مقالات الأهرام اليومى

زيارة بولندا‏..‏ مصر وأوروبا الجديدة

تعد زيارة الرئيس حسني مبارك لبولندا أيام‏10‏ و‏11‏ و‏12‏ مارس الحالي من الزيارات السياسية غير التقليدية التي يسهل وصفها بأنها تاريخية‏.‏ ليس لكونها أول زيارة لرئيس مصري لوارسو العاصمة منذ‏80‏ عاما‏,‏ أي عمر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين‏,‏ ولكن لأنها تكشف عن كيفية إدارة مصر مبارك لعلاقاتها الخارجية‏,‏ ونسجها بلغة سياسية حديثة ومتماشية مع مكانتها ودورها في عالمها المعاصر‏..‏ وأن اختيار العواصم التي يزورها يتم بدقة ورؤية استراتيجية وتوقيت دقيق يتناسب مع عالمنا الذي يعيش لحظة صعبة وفارقة في أسلوب إدارة الصراعات‏,‏ وتكوين المصالح وبناء العلاقات الاستراتيجية طويلة المدي والقائمة علي احترام الجميع‏,‏ والدعوة إلي مشاركتهم علي قدم المساواة في إدارة وتوجيه السياسات في عالم اليوم‏.‏
أسامة سرايا
الرئيس البولندى يقلد الرئيس مبارك اعلى وشاح فى بلاده تقديرا لمكانة مصر التى تتعلق و تتجذر فى كل دول العالم التى يزورها الرئيس مبارك هو الذى يحمل رؤية لمستقبل منطقتنا و للعالم
ولأن بولندا اليوم غير الأمس البعيد أو الأمس القريب فقد خلعت عباءة حلف وارسو وتبعيتها للكتلة السوفيتية السابقة التي ظلت عاصمتها لأكثر من سبعين عاما رمزا للحرب الباردة بين الشرق السوفيتي والغرب الأمريكي‏.‏ ثم في حقبة التسعينيات وعقب سقوط وتحلل الامبراطورية السوفيتية وعقد أوروبا الشرقية اختطفت أمريكا بولندا وعاصمتها وارسو وصولا إلي انضمامها بالكامل إلي الاتحاد الأوروبي مع الألفية الجديدة‏..‏ وشكلت بولندا مع شقيقاتها من دول أوروبا الشرقية المنضمة حديثا إلي الاتحاد الأوروبي حلفا آخر تستخدمه الولايات المتحدة في إدارة الخريطة السياسية لأوروبا‏..‏ بل والأكثر من ذلك الضغط به علي أوروبا القديمة وتطويعها لإدارتها في عصر جديد تنفرد فيه أمريكا بقيادة العالم وإملاء سياساتها علي كل القوي المؤثرة في عالم اليوم‏.‏

ويجري النظر لهذه الدول علي أنها حصان طروادة الأمريكي الذي يستخدم لتطويع أوروبا القديمة لأهداف جديدة للدولة الكبري‏,‏ فلقد بالغت هذه الدول عقب انضمامها للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي الناتو في التعبير عن تبعيتها الأمريكية علي حساب مصالحها القديمة وعلاقاتها المتشعبة‏,‏ ويسري هذا القول علي الدول الأوروبية الشرقية بولندا والمجر ورومانيا‏,‏ أو الناتجة عن انقسام تشيكوسلوفاكيا‏(‏ التشيك وسلوفاك‏)‏ أو الدول المنبثقة عن يوجوسلافيا السابقة‏:‏ كرواتيا ومقدونيا والجبل الأسود وكوسوفا وسلوفينيا رئيسة الاتحاد الأوربي الآن وصربيا‏..‏

ورأينا أن هذه الدول هي أول من خرجت علي أوروبا القديمة للاندفاع نحو أمريكا في حروبها الجديدة خاصة في العراق‏..‏ كان ذلك بالأمس القريب‏..‏ أما اليوم فيبدو علي السطح أن المسرح مهيأ لأوروبا الجديدة‏,‏ أو لتلك الدول لاكتشاف ذاتها والتعبير عن مصالحها بشكل مختلف‏..‏ تقول فيه بلغة جديدة لشركائها الأوروبيين وللحليف الأكبر أمريكا إننا نستطيع أن نكون شركاء لا تابعين‏,‏ ليقدموا رؤي جديدة وسياسة مختلفة تصحح المعايير وتعيد التوازن لعالمنا‏,‏ وتجئ زيارة الرئيس حسني مبارك لبولندا في لحظة مناسبة لهذا التغيير والتطور الدراماتيكي لتبني معها جسرا جديدا لعلاقات المستقبل في عالم مختلف‏.‏

فبولندا تكتشف نفسها في العالم الجديد بعد الانضمام للاتحاد الأوروبي في عام‏2004,‏ والتي تعد أوسع وأكبر الاقتصادات المنضمة إليه حتي الآن حيث يقارب ناتجها المحلي‏390‏ مليار دولار وقد انخفض التضخم فيها من‏500%‏ إلي‏2.2%‏ عام‏2007,‏ وعلي امتداد فترة الانتقال كانت الثانية في جذب الاستثمارات الأجنبية بعد التشيك‏(‏ كمجموع تراكمي‏)‏ لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات جديدة عبر عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري وعجز الميزان التجاري‏,‏ ولم تحقق تدابير مواجهة العجز المالي النتيجة المرجوة التي أصبحت أهم مشاكلها الاقتصادية وهو مايعرقل من مهمة انضمامها إلي منطقة اليورو كماتخطط عام‏2009‏ بعدما استطاعت في نهاية العام الماضي‏2007‏ الانضمام لاتفاقية الشنجن لفتح الحدود الأوروبية‏,‏ التي أعطتها ثقة بلا حدود في المستقبل‏.‏

……………………………………………………….‏
إن تطوير وتحديث العلاقات المصرية السياسية والاقتصادية مع أوروبا‏,‏ بشقيها القديم والجديد‏,‏ يعد استراتيجية ثابتة‏..‏ وهو جزء أساسي من فكر الرئيس حسني مبارك‏..‏ وركيزة ثابتة في سياسته الخارجية في جانبها المتعلق بصناعة المكانة وتوفير المزيد من المقومات للتنمية والعلاقات الثنائية الجديدة‏.‏

فالاتحاد الأوروبي اليوم بدوله السبع والعشرين قد توسع كثيرا‏,‏ حيث كان عدد دوله‏12‏ ثم‏15‏ منذ فترة قريبة لاتزيد علي عقد من الزمن‏.‏

وبولندا التي كانت محطة زيارة الرئيس حسني مبارك منذ أيام هي إحدي أهم دول مايسميه البعض أوروبا الجديدة أو الاتحاد الأوروبي بتوسعه هذا يغير خريطة العالم وعلاقاته الدولية‏.‏ ولايمكن لمصر أن تنعزل عن هذا التفكير أو لاتواكبه عن قرب وتؤثر فيه مثلما تتأثر به‏.‏

وما زيارة بولندا إلا إحدي الخطوات التي بدأها الرئيس حسني مبارك منذ سنوات في هذا الاتجاه‏,‏ ويواصلها حتي يضع سياسة تراكمية ناجحة ومؤثرة‏.‏

ويكتسب تطوير العلاقة مع بولندا وأوروبا الجديدة عموما أهمية لعوامل متعددة منها‏:‏
أولا‏:‏ عوامل سياسية استراتيجية تتعلق بموقفها تجاه قضايا منطقتنا ومستقبلها‏,‏ وخصوصا في ظل ميل هذه الدول في مرحلة سابقة إلي دعم سياسات قد لاتنسجم مع رؤيتنا لهذه القضايا‏.‏ وهذا ما لمسناه بمجرد جلوسنا للمباحثات بين الرئيس مبارك والرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي ورئيس الوزراء دونالد توسك‏,‏ حيث صرحا بأنهما ازدادت معرفتهما عمقا بقضايا الشرق الأوسط‏.‏ فقد حصلا علي رؤية متكاملة وقوية ومعلومات وفيرة من مصدرها المباشر وهو الرئيس مبارك الذي يعرف منطقتنا وقضاياها معرفة كاملة وعميقة‏,‏ ويحمل رؤية لمستقبلها وللعالم يصعب علي أي رئيس أو دولة ألا يستجيب لها لصدقها وعمقها معا‏.‏ فهي رؤية تسعي لتحقيق الاستقرار العالمي وإنهاء النزاعات الدولية من جذورها‏,‏ ويقدم الرئيس المعلومات والتحليل السياسي بحكمة وتجرد وموضوعية‏,‏ تصل إلي العقل والقلب معا‏,‏ فيصعب علي من يبحث عن دور حقيقي أو مكانة في عالم اليوم ألا يستجيب له ويقتنع بما يقول‏,‏ بل ويعمل علي أن يسير في الاتجاه نفسه الذي يتبناه‏.‏

ومن هذه الرؤية فإن مكانة مصر تكبر وتتوطد في كل دول العالم التي يزورها الرئيس مبارك‏,‏ فلقد أعطته خبراته مكانة إضافية وثقلا سياسيا‏.‏ ويجب علينا أن نستفيد منه بإيجاد علاقات ثنائية وتعاون اقتصادي مميز يتناسب مع المكانة السياسية والاقتصادية الكبري لمصر ورئيسها التي أصبحت من أصولنا ومكتسباتنا التي يتعين علينا البناء عليها‏,‏ وهذا ماظهر للاتفاقيات الاقتصادية وبرنامج العمل الذي وضعه أعضاء الوفد المصري سياسيا واقتصاديا لأسلوب التعاون والتعامل مع بولندا في المستقبل‏,‏ باعتبارها إحدي دول القلب الأوروبي الجديد‏.‏

ونعتقد أن تلك السياسة سوف تخفف إلي حد كبير من لوبي المحافظين الجدد في واشنطن وتأثيره الضار علي مصالحنا الذي ظهر عقب حرب العراق‏,‏ حيث انضوت هذه الدول تحت تأثير هذا الجناح في توسيع حدة الحروب بالمنطقة ـ بخلاف فرنسا والمانيا وغيرهما من الدول الأوروبية التي وقفت ضد هذا الاتجاه ـ بما دفعها إلي تقسيم أوروبا إلي جزء جديد وآخر قديم‏,‏ يتسع الأول ويتقلص الثاني‏.‏ ولعل الاندفاعة الجديدة التي دخلت بها هذه الدول الحرب أو المسارعة بفتح أراضيها لتقيم فيها قوات عسكرية‏,‏ أدت إلي ظهور جدل داخلي طويل‏,‏ مازالت تشهده بولندا والتشيك حول هذه القضية من ثلاثة اتجاهات‏,‏ كان أضعفها ذلك الذي خشي ألا تجد القوات الأمريكية الترحيب الشعبي الممكن‏.‏

أما الاتجاهان الآخران فقد ركز أولهما علي مزايا إقامة هذه القواعد‏,‏ مثل توفير حماية جدية فعالة بدون تكلفة علي أساس أن الطائرات الأمريكية التي تقوم بدورياتها الروتينية في المجال الجوي للبلاد تسد هذا الاحتياج‏,‏ فضلا عن الأموال التي سينفقها الأمريكيون في اقتصادياتهم الوطنية‏.‏

أما الاتجاه الثاني فكان يطالب ببذل الجهد بدلا من الحوار في إقناع واشنطن‏,‏ علي أساس أنها كانت تفضل إقامة القواعد في الدول الأوروبية الجديدة الأقرب الي الشرق الأوسط مثل رومانيا وبلغاريا‏.‏

ثانيا‏:‏ عوامل اقتصادية بعضها يتعلق ببولندا والتشيك وغيرهما من الدول الأوروبية في هذه المنطقة‏,‏ والبعض الآخر يتصل برؤية مبارك للعلاقات الاقتصادية مع أوروبا في مجملها‏,‏ وبالنسبة لبولندا تحديدا فإنها تجمعها مع مصر قواسم مشتركة من أهمها أن الدولتين تصنفان ضمن مايسمي الدول النامية سريعة النمو الآن‏,‏ وقد وردت الدولتان قبل عام في أحد التقارير المهمة وهو تقرير بوسطن جلوب‏2007‏ إلي جانب الدول الأخري التي تحظي بهذه المرتبة النامية سريعة النمو مثل الهند والبرازيل والأرجنتين وماليزيا وإندونيسيا وأيضا المجر من أوروبا الجديدة وتايلاند وتركيا‏.‏ ومصر هي الدولة العربية الوحيدة التي وردت في هذا التقرير الذي يختص بتحليل أكبر‏100‏ شركة دولية‏.‏

وهناك مساحة كبيرة من المصالح المشتركة بين هذا النوع من الدول وتلك الدول التي لم تصبح موطنا لشركات كبري إلا في نطاق محدود مثل مصر‏,‏ ويمكن الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا الشأن‏.‏

……………………………………………………….‏
اما بالنسبة للمنظومة الأوروبية الجديدة فمن المهم أن تحدث مصر سياستها في التعامل معها وأن تستغل السوق الواسعة التي يصل عدد سكانها اليوم إلي نحو‏490‏ مليون نسمة علي مساحة تصل إلي‏4‏ ملايين و‏259‏ ألف كيلو متر مربع‏.‏ وفي هذه السوق الواسعة يتيسر انتقال الاشخاص والسلع والخدمات ورؤوس الأموال عن طريق شركات ممتدة عبر دول الاتحاد الأوروبي‏.‏ وتقدم هذه الدول نموذجا علي العمل المشترك والتنمية والتطور بشكل حديث وسريع‏,‏ منذ أن بدأت إرهاصاتها في أبريل عام‏1951‏ بتأسيس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب‏,‏ ثم معاهدة روما التي أنشأت الجماعة الأوروبية الاقتصادية عام‏1957,‏

ثم الغاء الرسوم الجمركية بين دول هذه الجماعة عام‏1968,‏ وبعدها توقيع القانون الأوروبي الموحد الذي استهدف تحقيق منطقة للتبادل الحر أي سوق موحدة عام‏1986‏ ثم معاهدة ماستريخت عام‏1992‏ بشأن حرية انتقال السلع وتطوير سياسة مشتركة للتوفيق بين القواعد المتبعة في مجال المنافسة والرعاية الاجتماعية والصحية والبيئية‏,‏ وصولا إلي إيجاد عملة موحدة اليورو وإقامة بنك مركزي أوروبي موحد‏.‏ وتتجه الآن بسرعة كبيرة إلي استكمال عملية تحرير الخدمات وهي العملية الأكثر أهمية‏,‏ بالنظر إلي أن الخدمات تمثل‏70%‏ من إجمالي الناتج المحلي‏.‏

تلك المؤشرات تحكي قصة التحول والتغيير في عالمنا في كل شيء‏.‏ ولاشك أن تحرير الخدمات سيكشف كل من يظنون أن العالم مازال في مرحلة الصناعة التقليدية‏.‏ وسوف يثبت وجودنا في هذه السوق وتكيفنا معها وقدرتنا علي التغيير والتحول‏,‏ وسيجعلنا جزءا مؤثرا في عالمنا في الشأنين الاقتصادي والسياسي‏.‏

وهكذا تثبت سياسة الرئيس مبارك دائما حكمته وبعد نظره وقدرته علي أن يضع مصر في مكانها الذي تستحقه‏,‏ ويصنع دورها المتعاظم في عالمها المعاصر‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى