مقالات الأهرام اليومى

المشهد المصـري بين القــوة والفوضي‏!‏

الأزمات لحظات فارقة تكشف عن مواطن القوة والضعف معا‏,‏ والأزمات التي لاتميت تزيد القوة وتمنح المنعة وتثري الخبرة في مواجهة أزمات المستقبل‏,‏ ما حدث في مصر هذا الأسبوع أزمة حقيقية ليس بالنتائج وإنما بالمعني والمغزي‏.‏ ومالم نقف جيدا نتدارس ما حدث فربما تفاجئنا أزمات أخري أشد وطأة وتضعف قدرتنا علي المواجهة‏.‏ لا أميل إلي التهوين مما حدث‏,‏ صحيح أن الأحداث التي مرت بنا لم تتمخض عن نتائج تذكر ولكنها تحمل إشارات تفرض علينا المراجعة والانتباه‏.‏ وتحديد مواطن القوة والضعف في المشهد السياسي‏.‏

يوم الأحد الماضي كان اليوم المختار لما سمي بالإضراب العام‏,‏ وهو حصاد استثمار لقنوات الاتصال التي تعمل بلا رقيب أو عقبات والتي سمحت لشابة صغيرة أن تطلق دعوة للإضراب فتلقفتها أياد كثيرة ونشرتها وفرضتها علي أحاديث المصريين قبل اليوم الموعود‏.‏ وجاء هذا اليوم مثل غيره من الأيام باستثناء الحديث عن أنه يوم الإضراب العام‏.‏ وما حدث في المحلة لم يكن استجابة لدعوات المغامرين بالإضراب‏,‏ وإنما كان فرصة للخارجين علي القانون والنظام لممارسة أعمال النهب والسلب والتنفيس عما في داخلهم‏

أسامة سرايا

والآلاف التي تحدثت عنها وسائل الإعلام لاتشير من بعيد أو قليل إلي عدد الذين شاركوا في أعمال النهب والسلب أو حتي الاحتجاج‏,‏ ولكننا شعب مولع بحب الاستطلاع والمشاهدة والتجمع أمام أي حدث يلفت الانتباه‏,‏ ولايمكن أن يلام أهل المحلة الذين خرجوا للمشاهدة واستطلاع الأمر علي أنهم شاركوا في أعمال السلب والاحتجاج فالغالبية العظمي التي صورتها كاميرات التليفزيون كانت تمارس في الحقيقة عادة مصرية غير محببة‏,‏ ولكنها قائمة‏.‏ ثم إن شوارعنا بطبيعتها مكتظة في أي وقت من الليل أو النهار‏.‏ وسواء فهم الآخرون تلك الحقائق أم لا‏,‏ فإنهم إما باحثون عن الإثارة التي أصبحت قاعدة حاكمة للعمل الإعلامي وإما في نفوسهم أشياء لاتهدأ إلا بتشويه كل شيء في هذا البلد‏.‏

جاءت دعوة الإضراب في وقت احتدمت فيه أزمة الغلاء وطالت قوت الحياة اليومية‏,‏ ورأي البعض في ذلك فرصة لإحراج الحكومة داخليا وتشويه وجهها خارجيا‏.‏ والحقيقة أن رد الشعب المصري علي دعوة الإضراب كان أبلغ كثيرا من رد الحكومة‏.‏ سار المصريون جميعا في دروب حياتهم اليومية سعيا وعملا‏,‏ ولم يتخلف مصري عما يخطط له من عمل في ذلك اليوم‏.‏ أدرك المصريون حقيقة أن بلادهم أعز عليهم من أن تتحول إلي لعبة في أيدي مغامرين صغار‏,‏ وأنها أكبر من أن نقايض بها احتجاجا علي الغلاء‏,‏ هذه الحكمة التي تسكن العقل الجمعي المصري هي التي حمت مصر طويلا من أن تضعف أو تهون‏.‏

ما حدث يوم الأحد الماضي كان قوة لمصر وتأكيدا لحكمة أبنائها‏,‏ ولكن تلك الحكمة ينبغي ألا تنسينا حقيقة أن العالم يتغير‏,‏ وأن وسائل التضليل اليوم أصبحت مثل الآلة الجهنمية وأن الذين يتربصون بنا قد انتقلوا من التعبير إلي الحركة‏,‏ وهنا يكمن الخطر‏,‏ مصر لاتريد ديمقراطية تنشر الفوضي والإحباط وتغتال منا الشعور بالأمن والسلام‏.‏ لا نريد ديمقراطية نخضع فيها للتضليل وترديد الأكاذيب‏,‏ لانريد ديمقراطية مترفة نغفل فيها عن مشاكلنا لنتحدث عنها ونكتفي بالشكوي منها‏,‏ نريد ديمقراطية تدفعنا للمشاركة الفاعلة وعلي الحكومة أن تيسر لنا أمر المشاركة والتعاون معها في صياغة مستقبل الحياة في هذا البلد‏.‏

لم تعد تكفي النداءات بمشاركة الشعب‏,‏ وإنما علينا أن نتيح فرص المشاركة في المواجهة‏.‏ فليست هناك حكومة مهما تكن في هذا العصر تستطيع وحدها أن تواجه المشكلات‏,‏ ولكن عليها أيضا أن تساعدنا علي المشاركة والمواجهة بآليات واضحة تبني ولا تدمر‏,‏ خاصة أننا جميعا عشنا حياتنا واعتدنا فيها أن نعتمد علي الحكومة في كل شيء من رغيف الخبز وحتي نظافة منازلنا‏,‏ لابد أن ننفتح علي تجارب الآخرين‏,‏ وعلي تجاربنا نحن في فترات سابقة‏,‏ يحتاج يوم الأحد الماضي أن نتدبر الأمر جيدا وألا نركن في كل مرة إلي حكمة هذا الشعب‏,‏ فما أكثر المغامرين والمتربصين بنا في الداخل والخارج في مواجهة الغلاء الذي يتحمله المصريون حاولت الحكومة ولاتزال تحاول ولابد من أن يعرف الناس جيدا كيف تواجه الحكومة تلك الأزمة التي ضربت الجميع في مختلف أنحاء العالم‏,‏ ولابد أن يعرف الجميع قدراتنا علي المواجهة وألا نطالب بما لاتحتمله قدراتنا وإمكاناتنا‏.‏

لا يخالجني أدني شك في أن مايحدث في مصر الآن عملية إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي كبير استطعت أن أرصد منها ثلاثة مشاهد عملية من الداخل المصري‏:‏

الأول‏:‏ قدرتها علي مواجهة الحالة العالمية لارتفاع الأسعار‏.‏
الثاني‏:‏ إدارتها لدعاوي البعض للإضراب العام ثم اجتياز اضطرابات المحلة‏.‏
الثالث‏:‏ انتخابات المحليات وتأثيرها في مستقبل النظام السياسي‏.‏

هذه المشاهد علي اهميتها تحكي سياسة مصر الداخلية وقوتها‏,‏ فمصر هي بؤرة ونقطة التقاء زعماء العالم وقادته لتفعيل دور مصر ومكانتها في منطقتها وعالمها‏,‏ فمصر استقبلت هذا الأسبوع أكبر الزعماء العرب ومبعوثيهم لتفعيل الدور الإقليمي إلي جانب زعماء من الشرق والغرب‏,‏ إنها مكانة مصر التي ترتفع في عالمها كل يوم ويزداد دورها ومكانتها‏.‏

المشهد الأول‏:‏
قدرة مصر علي مواجهة أزمة ارتفاع الأسعار

مما لاشك فيه أن مايحدث في مصر الآن هو تطوير للدور والموقع‏..‏ وصناعة التقدم والمكانة‏..‏ يشارك فيه الجميع‏..‏ كل بما يملكه‏.‏ فقد تكون مشاركة البعض سلبية وعشوائية‏,‏ وضد حركة التغيير الواقعي التي تشهدها البلاد‏.‏ ولكن علي كل حال فهي مشاركة‏,‏ وعلينا كقوة حية للمجتمع أن نضعها في حجمها الصحيح بلا مبالغة أو حتي تخويف‏.‏

اجتازت مصر ولو جزئيا تداعيات أزمة ارتفاع أسعار عدد من السلع الغذائية‏,‏ وظهرت بكثير من الجدية قدرة الدولة والتزامها في إعادة تأكيد الرئيس حسني مبارك حماية محدودي الدخل‏,‏ وتيسير الحياة عليهم في ظروف صعبة علي المستوي المحلي والدولي بسياسات جديدة‏,‏ كان أبرزها منع تصدير سلع غذائية أساسية مثل الأرز‏,‏ وتضاعفت معدلات دعم الخبز من أجل الحفاظ علي أسعاره المدعومة‏.‏

وامتدت سياسة احتواء ارتفاع الأسعار الي تخفيض الجمارك علي السلع الغذائية والمرتبطة مباشرة بحياة الناس‏.‏ ولعل النقطة المركزية في هذه السياسات هي الاتجاه الي زيادة دخول العاملين بزيادة العلاوة الاجتماعية من‏15%‏ الي‏20%,‏ ورفع الحد الأدني للأجور‏.‏ وتعكف الحكومة علي دراسة تدبير مواردها حتي لاتتحول الي وقود للتضخم‏,‏ ومن ثم ارتفاع الأسعار‏.‏

ومن ضمن الاتجاهات الجديدة أن هذه السياسات لاتتجه الي أن تكون كما كنا نفعل في الماضي‏,‏ العمل علي إرضاء الناس اليوم علي حساب المستقبل‏.‏ ولكن مايتم في سياستنا الاقتصادية يسير وفق مخطط مدروس‏,‏ وفي إطار خطة متكاملة‏,‏ يشارك فيها المجتمع كله سعيا الي استمرار رفع معدلات النمو الاقتصادي وبالتالي زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل الحقيقية بالدخول المتزايدة‏.‏

فلن نتخلي عن الإصلاح الاقتصادي أو هدف استمرار معدلات النمو الكبيرة ـ التي تحققت خلال العامين الماضيين بنسبة‏7%‏ ـ أو جذب الاستثمارات الأجنبية‏.‏ والطريق إلي ذلك هو تدعيم ثقافة العمل المنتج والمتقن‏,‏ وليس نشر ثقافة الامتناع عن العمل‏,‏ وتأكيد ثقافة الحوار الجاد لحل الخلافات من خلال القنوات المشروعة‏,‏ وليس نشر ثقافة التخريب وتدمير الممتلكات العامة والخاصة التي تدخل في نطاق الثروة الوطنية التي نحتاج إلي مضاعفتها‏,‏ وليس الانتقاص منها بالتخريب‏,‏ علي نحو ما حدث يوم الأحد الماضي في مدينة صناعية مصرية عريقة هي مدينة المحلة الكبري التي ساهمت ـ ومازالت ـ بمقدار وفير في بناء اقتصاد مصر وصناعتها وإنتاجها الوطني‏,‏ ورفعت رأس المصريين في كل مكان وصلت إليه صادراتها‏,‏ من منتجات الغزل والنسيج وغيرها‏.‏

ولكننا يجب أن ندرك أن احتواء الأسعار في عالم اليوم لا يحدث بقرارات فوقية لا تستند إلي عمل يحدث علي الأرض‏.‏ فنحن جميعا يجب أن نكون شركاء في هذا العمل الذي يتعين علي الحكومة أن توفر السبل والأدوات والآليات له وتضع الخطط‏,‏ علي النحو الذي حدث في مسألة القمح ـ مثلا ـ بزيادة المساحة المزروعة وتشجيع الفلاحين أو المنتجين علي زيادته بعد رفع أسعار توريده للأسعار العالمية التي نستورده بها من الخارج‏,‏ والتي تشير المؤشرات الأولية إلي أنها سترتفع من‏2.7‏ مليون فدان إلي‏3.1‏ مليون‏,‏ وهي بهذه السياسة ستغطي‏65%‏ من الاحتياجات بدلا من‏50%‏ فقط الآن‏.‏

وإذا نجحنا في ترشيد استخدام الدعم ودفع المستهلكين إلي احترام رغيف العيش كما كان يحدث في الماضي‏,‏ وليس إهداره باعتباره سلعة رخيصة يذهب نصفها لرداءة صناعته إلي علف الحيوانات‏,‏ ويهدر الجزء الأكبر كمخلفات‏,‏ ولو نجحنا في خفض الاستهلاك إلي معدلات مناسبة ولو بنسبة‏20%,‏ لحدث تغيير كبير في حجم استهلاك سلعة استراتيجية مهمة كالخبز‏,‏ وإذا تحركت مصر نحو تحقيق بداية جديدة علي طريق الاكتفاء الذاتي تدريجيا بعد أن تغير الوضع العالمي لإنتاج تلك السلعة الحيوية نتيجة ارتفاع أسعارها الكبير‏,‏ والذي كان يجعل استيراد نصف احتياجاتنا من القمح أوفر من إنتاجه محليا فإن ذلك سيكون خطوة كبيرة‏

ولعلنا هنا نشير إلي الرؤية المستقبلية التي بدأتها الحكومة باتجاه التعاون مع الأشقاء‏,‏ وخاصة في السودان لإنتاج القمح وهو المشروع الذي أبدي العديد من المستثمرين العرب والمصريين الرغبة في تنفيذه برعاية مصرية‏,‏ وهذا المشروع قد تأخر كثيرا‏..‏ ولكن الأزمات الغذائية العالمية والتطورات التصاعدية لأسعار الغذاء وتزايد المنافسة عليها للارتفاعات الكبيرة في مستوي المعيشة جعلته ممكنا في ظروفنا الحالية‏,‏ وعلينا جميعا أن نشجع تلك السياسات التي تجعل من منطقتنا في الشرق الأوسط منطقة إنتاج وتطوير‏,‏ وليست بؤرة لتصدير الأزمات وصناعة الحروب والتطرف وخلط السياسة بالدين والدين بالسياسة‏.‏

المشهد الثاني‏:‏
الأمن في مصر‏..‏ نجاح الدولة بامتياز
وكما نجحنا في اجتياز مبدئي لأزمة ارتفاع الأسعار‏..‏ نجحت مصر في الوقت نفسه وهنا بامتياز كامل‏.‏ في اختبار صعب آخر‏..‏ هو ما أطلق عليه العشوائيون ومجرمو السياسة ومشوهو العقول الإضراب العام والعصيان المدني‏.‏ وتلك هي الجماعات التي اعتادت تسويق اليأس والتحريض‏,‏ أو من اعتادوا المغامرات والقفز فوق حقائق الأمور استغلالا لظروف ارتفاع الأسعار‏,‏ ودونما تمييز بين مايعتبر أزمة عالمية أو أزمة محلية قد تكون الحكومة مسئولة عنها مباشرة‏.‏

وما أقصده هنا بالدولة ليس الحكومة وحدها‏,‏ ولكن هذا الاختبار لم يكن للحكومة وحدها بل كان للدولة كلها‏..‏ لمصر الوطن والدولة والشعب‏.‏ ولأن هؤلاء العشوائيين أو تلك الجماعات الفوضوية لم تميز بين الوطن الذي علينا جميعا حمايته والحكومة التي يمكن الاختلاف علي سياساتها‏,‏ نقول لهؤلاء جميعا إن الوطن باق وإن كانت الحكومات تجيء وتذهب‏,‏ فإذا اختلف بعضنا علي سياسة الحكومة بالحق أو بالباطل فلا يصح أن يسلك مسلكا يعرض الوطن للخطر‏,‏ وينطوي علي تحريض وشحن غير مسئول وبدرجة تكون نتيجتها تخريب كالذي حدث في المحلة الكبري‏,‏ فضلا عن تدمير الممتلكات العامة‏,‏ أو العبث باستقرار الوطن وبمقدراته وأمنه‏,‏ وتعريض حياة الأبرياء للخطر وتدمير وسائل النقل العامة المملوكة للشعب أو المحال ومدارس أبنائنا‏,‏ أو المصانع ومناطق الإنتاج التي يحصل الناس منها علي رزقهم سواء التي يملكونها أو يعملون فيها‏.‏

وعندما نقول إن الدولة نجحت في هذا الاختبار‏..‏ إنما نعني‏(‏ الشعب والوطن والأرض‏)‏ وليس الحكومة وحدها‏.‏

هذا هو الدرس الذي يجب أن نعيه حتي لا يتكرر مرة أخري‏.‏

وسيظل برهانا علي الحكمة الغالبة بين المصريين‏,‏ والحرص التاريخي علي أرض ليس لنا غيرها‏,‏ ووطن لا نستظل إلا بسمائه‏.‏ نجاح الشعب بكل فئاته والعمال بامتياز ولذلك استحقوا التكريم من الرئيس وحكومته في يوم رائع في المحلة الكبري بعد الأحداث المؤسفة‏.‏

وعلينا هنا أن نسترشد بالمسئولية والدرس‏,‏ وهي الرسالة التي استوحيتها يوم الثلاثاء في الأهرام عن جريمة المحلة‏..‏ المسئولية والدرس‏.‏

علينا جميعا حكومة وشعبا أن نفتخر بهذا الإنجاز أو باختبار الأحد الماضي‏,‏ والذي يعني لكل مصري معني خاصا جدا وهو أن مصر الدولة قادرة علي توفير الأمن له وحمايته‏.‏

وهذا المعني يكتسب أهمية مضاعفة كلما نظرنا حولنا إلي دول أخري في المنطقة يخرج المواطن فيها من بيته وهو لا يعرف ما إذا كان سيعود إليه أم لا أو ينتقل إلي أحد المستشفيات أو يصبح ضحية‏.‏

لقد أرادت قلة صغيرة أن تغامر بهذا الأمن الذي نعيش فيه وأن تتحول مصر إلي ساحة للخوف والرعب اللذين تسللا للأسف إلي قلوب بعضنا‏,‏ فأثروا علي البعض للبقاء في منازلهم حرصا علي سلامتهم وسلامة أبنائهم‏,‏ ولكن الأغلبية قررت أن تدافع عن حقها في الأمن والأمان‏,‏ فانتشروا في ربوع الوطن يعملون ويواجهون خفافيش الظلام ويهزمونهم بوجودهم الكثيف في مقار أعمالهم‏.‏

المشهد الثالث‏:‏
انتخابات المحليات اختبار كبير‏!‏
يجب ألا نتناسي أن مصر اجتازت في نفس هذا الأسبوع الشاق انتخابات المحليات وهي اختبار كبير ثالث يجب ألا نستهين بجديته‏,‏ فهو اختبار دخلته كل الأحزاب المصرية المشروعة علي اختلافها‏,‏ بل النظام السياسي المصري كله‏.‏ وبالرغم من نسب المشاركة الضعيفة‏,‏ التي تعد في حد ذاتها سلبية كبيرة‏,‏ فإن هذه الانتخابات صمدت ضد من حاولوا أن يتلاعبوا بها ومن أرادوا تخريب العملية الانتخابية وهم جماعة الإخوان المحظورة‏,‏ والتي أرادت في البداية تخريب المحليات وإفشال محاولات مصر بناء نظام جديد لا مركزي فعلي‏,‏ يكون نواة صلبة علي أرض الواقع عند تغيير قانون المحليات وإعطاء القادة المحليين سلطة وقدرة حقيقية علي إدارة قراهم ومدنهم ومحافظاتهم‏,‏ في تطور سياسي ملحوظ لمستقبل الوطن في بلاد عاشت عمرها كله مركزية السلطة‏,‏ مما جعل الجميع يتصور أن المركزية التي تسكننا ستعوقنا عن خلق وتطوير وصناعة نظام جديد‏.‏

وقد تعرضت تلك الانتخابات لألاعيب الحواة في البداية من تلك الجماعة التي لا يحق لها ممارسة السياسة ومحظورة قانونا‏,‏ بل يحظرها الدستور المصري الذي يمنع الخلط بين‏(‏ السياسة والدين‏),‏ حيث أرادوا تخريب العملية الانتخابية بإحاطتها بالشكوك‏,‏ ثم انسحبوا منها بعد أن أدركوا انكشاف لعبتهم‏,‏ وأنهم خاسرون في مخططهم لإفساد الانتخابات‏,‏ وأعلنوا مقاطعتها قبل ساعات فقط من بدء الاقتراع‏,‏ في لعبة أخري مكشوفة لا تنطلي علي أحد‏.‏

وأهم ما في هذا الاختبار هو أنه كشف حقيقة المتاجرين بالدين وبشعار‏(‏ الإسلام هو الحل‏)‏ أكثر من أي انتخابات سابقة‏.‏ فقد ظهر بوضوح أنهم دخلوا لافتعال أزمات وخلق أجواء تتيح للمتاجرين بدعوات الأحزاب أن يحققوا مرادهم‏.‏ ولعل أهم نقطة للرد علي دعاواهم أو جدل المتحدث الرسمي بالبيت الأبيض الذي حاول أن يتبني لغتهم‏,‏ أن الانتخابات جرت في كل ربوع الجمهورية لأكثر من‏80‏ ألف مرشح‏,‏ صحيح أن الحزب الوطني حصد أغلب المقاعد فهو الحزب الأكبر الذي استطاع أن يدخل منافسا علي كل المقاعد‏,‏ حيث تقدم‏52‏ ألف مرشح يغطون كل الدوائر الانتخابية‏,‏ واستعد لها جيدا باختيارهم حسب معايير الكفاءة والقدرة بمعايير المرحلة المقبلة‏,‏ كما استند إلي شعبيتهم وإلي انتخابات تمهيدية شملت كل الجمهورية وقدموا نجوم المجتمع في القري والمدن مع تغيير شامل وصل إلي نسبة أكثر من‏65%‏ وقدم منها‏10%‏ للشباب و‏10%‏ للمرأة‏.‏

وللحقيقة كان للحزب الوطني الحاكم أن يفخر بهذا الإنجاز الانتخابي وهذا الاستعداد والأسلوب الذي قدمه‏.‏ فقد نجح في حماية المحليات من التخريب وسطو المخربين والجماعة المحظورة‏,‏ وفي الوقت نفسه عمل علي تحديث النظام السياسي القائم وتأهيله للمزيد من خطوات التحول الديمقراطي‏,‏ فالحزب الحاكم يريد أن يضع الانتخابات المحلية في مكانها الصحيح في خريطة العمل السياسي‏.‏ ولأن المحليات هي الأكثر اقترابا من المواطن‏,‏ فقد أوليناها اهتمامنا وتشخيصنا ولم نقل أبدا إننا وصلنا إلي مراتب البلدان المتقدمة كفرنسا وغيرها‏,‏ ولكننا علي أول الطريق ونملك خطة وأسلوبا لتحديث وتطوير الديمقراطية ولا نريد أن يحبطنا أحد أو يقلل من الخطوة التي خطوناها وإن كانت محدودة‏,‏ ولكننا سوف نستطيع أن نبني عليها في المستقبل‏.‏

ولا نريد لزراع اليأس أن يستمروا في أسلوبهم معنا‏,‏ فنحن نعرف وندرك أن دور المحليات ناقص وبالرغم من تقادم المجالس المحلية في بلادنا التي يصل عمرها إلي‏125‏ عاما‏,‏ وتآكلت اختصاصاتها وفاعليتها لحساب الكيانات السياسية والإدارية المركزية فتهاوت معها المشاركة الشعبية‏.‏ ولكن حركتنا في الانتخابات المحلية تكشف عن رغبة حقيقية في تنشيط المجالس المحلية وقيامها بدور أكبر في منظومة العمل السياسي في المرحلة المقبلة‏.‏

هذه الرؤية كافية للرد علي بعض المثقفين الذين لا يعرفون مصر‏,‏ أو البيت الأبيض الذي يردد صدي أصواتهم أو الجماعة المحظورة التي لا تريد الخير لبلادنا أو لأي تجربة إصلاحية تقوم بها مصر نحو المستقبل‏,‏ لنضعهم جميعا في خانة المتهمين ونطالبهم بالكف عن هذا الأسلوب‏.‏ فمصر تملك رؤية لمستقبل نظامها السياسي وللإصلاح الاقتصادي والاجتماعي ولا تقبل للأجنبي مهما يكن أن يتدخل في سياستها ولا تقبل للعشوائيين والفوضويين والخارجين علي القانون أن يقفوا في مسار سياستها الإصلاحية أو يهددوها بالفوضي والتعثر‏.‏

وهناك فرق جوهري بين معارضة الحكومة أو الاختلاف مع الحزب الحاكم وبين محاولة تقويض الدولة وتخريب الوطن‏.‏ ولا نريد تذكير المتحدث باسم البيت الأبيض بفشل أمريكا الكامل في العراق في كل المجالات‏,‏ ليس فقط في إقامة الديمقراطية بل الأمن أيضا‏,‏ ولم يوفروا الحد الأدني لشعب تحت الاحتلال منذ‏5‏ سنوات وأعطي النموذج للفشل الأمريكي الكامل‏.‏

الفشل الأمريكي في العراق لا يعطيها الحق في الحديث باسم الديمقراطية أو حقوق الإنسان لشعوب الشرق الأوسط‏,‏ وعليها أن تعيد حساباتها من هذا المنظور ولا نريد تذكيرها بكوارث أخري كثيرة في حق شعوبنا ومنطقتنا سواء في فلسطين أو أفغانستان أو تداعيات حربها الفاشلة ضد الإرهاب‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى