مقالات الأهرام اليومى

الحلف الإيراني السوري‏..‏ يهــدد قـمة دمشــق

حينما تتصدي دولة لاستضافة حدث بحجم القمة العربية فإن أولي مسئولياتها أن توفر الحد الأدني من الأجواء اللازمة لنجاح هذه القمة‏,‏ أما أن تكون الدولة المضيفة مصدرا لمشكلات كثيرة تهدد القمة أو تقوض فرص النجاح أمامها فإنها تتحمل المسئولية كاملة قبل القمة وبعدها‏,‏ ومن حق الشارع العربي أن يعرف الحقيقة كاملة‏.‏
أسامة سرايا

وسوريا بلا مواربة تتحمل في وضوح مسئولية ما يحيط بالقمة العربية العشرين من شكوك‏,‏ وما يهدد نجاحها حين عجزت عن توفير الحد الأدني اللازم لنجاح القادة العرب في مهمتهم‏.‏

إن فشل القمة قبل أن تنعقد‏,‏ يجب أن يستتبعه تحرك عربي عاجل لإبلاغ رسالة للشارع العربي تتضمن الأسباب والنتائج‏,‏ ومطالبة الجميع بتصحيح أوضاعهم‏,‏ وإعادة بوصلتهم إلي مكانها الطبيعي‏,‏ وكان يجب أن تكون منطلقات أول قمة عربية تنعقد في دمشق ـ قلب العروبة ـ عربية تستلهم مصير منطقتنا وبلادنا التي تهددها مخاطر كبيرة‏.‏

ففي الساعات الراهنة والقمة تتأهب للانعقاد انفجرت الأوضاع في العراق‏.‏ ودخلت مرحلة متقدمة من الحروب الطائفية لتنفجر الطائفة الواحدة علي نفسها‏.‏

وفي فلسطين علي نفس المنوال وصل الانقسام الفلسطيني إلي نقطة اللاعودة‏,‏ والسبب هو التدخلات الخارجية في نفس المنبع الذي يستفيد من احتلال العراق وانهيار أوضاعه‏.‏

وكنا ننتظر تدخلا سوريا لتخفيف تلك النزعة الإيرانية لتوظيف قضايانا العربية كأوراق ضغط سياسية للاستخدام الخارجي‏..‏ فإذا بها تدفع الأوضاع في لبنان أقرب بلد عربي لسوريا مكان انعقاد القمة إلي التدهور تمهيدا للانفلات والاضطراب‏.‏

وقد ظهر قبل انعقادها‏,‏ ومن خلال المبادرة العربية لحل المشاكل اللبنانية وانتخاب رئيس جديد‏,‏ أن التحالفات الاستراتيجية مع قوي غير عربية خاصة التحالف السوري ـ الإيراني يسبق المصالح العربية‏.‏

ولكي نستطيع أن نصل إلي الصورة الحقيقية للوضع الإقليمي والدولي التي تسبق القمة العربية الجديدة نري أن العرب يتعرضون لوضع حرج لم تشهده بلادهم من قبل‏.‏ فالهجمة الشرسة التي تشن علي دولنا تأتي من الشرق والغرب معا‏..‏ فهناك قوي جامحة في إيران لاترضي إلا بالهيمنة علي المنطقة‏.‏

وقوة عاتية أخري في الولايات المتحدة أرادت أن تقلب المنطقة رأسا علي عقب‏,‏ ومازالت تأمل في ذلك برغم فشلها في تحقيق الفوضي الخلاقة كما سمتها‏.‏

ويجب أن نتوقف وبكثير من العقل عند أسلوب مواجهة هذه السياسات‏,‏ ولعل الجميع يتذكرون أن مصر بقيادة الرئيس حسني مبارك هي أول من حذرت من السياسات الأمريكية الخاطئة‏.‏ وخطر المحافظين الجدد وسياساتهم العمياء‏.‏ وحذرت من الفوضي الخلاقة وإعادة تقسيم دول الشرق الأوسط أو التدخل في شئونه بما عرف بالشرق الأوسط الجديد أو الموسع‏,‏ ورفضت الحرب علي العراق‏,‏ وخلقت توافقا عربيا يدعو للامتناع عن تقديم أي دعم لاحتلال غير مشروع لبلد عربي كبير مثل العراق‏.‏

ولعلنا نتوقف بكثير من الإمعان والتفهم أمام حديث الرئيس حسني مبارك لصحيفة روسية قبل زيارته الخارجية لموسكو حيث وصف مجددا المشروع المسمي بالشرق الأوسط الكبير بأنه سبب الأزمات والدماء في المنطقة الآن‏.‏ ومن هذه الرؤية نفسها يجب أن يتوقف العرب الآن‏,‏ وخاصة سوريا ليفهموا أو يشاطرونا الرأي في أن هناك قوي في إيران استولت علي السلطة والقرار فيه أشد خطرا علي بلادنا وتوظف الأخطاء الأمريكية والإسرائيلية علي شعوبنا لمصلحتها مستفيدة من قوي التطرف والإرهاب التي تعيش بين ظهرانينا‏..‏ وهذه القوي بالتحليل الموضوعي أشد خطرا علينا من زاوية أنها ترفع لواء المواجهة والمقاومة والممانعة في منطقة ملتهبة تعيش صراعا شديدا ومتشابكا‏.‏ كما أن القوي المحتلة التي لا تريد التسليم بحقوقنا تستخدمهم لدفعنا لمواجهات غير محسوبة أو لدمغنا جميعا بالإرهاب والتطرف‏.‏

ومع إدراكنا لطبيعة المنطقة وبحكم الظلم الذي وقع علي شعوبها سنوات طويلة أصبحت تنساق وراء الشعارات ثم يكتشف هؤلاء المنخدعون أو المنساقون فداحة الموقف والوقت الضائع‏.‏

……………………………………………………….‏
ولذلك فالقمة العربية كانت فرصة ذهبية أضاعتها سوريا علي العرب‏..‏ لكي نقول للقوي التي تريد توظيف قضايانا العربية لمصلحة أوضاعها الداخلية توقفوا‏,‏ وخاصة التوظيف الإيراني الذي يتمثل في تجميد الموقف في لبنان ودفعه إلي الحروب الطائفية مرة أخري‏.‏

وإذا كان لنا أن نقرر أن دول المنطقة العربية الرئيسية وخاصة مصر والسعودية ليست في تناقض مع إيران حين تحترم جيرانها‏,‏ وتقيم علاقات متكافئة‏,‏ وتمتنع عن التدخل في شئونها الداخلية‏..‏ فإننا نذكر في هذا الصدد الموقف المصري بل العربي مع الحق الإيراني في استخدام الطاقة النووية بشكل سلمي وبأننا ندعو إلي حل المشكلة الإيرانية‏,‏ في هذا الشأن مع المجتمع الدولي بالطرق السلمية‏,‏ ونرفض أي حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط‏.‏

وهذا الرأي والموقف يصب كله في مصلحة السياسة الإيرانية‏,‏ ولكننا نرفض أن تفهم إيران ومن خلفها سوريا‏,‏ أن هذا الموقف يعني تسليم قيادة المنطقة لإيران‏.‏ بل إننا نتعجب لدولة ترفع شعار القومية العربية وتسعي للتضامن العربي‏,‏ ثم تقبل أن تقود إيران العرب وتدفعهم في الاتجاه الذي تريده‏.‏ فهذا ما لا يقبله أي عربي يحترم نفسه وعروبته ويحافظ علي المصالح العربية العليا مهما تفعل دمشق‏,‏ التي وضعت نفسها في خدمة مشروع الهيمنة الإيرانية‏.‏

والمدهش‏..‏ وكأننا جميعا فقدنا عقولنا‏..‏ تريد أن نسلم القمة العربية في دمشق لتكون معبرا سياسيا لإيران‏,‏ لتتمدد فيه تلك القوي الجامحة هناك لتسيطر علي المنطقة العربية‏..‏ ولماذا لا تفكر في ذلك وقد نجحت خلال السنوات الماضية في استخدام سوريا جسرا سياسيا لهذا الهدف؟ واستخدمت قوات الاحتلال الأمريكية في العراق لتتمدد جغرافيا في العراق؟ والصورة والأوضاع الداخلية في هذا القطر خير شاهد علي ما تقول‏.‏

كما استخدمت لبنان معبرا عسكريا‏,‏ ولم تتوقف تلك النزعة الإيرانية الجامحة والمتعطشة للسيطرة فهي تحاول أن تتمدد في القرن الإفريقي من إريتريا إلي الصومال علاوة علي السودان‏.‏

ولذلك فإننا نتوقف بكثير من الإعجاب والشجاعة عند الموقف العربي الذي وقفته مصر والسعودية ولبنان‏..‏ عندما خفض البلدان الكبيران تمثيلهما في القمة‏..‏ ورفضت لبنان الحضور احتجاجا علي الممارسات السورية والإيرانية الرافضة لالتهام لبنان طائفيا وإخضاعه لميليشيات مسلحة تتحكم في القرار الإيراني دون مراعاة لظروف وطبيعة هذا القطر العربي‏,‏ الذي يمثل نموذجا رائعا للتعايش بين الطوائف والأديان‏.‏

وأعتقد أن هذا التحرك رسالة كافية‏,‏ وغير مبالغ فيها للذين يريدون أن يوظفوا القمة العربية لتوجيه رسالة ضمنية من داخل القمة بأن هناك استعدادا عربيا لقبول جموح إيران ونموذجها في بلادنا‏.‏

ولعلنا نأخذ الأزمة اللبنانية نموذجا لتسليط الضوء علي السياسة الإيرانية مع الدول العربية‏,‏ فهي ليست مجرد أزمة برغم خطورتها وتأثيرها علي كل الشعوب العربية حتي أنها وصلت إلي حد التهديد بانهيار دولة عربية بلا رئيس وبلا برلمان من الناحية الفعلية‏..‏ وبلا توافق حول حكومة هي آخر ما بقي في رموز هذه الدولة‏..‏ فالأزمة اللبنانية هي اختزال لصراع هائل في المنطقة‏..‏ إنها ساحة لهذا الصراع‏.‏

ولا تريد مصر أن يتحول العالم العربي تباعا إلي ساحة صراع بين أمريكا وإيران‏,‏ ولذلك وجب الانتباه إلي مغزي إصرار مصر علي حل الأزمة اللبنانية قبل عقد القمة‏,‏ أو بمعني آخر أكثر تحديدا هي الأزمة التي تختصر فيها كل ملفات المنطقة‏,‏ ويدور علي ساحتها الصراع الكبير حول المنطقة‏,‏ وداخلها‏.‏ وكذلك القضية الفلسطينية التي ارتبطنا بها وضحينا من أجلها‏,‏ والتي تضيع الآن بأيدي أبنائها في فتح وحماس ونخشي ـ وذلك قد يكون حقيقيا ـ أن يكون الانقسام الفلسطيني الداخلي في الاتجاه الذي أصبح عليه الانقسام اللبناني الداخلي‏.‏

ثم أليس لنا أن نخشي ـ بل أن نرفض وأن نعمل جاهدين ـ أن تصبح القضية الفلسطينية بكل قدسيتها ساحة مصغرة لصراع أكبر‏,‏ هو في أحد أهم أبعاده امتداد للصراع الأمريكي ـ الإيراني‏,‏ ولذلك ففي الوقت الذي تسعي فيه مصر‏,‏ وتنصح كلا من حماس وفتح بوضع حد لتأثرهما بالقوي الخارجية‏,‏ لحشد قواهما خلف قيادة الدولة الفلسطينية المرتقبة‏,‏ فإنه يسوؤها أن تقدم دولة عربية كبيرة أخري قيادة حماس هدية لإيران تتلاعب بها في صراعها ضد الولايات المتحدة‏.‏

وإذا كان هذا هو لب الرسالة والاختلاف والرؤي بين القوي العربية الرئيسية التي رأت أن تبعث رسالتها إلي دمشق قبل فوات الأوان‏..‏ فإن هناك هوامش أخري علي اللغة والأساليب التي استخدمتها دمشق خاصة بالنسبة للسيد فاروق الشرع الذي اتحفنا بلغته التي تعودنا علي عدم لياقتها‏,‏ بالإضافة إلي مضمونها الخاوي‏,‏ حيث استبق القمة بتصريح علني بأن من لا يحضر سيندم وتصريحات أخري تستفز العرب بأن هناك قضايا عربية كثيرة أهم من لبنان‏.‏ ولقد ذكرتنا هذه التصريحات وغيرها باللغة التي استخدمتها دمشق مع العرب عقب حرب الصيف في لبنان‏.‏

وعندما اتفقت ردود الفعل الإيرانية ـ السورية بعد انتهاء الحرب علي وضع المنطقة بأسرها علي مقربة من مخازن البارود‏..‏ فإن هذا يعني أن البعض لا يريد للحروب أن تتوقف بل يدعونا للحروب بالوكالة عن الآخرين‏,‏ مع الدعوة إلي تغيير نظام الحكم في لبنان عبر الانقلابات المفتوحة والشاملة حتي يصبح جزءا من الجنوب اللبناني إلي طهران مرورا بدمشق‏.‏ ومع ظهور هذا التحالف تبدأ الدعوة إلي شرق أوسط جديد‏,‏ تكون إيران محوره ونقطة ارتكازه ويكون بديلا عن التصور الأمريكي المرفوض باتساع المنطقة‏.‏

وهذا التصور صناعة إيرانية رضي النظام السوري بأن يكون عرابا لها‏,‏ حين أهال التراب علي العرب أجمعين وحاول تقويض النظام العربي الذي تباكي عليه وساعد علي اختراقه‏.‏ والحقيقة أن البعض في سوريا أغرتهم المغامرة دون وعي بالفروق بين المغامرات حين ترتكبها الدول‏,‏ وحين تنفذها الأحزاب والميليشيات والحركات السياسية‏.‏

وليتذكر الجميع أن العرب اليوم أكثر اقترابا من معادلة المكاسب والخسائر في الصراع‏,‏ ولم يعد الخطاب التعبوي يجري كثيرا في تزييف الحقائق والوعي بها‏.‏

……………………………………………………….‏
‏..‏ ومثلما وقفنا في السنوات الماضية ضد السياسات الأمريكية والإسرائيلية‏,‏ وضد مشروعاتهما في المنطقة التي تخدم مصالحهما سنقف ضد أي مشروع آخر يخدم المصالح الإيرانية‏.‏ فقد اكتشفنا وجهها القبيح‏,‏ فكلا المشروعين الأمريكي والإيراني يتجاهل مصالح الشعوب العربية وحريتها في الاختيار‏,‏ حيث يدفعها الأول بخلاف كل تفكير عقلاني إلي حافة الغليان ودعم الإرهاب‏,‏ بينما يدفعها الثاني نحو حروب الطوائف والأديان‏.‏

وعلي جميع القوي أن تأخذ رؤيتنا العربية وتضعها في الاعتبار‏,‏ ونحن قادرون علي حمايتها وتحقيق مصالح شعوبنا وحفظ حقها وحريتها في الاختيار‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى