مقالات الأهرام اليومى

زراعة اليأس‏..‏ وحصاد الأمل في انتخــابات المحـــليات

من يتابع الحركة الدؤوب والنشاط الذي لايتوقف للحزب الوطني في مواجهة انتخابات المجالس المحلية من حقه أن يتساءل عن تفسير لما يقوم به الحزب الأكبر في طول البلاد وعرضها‏,‏ وتشير جميع التوقعات إلي أنه سوف يحصل علي الأغلبية عبر انتخابات حرة مباشرة‏,‏ وكان بوسعه أن يركن إلي شعبيته وانتشار كوادره في كل نجع وقرية ومدينة‏,‏ وكان بمقدوره أن يحقق الأغلبية ولديه أكثر من‏52‏ ألف مرشح يغطون كل الدوائر الانتخابية‏,‏ وقد تم اختيارهم وفق معايير تستند إلي الكفاءة والقدرة علي العطاء بمعايير المرحلة المقبلة‏.‏

ولم يكن الحزب بحاجة إلي كل هذا الجهد بعد أن حقق الفوز بالتزكية في نحو ثلث مقاعد المحليات‏,‏ وكان بوسعه أيضا أن يتجنب مشكلات الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحيه‏,‏ وألا يتحمل تبعات التغيير في قوائم المرشحين الذي بلغ نحو‏66%.‏ وباختصار‏:‏ لماذا طرق الحزب طريقا شاقا ومجهدا للوصول إلي الأغلبية التي كان يمكنه تحقيقها بجهد أقل؟

الحقيقة هي أن ما قام به الحزب من جهد وعمل من أجل الانتخابات المحلية لايمكن فهم معناه إلا في ضوء عدد من المتغيرات غير المسبوقة في حياتنا السياسية أهمها مايلي‏:‏

أولا‏:‏ إن حركة الحزب الوطني داخل صفوفه وبين الجماهير تتجاوز مسألة الحصول علي الأغلبية من مقاعد المحليات إلي هدف أكبر وهو تحديث النظام السياسي القائم وتأهيله للمزيد من خطوات التحول الديمقراطي‏,‏ فالحزب يريد أن يضع الانتخابات المحلية في مكانها الصحيح من خريطة العمل السياسي‏,‏ والانتخابات المحلية‏(‏ أو البلدية كما يطلق عليها في بلدان أخري كثيرة‏)‏ هي أكثر أنواع الانتخابات أهمية في العالم المعاصر‏

فمنذ أسابيع قليلة حظيت الانتخابات البلدية في فرنسا بأهمية لاتقل عن الانتخابات الرئاسية التي أجريت في العام الماضي هناك‏,‏ فالمحليات هي الأكثر اقترابا من المواطن والأشد التصاقا بمشكلاته اليومية‏,‏ وهي المنوط بها القيام بالدور الأكبر في حلها‏.‏ وهذه جميعا وظائف لايمكن أن تقوم بها البرلمانات الوطنية‏.‏وبرغم تقادم المجالس المحلية في حياتنا السياسية‏,‏ فإن اختصاصاتها وفاعليتها تآكلت لحساب الكيانات السياسية والإدارية المركزية فتهاوت معها المشاركة الشعبية وتراجعت علاقة المواطن بالمجالس المحلية المسئولة عن مشكلاته اليومية المباشرة‏,‏ وتكشف حركة الحزب الأخيرة عن رغبة حقيقية في تفعيل المجالس المحلية وقيامها بدور أكبر في منظومة العمل السياسي في المرحلة المقبلة‏.‏

أسامة سرايا
ثانيا‏:‏ إن الاهتمام الراهن بالانتخابات المحلية يردد صدي الفكر الجديد الذي طرحه الحزب الوطني قبل ست سنوات‏,‏ فلقد استطاع إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية لمصر عبر العديد من البرامج والسياسات خلال تلك السنوات‏,‏ ومن الطبيعي أن تطول يد التغيير تركيبة المحليات حتي يمكن أن تنهض بدورها المرتقب‏,‏ ويستقيم أداؤها مع الواقع السياسي الجديد‏.‏ فالدور الرقابي للمحليات ودورها في الترشيح للانتخابات الرئاسية يتطلب تغييرا كبيرا في بنيتها ووظائفها‏..‏ وهذا التغيير لن يتأتي إلا بإعادة صياغة الوعي العام بأهمية المجالس المحلية والتفاعل معها والدفع بعناصر ودماء جديدة مؤهلة وراغبة في القيام بهذا الدور الجديد‏.‏

ثالثا‏:‏ إن الحزب الوطني‏,‏ وإن كان حزب الأغلبية‏,‏ إلا أنه يسعي بكل السبل لتأكيد شعبيته وجماهيريته ودعم سبل التواصل والتفاعل مع جموع المواطنين‏,‏ ولابد أنه يري في الانتخابات المحلية فرصة للتحرك في الظرف المواتي لاختبار آليات عمله وقدرته علي الاستجابة لمطالب الناخبين‏,‏ وتقييم برامجه لاقتحام الكثير من المشكلات القائمة‏,‏ ولذلك كان الأكثر اهتماما بين الأحزاب الأخري بالانتخابات المحلية‏.‏ ولعل هذا الاهتمام الكبير يفند دعاوي المعارضة بأن وجوده في الحكم يمنحه مزايا لايحظي بها غيره‏

فالحقيقة هي أن المزايا التي حظي بها الحزب دون غيره من الأحزاب جاءت من داخل الحزب ومن خلال التخطيط الدءوب والاستعداد المكثف والإدراك المتزايد لأهمية الانتخابات المحلية وحيوية الدور المنتظر للمجالس المحلية والرؤية المتكاملة للمشهد السياسي المصري التي طرحها الحزب من قبل‏,‏ ولم يتوقف الحزب الوطني ـ مثل غيره من الأحزاب ـ عند المشكلات التي تواجه الجميع نتيجة الاختلالات في نظام الإدارة المحلية‏,‏ والتي ورثناها جميعا من مراحل سابقة‏.‏ وبينما وقفت جميع الأحزاب والقوي السياسية تشكو كان الحزب الوطني يسعي نحو المواجهة ويعمل من أجل التطوير والتركيز علي أن تكون الانتخابات المحلية خطوة أساسية نحو إصلاح نظام الإدارة المحلية‏,‏ ليصبح أداة فاعلة في تنظيم المجتمعات‏,‏ ودفع أبنائها نحو المشاركة وتحمل المسئولية وإنقاذ الشارع من الفوضي والعشوائية فضلا عن دفع النمو الاقتصادي‏.‏

………………………………………………………‏

إن التحرك الحزبي‏,‏ الذي قاده الأمين العام للحزب السيد صفوت الشريف وأمين لجنة السياسات السيد جمال مبارك خلال الأسابيع الماضية يكشف بوضوح عن وهم حاولت قوي المعارضة تسويقه بشأن الانقسامات والخلافات داخل الحزب‏,‏ وإذا سلمنا بأن الخلافات ضرورة في أي عمل تنظيمي‏,‏ فإن الحزب الوطني استطاع أن يخرج من معركة الترشيحات فائزا بوعده الذي قطعه أمام الجميع بالتغيير والدفع بدماء جديدة لتجديد الحياة السياسية التي عمل طويلا من أجلها‏.‏ والحقيقة أن الأمين العام للحزب استطاع تجاوز المشكلات الناتجة عن الرغبة في التغيير والتجديد باقتدار‏,‏ وتمكن من توحيد الجميع خلف برنامج الحزب ومرشحيه الذين تم اختيارهم في عملية انتقاء ديمقراطية حقيقية‏.‏

وعلي الصعيد الجماهيري استطاع جمال مبارك أن يحقق نجاحا باهرا في إدارة حملة الحزب في مواجهة الرأي العام‏,‏ وكشفت إدارته للاتصال مع الجماهير عن فهم عميق لما يجري في الشارع المصري‏,‏ وما يواجه الناس من مشكلات وأيضا عن قدرته علي التأثير بخطاب سياسي وتجيء مفرداته دائما تعبيرا عن هموم المواطنين أينما التقاهم‏,‏ وكشف جمال مبارك في إدارته للحوار في الصعيد والدلتا والإسكندرية والقاهرة عن وجه جديد لم يعرفه به كثيرون في الشارع المصري‏,‏ وكانت الصورة الغالبة لأمين السياسات تكمن في خبراته ورؤيته الاقتصادية التي مكنت الاقتصاد المصري من تجاوز الكثير من أزماته والانطلاق نحو آفاق أرحب من النمو‏,‏ وارتبط اسم جمال مبارك بنجاحات اقتصادية عديدة في الضرائب والجمارك وعلاج تعثر البنوك والشركات‏,‏ إنها إنجازات اقتصادية كان يمكن أن نواجه بدونها مشكلات كبري في الاقتصاد‏.‏

ولقد كشفت جولات جمال مبارك في بني سويف وأسيوط والبحيرة ودمياط والإسكندرية وحواراته مع مختلف الطبقات عن وجه سياسي كان قد تواري خلف الوجه الاقتصادي‏.‏

ولم تكن مهمته في محافظات مصر سهلة‏,‏ حيث إنها تأتي في وقت تفاقمت فيه أزمات الخبز والسماد ومواد البناء وتصدرت اهتمامات المصريين جميعا‏,‏ لكنه اختار المواجهة الصريحة والواقعية في الحديث عن تلك المشكلات وغيرها‏,‏ ولم يلجأ لأساليب بعض السياسيين القدامي في مثل هذه المواقف بالعزف علي الآمال والرغبات ولغة التعبئة السياسية‏..‏وطرح في لقاءاته ما يحمله من أفكار للمستقبل بلغة قاطعة وواضحة‏,‏ ولم يعد بما لايمكن تحقيقه‏,‏ فعرض ما يمكن أن تقوم به الحكومة والشعب معا‏,‏ وأصر علي أن عبء التنمية مسئولية الجميع‏..‏ ولابد من إعداد المجتمع بأسره لهذه المشاركة باعتبارها الطريق الوحيد لتنمية مستمرة‏,‏ وتحدث في أسيوط عن مشكلات الصعيد‏

وفي دمياط عن هموم الدمايطة‏,‏ وعن مشكلات الفلاحين في البحيرة وبني سويف وعن مشكلات الصناعة والطاقة في الإسكندرية‏..‏لقد تنوعت لغة الحديث من زيارة لأخري ولكن ظل مستقبل مصر ومصالح المصريين هو الرابط الأساسي بين الحوارات في كل المحافظات التي زارها‏,‏ وقدم رؤيته التي تستوعب مشكلات الجميع‏,‏ وأعلن التزام الحزب بالمواجهة الجادة والفاعلة‏.‏

………………………………………………….‏

وهذا الاهتمام والحركة النشيطة علي جميع مستويات الحزب في الانتخابات المحلية الراهنة سوف تؤدي إلي نتائج أكبر من الفوز بأغلبية مقاعد المحليات‏,‏ خاصة أن القوي المناوئة مازالت رهينة أساليب لم تعد فاعلة‏,‏ ومازالت تتمسك بمفردات أصابت الجميع بالملل من كثرة ترديدها في كل مناسبة انتخابية‏,‏ ولم تعد تلقي أدني اهتمام من الرأي العام‏,‏ وقد حملت كثير من تلك القوي بضاعتها لتسويقها عبر الفضائيات‏

وما يصدر عنها من صحف‏,‏ ولم تجد ما تقدمه للناخبين في دوائر الانتخابات سوي خطاب ساخط في جانب وخطاب تعبوي في الجانب الآخر يتلاعب بالعواطف ويعد بما لايستطيع تحقيقه‏,‏ ويستثمر إلي أقصي حد بعضا مما نواجهه من مشكلات‏,‏ ولم تدرك تلك القوي حجم التغيير الذي حدث في كل شيء‏.‏ ولم تعد تلك اللغة صالحة في هذا الزمن‏,‏ فمصر التي نخاطبها اليوم ليست كما كانت بالأمس‏,‏ كما أن المواطن المصري أصبح أكثر وعيا اليوم بما يريد وبمن يريده أن يأخذ بيده علي طريق واقعي تتحقق فيه الطموحات والآمال‏,‏ ولم تعد مصر تربة صالحة لتسويق الوهم والتلاعب بمشكلات أبنائها‏,‏ ولم يعد بيننا اليوم من يخضع للمتلاعبين بمشاعر التدين لتحقيق مكاسب سياسية‏

وأصبح المصري قادرا علي إعادة فرز الأوراق المخلوطة في لعبة الدعاية السياسية عند الإخوان‏,‏ ولم تعد أعمال البلطجة السياسية مسوغا لإرهاب الناخبين‏,‏ فنحن لسنا ميدانا لتجربة مغامراتهم السياسية‏,‏ وهم لم يخلفوا وراءهم تجربة ولا خبرة في شئون الحكم‏,‏ بل امتلأ تاريخهم بالتآمر والخروج علي الشرعية وترويع الآمنين‏,‏ ومن حق المواطن المصري أن يتساءل عما فعلته تلك القوي السياسية دائمة الشكوي حتي تحظي بثقة الناخبين‏,‏ فأي حلول واقعية طرحتها؟‏,‏ وأي وجود سياسي مشروع حققته ؟‏.‏

ومن يتأمل حركة الحزب الوطني خلال السنوات القليلة الماضية وما وصلت إليه في الانتخابات المحلية الأخيرة لابد أن يدرك حقيقة التطور الذي حدث داخل صفوف الحزب فكرا وتنظيما وتسويقا وتفاعلا مع الجماهير وصولا إلي تقديم كوادر حزبية محترمة تحظي بتقدير المجتمع واطمئنانه علي مستقبل الوطن السياسي‏.‏ وقد استكمل الحزب بناءه القوي القادر علي منافسة أي قوة سياسية أخري في أي انتخابات حرة‏,‏ وتراكمت خبراته في التواصل والتفاعل مع الجماهير وشرح رؤاه المختلفة لما يواجهونه من مشكلات‏,‏ والشهران الأخيران وحدهما يبرهنان علي أن الحزب الذي استعد داخليا وتحرك خارجيا بحيوية بالغة جدير بأن يفوز بثقة الناخبين‏,‏ فالاستعداد للمهمة جزء من إنجازها‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى