سنوات بعد انتهاء حرب أكتوبر‏,‏ والحقيقة أنه ماكان لنا أن نحتفل بتحرير سيناء وعودتها إلي وطنها الأم عام‏1982‏ دون التضحيات والإنجازات العسكرية التي جاءت بها حرب عام‏1973,‏ ولذلك فإننا نحتفل بسيناء كل عام مرتين‏,‏ مرة في أكتوبر رمزا لنصرعسكري حققه رجال القوات المسلحة في ملحمة غير مسبوقة‏,‏ ومرة في أبريل رمزا لانتصار الإرادة المصرية الصامدة عبر مفاوضات طويلة وشاقة‏.‏

لقد كان تحرير سيناء محصلة لأداء عسكري وسياسي رفيع المستوي‏,‏ فتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة‏,‏ ومسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏.‏ فعودتها إلي أحضان الوطن تعبير عن النصر‏,‏ الذي أعاد الثقة التي فقدناها‏,‏ وأكدت قدرتنا علي حماية أمننا القومي‏.‏ وتعبير عن قدرتنا علي مواصلة الجهود علي مائدة التفاوض‏,‏ وصولا إلي السلام العادل والشامل‏,‏ وأنه لن يفرض علينا غيرنا خيار الحرب أو خيار السلام‏,‏ فقد استطعنا أن نسترد بالحرب وبالسلام أرض سيناء‏.‏ وأننا وحدنا الذين نقرر خياراتنا حربا أو سلاما‏,‏ كما كشفت ملحمة تحرير سيناء عن قدراتنا علي المواجهة في أرض المعركة‏,‏ وعلي طاولات المفاوضات‏,‏ ونحن بحاجة اليوم لأن ندرك أكثر أننا قادرون علي مواجهة التحديات التي تواجهنا‏,‏ والتي يرتبط معظمها بتحسين ظروف المعيشة والسعي نحو حياة أفضل‏.‏

إن ملحمة تحرير سيناء حربا وسلاما درس لنا جميعا فيما ينبغي أن نفعله في معركة التنمية‏.‏ فنحن كما كنا بالأمس في حاجة إلي إيمان عميق بقدراتنا علي تجاوز أزماتنا واستعادة الثقة التي يحاول البعض زعزعتها‏.‏ ولابد أن ندرك جيدا أنه لابديل عن إرادة وطنية صلبة وقوية‏,‏ وثقة تبث روح التحدي فينا‏,‏ حتي يمكن أن نتجاوز تحديات التنمية‏.‏ ولابديل عن نداء الوطن الذي يملأ السمع والوجدان‏,‏ ويبث الأمل في غد أفضل نعمل اليوم من أجله‏.‏ فبمثل هذه الروح انتصرنا وأستعدنا أرضا مليئة بالثروات‏,‏ وواصلنا مساعينا في مواجهة الفقر والعوز ونقص الموارد وتحسين مستويات المعيشة‏,‏ وواجهنا تحديات ليست أقل صعوبة وضراوة من معارك التحرير التي خضناها‏,‏ وقد اختبرنا قدراتنا من قبل وحققنا ما نريد‏,‏ وعلينا أن نعيد الكرة مرة ثانية‏.‏

إن أغلب من يعيشون اليوم علي أرض مصر لم يعايشوا ملحمة أكتوبر وانتصار أبريل‏.‏ فلقد شب معظمهم ورأوا سيناء جزءا من أرض مصر يعبرون إليها وقتما شاءوا‏.‏ ولم تعرف قلوبهم اليأس الذي استبد بنا في يونيو‏67,‏ حين خيم الحزن علي أمة بكاملها‏,‏ واغتال أحلامها‏,‏ ودفن في الرمال آمالها وخيرة شبابها‏.‏ ولم يعرف الكثيرون أيضا كيف استفاقت الأمة الحزينة لتصنع نصرا عزيزا في تاريخها‏.‏ كما لا يعرفون كيف عادت سيناء حربا وسلاما‏,‏ وكم كانت التضحيات والجهود‏,‏ وكيف تضافرت جهود أمة انعقد عزمها علي المواجهة والتحدي في كل الميادين‏.‏

إن استعادة تلك الروح التي حررت سيناء ضرورة ملحة في زمن انتشر فيه المرجفون في كل أنحاء الوطن‏,‏ ينشرون اليأس‏,‏ ويشيعون الإحباط في كل شيء‏,‏ ومن كل شيء‏.‏ فلقد تعلمنا من تجربة تحرير سيناء أننا قادرون علي مواجهة أي تهديدات خارجية تريد النيل من أرضنا أو أمننا‏,‏ ولكن الخطر الأكبر اليوم كامن بيننا فيمن يريدون نشر اليأس والإحباط والنيل من الإرادة اللازمة لإنجاز حلم التنمية‏.‏

……………………………………………………………‏
والحقيقة أن المحاولات الرامية إلي استغلال حرية التعبير في تكدير المزاج العام‏,‏ وإشاعة السخط‏,‏ واستثمار بعض الأزمات الطارئة في الدفع بالشباب نحو الفوضي والاضطراب هي الخطر الأكبر الكامن بين صفوفنا‏.‏ فلقد حررنا سيناء عسكريا‏,‏ وخضنا معركة التفاوض بشأنها في وقت كانت فيه أوضاعنا الاقتصادية تعاني كل أشكال الأزمات‏.‏ وقاربت المرافق العامة حدود الانهيار‏,‏ واختنقت بنا أزمات الغذاء والإسكان والمواصلات والتليفونات‏.‏ ولكن ذلك لم يمنع المصريين من صناعة النصر في معركة تحرير سيناء‏,‏ وليست هناك في مصر اليوم أزمة في حجم تلك الأزمات التي كنا نعانيها‏,‏ ونحن نستعد للحرب ونخوض غمارها ونسطر فيها أكثر الملاحم بطولة‏.‏

ولقد أبدع المرجفون منا في تضخيم كل مشكلة‏,‏ والتحول بها إلي أزمة‏,‏ وسخروا من كل الحلول‏.‏ فهم يتحدثون عن الجياع في مصر مع أنه لا يوجد علي أرض مصر شخص واحد عاني الجوع بأي معيار‏.‏ ويتحدثون عن مصر العطشانة‏,‏ ولم يحدث منذ سنوات طويلة أن عاني مصري واحد شيئا من العطش‏.‏ ولا أحد منهم يريد الترفق بهذا البلد فأشبعوه تجريحا وإهانة في الداخل عبر صحفهم الصغيرة وفي الخارج عبر الفضائيات التي لاتريد إلا أن تكون مصر مصدرا لقصصهم المثيرة الكاذبة‏,‏ وقد وجدت فيهم وقودا لإشاعة اليأس من مصر‏.‏

……………………………………………………………‏

أسامة سرايا
فى يوم مشهود من تاريخنا … الرئيس حسنى مبارك يقبل علم مصر قبل أن يرفعه على طابا وهى آخر بقعة محررة من أرض سيناء عام 1989 ليكتب فى تاريخه أسطورة البطل الذى حرر مصر فى العصر الحديث مقاتلا وفاتحا ثم سياسيا شديد المراس

إن سيناء التي نحتفل اليوم بذكري تحريرها أرض بكر ومخزن لثروات قادرة علي تعظيم مواردنا‏,‏ ورافد من روافد التنمية الاستراتيجية في مصر‏.‏ ولابديل عن كشف كنوز تلك الأرض المقدسة‏,‏ فسيناء ليست مجرد أرض للسياحة وحدها وإنما هي أيضا أرض للزراعة والصناعة والتعدين‏.‏ وقد آن الأوان لأن تحظي من هذا الجيل من المصريين بما لم تنله من أجيال كثيرة تعاقبت علي أرض مصر‏.‏ وربما تكون سيناء قد دفعت ثمنا باهظا لموقعها من مصر ولتاريخها‏.‏ فقد كانت بوابة مستمرة للغزاة منذ أن طرق الهكسوس أرضها في التاريخ القديم وحتي احتل الإسرائيليون أرضها مرتين في تاريخنا المعاصر في حرب السويس عام‏1956‏ وفي حرب يونيو‏1967.‏ وربما استقر في الوجدان المصري أنها أرض معرضة للغزو فابتعدوا عنها واكتفوا عبر التاريخ ببضع حاميات متناثرة علي حدودها‏.‏ وربما اكتفي المصريون بالوادي والدلتا‏,‏ وكانا كافيين وقتها لإشباع احتياجات المصريين‏.‏ ولكن الزمن تغير وازداد الضغط السكاني وأصبح الوادي والدلتا مكتظين مثقلين بأعداد هائلة فازداد الفقر بينهم‏.‏

والحقيقة أن ما تحقق في سيناء منذ تحريرها لايمكن إنكاره‏;‏ فقد أصبحت سيناء علي خريطة السياحة العالمية لأول مرة في تاريخها‏.‏ وما كان لها أن تحتل تلك المكانة إلا بشبكة الطرق والخدمات والمطارات والمرافق التي أنشئت في مختلف أرجائها‏,‏ ولكننا مازلنا نري أن سيناء لم تبح بعد بكل أسرارها وهي بحاجة إلي عقول لاتخضع لمنطق الوادي والدلتا‏,‏ وهي بحاجة إلي تخطيط واستثمارات‏,‏ تتيح الفرصة لتخفيف الأزمة السكانية الطاحنة في وادي النيل ودلتاه‏.‏

وإذا كان تحرير سيناء مشروعا سوف تحفظه ذاكرة الأمة المصرية عبر التاريخ‏,‏ فإن تعميرها بعد تحريرها يمثل المشروع الأكبر في تاريخها‏,‏ فهو مشروع قومي يتجاوز حدود المشروع التنموي‏,‏ وحين تتحول سيناء إلي أرض ناطقة بكنوزها فإنها سوف تضيف قلعة جديدة إلي قلاع الأمن القومي المصري‏.‏ فالتعمير حماية لسيناء ولمصر وتغيير استراتيجي في وظيفة تلك الأرض العزيزة من الأراضي المصرية‏..‏ إن‏61‏ ألف كيلو متر تمتد منبسطة علي بحرين في موقع استراتيجي حاكم‏,‏ يمكنها أن تضيف الكثير إلي ثروات مصر ومقدراتها‏,‏ وهذه الحقائق ليست غائبة عن الحكومة المصرية‏,‏ ولكن تحديات التنمية في مناطق أخري تؤجل الحلم بسيناء العامرة‏,‏ وفي كل الأحوال فإن تنمية سيناء تظل مطلبا حيويا في ضوء الظروف الإقليمية الراهنة‏.‏ وهناك المئات من الدراسات التي أجريت حولها‏,‏ وجميعها يؤكد أهلية تلك البقعة من الوطن للاهتمام والتعمير‏.‏

سيناء والبطل
وعلي المصريين أن يتذكروا في هذا اليوم ملحمة تحرير سيناء بكل فصولها‏..‏ حربا في بطولة حققتها القوات المسلحة بكل أفرعها في حرب التحرير‏73..‏ ثم فصولا من العمل السياسي استغرقت‏15‏ عاما من هزيمة في يونيو‏1967‏ إلي قيام الرئيس حسني مبارك برفع علم مصر علي حدودنا الشرقية في رفح شمال سيناء‏,‏ وشرم الشيخ في جنوبها في مثل هذا اليوم العزيز في تاريخنا عام‏1982,‏ حيث أصبح يوما مشهودا في تاريخنا برغم أن فصول ملحمة التحرير لم تكن قد انتهت بعد‏,‏ حيث امتدت منذ ذلك اليوم قانونيا في طابا‏..‏ وهي المعركة الكبري التي خاضها القانونيون في اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة‏..‏ وانصهروا جميعا في حب مصر إلي أن صدر الحكم في‏30‏ سبتمبر‏1988‏ ونفذ في مارس‏1989‏ برفع الرئيس حسني مبارك علم مصر‏,‏ ليكتب في تاريخه أسطورة البطل الذي حرر مصر في العصر الحديث‏,‏ مقاتلا في سلاح الطيران‏,‏ فاتحا أمام جيشه أبواب النصر‏,‏ ثم سياسيا صلبا شديد المراس‏,‏ وصولا إلي تحرير آخر شبر من الأرض‏,‏ ثم رئيسا يعمل لبناء مصر الحديثة‏..‏ إن البطل في وجداننا المعاصر يمثله الرئيس مبارك فهو الذي حرر آخر شبر في أرض الوطن‏,‏ وهو باني مصر الحديثة‏..‏ فليتذكر الجميع تاريخنا وما تحقق لنا‏,‏ حتي نستطيع أن نبني عليه بروح جديدة‏,‏ تدرك وتفهم التاريخ وتستوعب المتغيرات والعمل المتواصل‏,‏ لأن بناء الأمم وحماية مستقبلها ومصيرها ليس عملية سهلة‏..‏ كما أنها ليست قابلة للنسيان‏.‏ لأنها جزء من حياتنا‏..‏ فتحرير سيناء من المشروعات الكبري التي يحفظها تاريخ الأمم‏.‏

والحديث عن مفهوم جديد لتعمير سيناء يتماشي مع سياسة الدولة في تعزيز لامركزية الحكم‏,‏ والتخلص من ذلك الميراث التاريخي الذي أعاق كثيرا تنمية المجتمعات المحلية في مصر‏.‏ ولعل ما صدر مؤخرا‏,‏ بشأن تعديل حدود بعض المحافظات واستحداث محافظتين جديدتين في حلوان و‏6‏ أكتوبر يمثل خطوة علي الطريق الصحيح‏.‏ فمع تلك التعديلات يمكن الحديث عن محاور جديدة للتنمية الصناعية والزراعية وزيادة فرص الاستثمار‏,‏ كما يمكن الحديث عن تخفيف الكثافة السكانية وتحقيق التوازن السكاني والعمراني ومواجهة استفحال العشوائيات في القاهرة والجيزة‏.‏ وقد جاءت رسالة الرئيس مبارك للمجالس المحلية بعد تشكيلها الجديد لتؤكد حرص الدولة علي تحقيق اللامركزية وتفعيل دور المجالس المحلية وهي خطوة غير مسبوقة‏.‏

إن ثمة روحا جديدة تسري في مناطق من حياتنا‏,‏ ظلت راكدة لسنوات طويلة ولا نتوقع نتائج تلك التعديلات سريعا‏,‏ ولكنها حتما سوف تنتهي إلي تفكيك جزئي لمركزية استبدت بنا طويلا‏.‏ ويبقي أن نتجاوب مع الجهود الحكومية حتي يمكن المضي قدما نحو خطوات أوسع في تطبيق اللامركزية‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى