مقالات الأهرام اليومى

حتي لاتقع حماس في الجريمة الكبري‏!‏

يتعمد الكثيرون في العالم العربي القراءة الخاطئة لما يصدرعن مصر من رسائل وقرارات وتصريحات‏,‏ ويحلو لبعضهم أن يفرضوا علي الآخرين تفسيراتهم وتأويلاتهم‏,‏ وكأنهم أعلم بمصر من المصريين أنفسهم‏,‏ وهؤلاء يرتكزون في فهم ما يصدر عن القاهرة علي رؤيتين خاطئتين‏:‏ الأولي هي أنه بما أن القاهرة عاصمة العرب السياسية والقوة العربية الأكبر فإنها بالتالي الشقيقة الكبري‏,‏ التي لابد أن تتحمل مايصدر عن الصغار من الأشقاء‏,‏ مهما تكن نتائج ما يفعلون‏.‏ والثانية‏:‏ الفهم الخاطئ لمغزي الحكمة المصرية من الصبر التاريخي علي إساءات الآخرين‏.‏

وهذا الفهم غير الصحيح تسرب أيضا إلي كل محاولة لتسوية الخلافات بين مصر وغيرها من الشقيقات العربيات‏,‏ فغالبا ما تستند مساعي المصالحة إلي التذكير بحجم مصر ومحورية دورها‏,‏ وأن العفو يليق بها أكثر من غيرها‏,‏ ولقد ساعدت مصر كثيرا في ترسيخ هذا الفهم‏,‏ حيثما كانت ظروف وسياقات الأحداث توحي بقدر أكبر من التسامح مع أخطاء الأشقاء الصغار‏,‏ غير أن ما نحن بصدده من تطورات وأحداث في المنطقة يفرض تصحيحا واضحا لحقيقة موقف القاهرة من أخطاء الصغار‏,‏ والتي أصبحت الآن مصدرا لحرائق هائلة تأتي معظمها من مستصغر الشرر كما يقولون‏,‏ وربما كانت الحركات المسماة الإسلامية تمثل اليوم مستصغر الشرر الذي ينذر بالكثير من الكوارث علي مستويات قطرية وقومية في العالم العربي‏,‏ فالذي حدث مع حركة حماس منذ ظهورها علي المسرح السياسي الفلسطيني يدلل علي العلاقة بين الشرر الصغير والحرائق الكبيرة‏.‏

وليكن واضحا من البداية أن علاقة مصر بالصراع العربي ـ الإسرائيلي تتجاوز كثيرا حجم وتأثير حركة حماس‏,‏ التي تظل في النهاية مرحلة من مراحل تطور الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني‏.‏ ولن تكون حماس أو غيرها محور ارتكاز علاقة مصر بصراع الحرب والسلام بين العرب وإسرائيل‏,‏ صحيح أن مصر تقدر أهمية حماس بقدر قدرتها علي حل المشكلة الفلسطينية‏,‏ ولكنها لاتمثل أكثر من ذلك في قليل أو كثير‏,‏ ويبدو أن الإخوة في حماس لايدركون تلك الحقيقة‏,‏ وأنهم غارقون في وهم‏,‏ شجعتهم عليه قوي تقع اليوم خارج دائرة الصراع المباشر بين العرب وإسرائيل سواء داخل العالم العربي أو خارجه‏.‏ وهذا الوهم هو الذي دفع قيادات حماس إلي افتعال الأزمة الأخيرة في غزة لكي تفرض رؤيتها علي مصر‏.‏

ولم تدرك أن مصر حين فتحت الحدود أمام الفلسطينيين‏,‏ كانت تستشعر واجبا قوميا وإنسانيا ولم تكن بقرارها تذعن لتلك المؤامرة القادمة من هناك‏,‏ ولن تقبل مصر بتكرار تلك الأزمات الناتجة عن العناد المستبد بقادة الحركة وحساباتهم المغلوطة‏,‏ فمصر أكبر من أن تتورط في صراع تؤججه قيادات تفتقر إلي الحد الأدني من الخبرة السياسية والرؤية الثاقبة لحقائق الأوضاع في المنطقة‏,‏ نعم إن مصر لن تقبل ذلك العبث السياسي لحركة حماس مع الحكومة الإسرائيلية‏,‏ وهي التي دفعت بآلياتها لهدم الحاجز الحدودي مع مصر‏,‏ كما دفعت ببعض أفرادها محملين بالمتفجرات إلي العمق المصري وسمحت لآخرين برشق رجال الأمن المصريين بالحجارة‏.‏

لابد أن تعي حماس مغزي ما فعلته هذه المرة علي الحدود المصرية‏,‏ فإذا كانت قد جرت علي الشعب الفلسطيني ويلات الحصار الشامل القاتل والمميت‏,‏ فإنها أيضا بسياساتها الخاطئة سوف تمنع الفلسطينيين من أن يجدوا لدي مصر عونا إنسانيا‏,‏ حينما تشتد بهم الأزمات في بلادهم‏.‏ ولن يكون بمقدور مصري واحد أن يطالب حكومته بالعودة إلي ما فعلته بالأمس القريب علي الحدود مع قطاع غزة‏,‏ وقد عايشنا جميعا الخروقات والاعتداءات والانتهاكات التي جاءت لمصر وهي تمد يد العون للأشقاء في فلسطين‏.‏

وإذا كانت حماس لم تع الدرس فيما فعلته بالفلسطينيين بقطاع غزة‏,‏ فإنها أيضا لم تع الدرس بمافعلته مع مصر‏,‏ وهي تقدم العون الوحيد الذي لقيه المحاصرون في قطاع غزة‏.‏

…………………………………………………………….‏ ولم تنته أزمة معبر رفح التي تفجرت في‏23‏ يناير الماضي بعد‏,‏ وهذه الأزمة لاتعود تداعياتها إلي ذلك اليوم فقط‏,‏ ولكنها تعود إلي‏8‏ يونيو عام‏2007.‏ عندما بدأ مسلسل فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بانقلاب عسكري منفرد من حماس‏,‏ ضاربة عرض الحائط باتفاقيات ملزمة لكل الأطراف‏,‏ بل بثوابت للقضية الفلسطينية التي يجب عدم التغاضي عنها علي الإطلاق‏.‏ وإن كانت بوادر هذه الأزمة قد بدأت عقب فوز الحركة في الانتخابات التشريعية في فبراير عام‏2006‏ والتي بنت استراتيجيتها السياسية علي الانقلاب علي ما سبقها من تطورات سياسية في فلسطين‏,‏ والتي دخلت علي أساسها الانتخابات وفازت بها‏.‏

ومنذ تلك الأحداث المؤسفة‏,‏ نما في حماس تيار انقلابي نسي كل مبادئ حركات التحرر الوطني وانجرف في سياسات لا تؤدي في نهايتها إلي قيام كيان وإمارة دينية في غزة كما يخططون بل إلي صوملة القطاع وتفتيته أو في أحسن الأحوال تحويله إلي دارفور أخري‏,‏ يسعي المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلي تدويلها عبر وجود قوات إفريقية أو دولية لتيسير الأمور أو الفصل بين المتقاتلين‏.‏ أو أن يتحول قطاع غزة إلي بؤرة للإرهاب والتطرف‏,‏ ويستحضر في ذهن العالم جمهورية طالبان في أفغانستان‏.‏

وبالتأكيد فإن الفلسطينيين حتي أهل حماس لا يريدون استحضار هذا النموذج أو خلقه‏..‏ ولكنهم بمسلكهم وبأدائهم السياسي خلال الفترة الماضية لا يبعدون كثيرا عن طالبان‏,‏ ولقد وقع قادتهم في هذا المأزق عندما صدروا أزمتهم الداخلية والأخلاقية ردا علي اعتداءات بعض ميليشيات حماس علي الجنود المصريين علي الحدود باتهام مصر‏.‏ أو عندما تبنوا الاتجاهات الإسرائيلية بإعفائها من مسئولية القطاع المحتل والمطالبة بفك ارتباط غزة عن إسرائيل والحاقه بمصر وربط اقتصاد الضفة بالأردن‏,‏ لتكريس الانفصال الجغرافي بين شطري فلسطين‏.‏ وعندما عملوا علي تكريس هذا الانفصال الاقتصادي عن قطاع غزة والذي اعتبرته إسرائيل هدفا استراتيجيا علي مدي سنين طويلة‏,‏ وها هي حماس تسرع بإنجازه‏.‏

…………………………………………………………….‏ وعلينا أن نعترف بكل بوضوح بأن حكمة مصر ورئيسها مبارك أنقذت الفلسطينيين وخففت معاناتهم‏.‏ ولكنهم اليوم مازالوا رهائن لدي حماس التي تستغلهم ولا مانع لديها من تعريضهم لكوارث جديدة إذا لم يحدث تلاف للأخطاء السياسية التي ارتكبت‏,‏ ولم تسرع قيادات حماس لتصحيح أوضاعها للعودة إلي الصف الفلسطيني والاعتراف بالأخطاء والكوارث التي حدثت في غزة عندما حكموها بانفراد بعيدا عن السلطة التشريعية الفلسطينية‏.‏

والحلول ليست سهلة ولكنها معقدة ومتشابكة ونقطة البدء بالتصحيح هي إنهاء حصار قطاع غزة‏,‏ ولن يتم ذلك بدون العودة إلي اتفاقيات المعابر الموقعة عام‏2005,‏ فالأزمة ليست في معبر رفح فقط‏,‏ وانما في‏(6‏ معابر‏)‏ أخري‏,‏ ولا يعني ذلك التسليم برغبة التيار الانفصالي بغزة في السيطرة علي المعابر لتكريس الانفصال‏.‏ إذ يجب أن تدرك حماس أن صورتها علي الصعيد الدولي‏,‏ بل وفي المنطقة العربية قد أصبحت بالغة السوء ولا إمكانية لتشغيل المعابر إلا بوجود دولي وبمشاركة فلسطينية‏,‏ ويكون ذلك بمبادرة جديدة يعلن فيها المسيطرون علي قطاع غزة عن موافقتهم وقبولهم بوجود الحرس الرئاسي الفلسطيني علي المعابر‏,‏ فهم فلسطينيون وإخوة‏,‏ بل هم القادرون علي إنهاء حصار أبناء غزة وإعادة اندماجهم من جديد في النسيج الفلسطيني باعتباره خط الدفاع الأول عن قضيتهم واستمرارها حية ومتجددة ومبشرة لأبنائها‏.‏

كما يجب علي حماس أن تحترم الدور الذي لعبته مصر في التخفيف من حصار الشعب الفلسطيني في قطاع غزة عندما فتحت المعبر وأن تعلن المجموعات التي خرجت علي قواعد الأخلاق والقيم المتعارف عليها بين الشعبين المصري والفلسطيني اعتذارها عن الأخطاء التي ارتكبتها أخيرا‏,‏ واحترامها للحدود والاتفاقيات الخاصة بها ولا تلجأ لمثل هذه الأساليب الفوضوية مرة أخري‏,‏ فليس مفهوما أن يتعامل هذا التنظيم بازدواجية مع مصر فبعض المجموعات تلجأ إلي التصعيد ضد مصر‏,‏ بينما يلجأ البعض الآخر إلي معسول الكلام‏,‏ ومع ذلك تواصل مصر دورها التاريخي من أجل القضية الفلسطينية‏,‏ التي تحملت في ظلها تجاوزات صدرت من أطراف فلسطينية مختلفة من وقت إلي آخر‏.‏ وكانت هي الدولة العربية الكبيرة التي تعالت في كثير من المواقف‏,‏ ورفضت التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي‏,‏ وكانت أيضا هي الوحيدة التي رفضت شراء مجموعات فلسطينية تعمل لمصلحتها‏.‏

…………………………………………………………….‏ وكلنا نعرف الكثير من المنظمات الفلسطينية التي كانت واجهات لدول عربية معروفة‏.‏ فمصر هي التي راهنت علي أن الشعب الفلسطيني كله يعرف مصلحته ويسير نحو تحقيق استقلاله ولا يتحول إلي مجموعات متصارعة لمصالح خارجية‏,‏ وهذا لا يعني استباحة حدود مصر أو التمادي في الإساءة إليها‏,‏ فبحكم الواقع كان لتحمل مصر حدود‏,‏ ولذلك فإننا نقترح‏,‏ ومصر تسعي لاحتواء أخطاء وخطايا حماس‏,‏ أن تتعاون السلطة الفلسطينية في استئناف الحوار بين فتح وحماس للوصول إلي حلول عملية لإنقاذ الشعب الفلسطيني‏

أسامة سرايا

وبحث إمكانية تشغيل منظم لمعبر رفح بل وللمعابر الأخري‏,‏ وأن تكون الاتفاقية الراهنة طريقا سريعا للحل بمشاركة دولية‏.‏

ونقول بكل صراحة إن مصر سوف تواصل دعمها للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ولن تسمح للذين اختطفوا قضيته بالتأثير علي مسارها‏.‏كما لن تسمح بتجاوزهم الخطوط الحمراء وسوف تكشف أخطاءهم وعلي الجميع التعاون معها‏,‏ فالذين يقفون علي الحياد بين‏(‏ فتح وحماس‏)‏ مخطئون في حق الاثنين معا وعليهم التحرك نحو تصحيح أخطاء الفصيلين‏,‏ والعمل علي عدم التمادي في الأخطاء‏,‏ كما أن الذين يتوهمون أن خطايا المقاومة مغفورة يورطونها‏,‏ بل يدفعونها إلي التصفية‏,‏ فالمقاومة تحتاج إلي الخيال والتحصن بالقيم الوطنية والأخلاقية لاستمرار تقدم قضيتهم وعدم انحسارها‏,‏ كما أن استمرار تضليل الجماهير ودفعهم نحو الأوهام سرعان ما يتم اكتشافه‏.‏

…………………………………………………………….‏ وعلينا أن نطالب حماس بتغيير سياساتها سواء في غزة أو في شكل المقاومة التي تنتهجها‏,‏ وأن نقول لها بكل وضوح إن ما انتهجته في المرحلة الماضية‏,‏ خاصة إطلاق الصواريخ الميدانية بعد‏7‏ أشهر من احترامها الهدنة مع إسرائيل أكثر من فتح‏,‏ لم يكن هدفه المقاومة‏,‏ بل كان تخريب العملية السلمية بأي وسيلة وبأي ثمن‏,‏ خاصة عندما اتضح أمامها أن هناك فرصة مقبلة للسلام مع إعادة اهتمام المجتمع الدولي بالقضية الفلسطينية بعد طول غياب‏.‏

وإذا كنا نعترف بأن الحصار وصمة عار لإسرائيل‏,‏ بل وللمجتمع الدولي كله فإنه لايمكن معاقبة شعب بجريمة بعض أبنائه فهذا منطق إسرائيلي مغلوط وغير مقبول‏,‏ بل وجريمة إنسانية بشعة‏,‏ فنحن جميعا ندرك أن المقاومة حق مشروع ولكنها يجب أن تملك أدوات مجدية بحيث لا يشعر مجتمعها بأنه يدفع ثمنا لا يستطيع تحمله‏.‏

إن مسئولية حماس واضحة‏,‏ وجريمة إسرائيل لا تغتفر‏,‏ ومن واجبنا جميعا أن نعمل علي تصحيح وتغيير تلك الأوضاع لكي نتيح للفلسطينيين في‏(‏ غزة والضفة‏)‏ فرصة التحرر الوطني‏,‏ وأن يكون لهم مثل جميع شعوب الأرض حق الحياة وحق الدولة المستقلة‏,‏ وأن يخرجوا من تحت نير الاحتلال وقسوته البشعة‏.‏

لقد فجرت أزمة الحصار وتداعيات فتح معبر رفح قضية الشعب الفلسطيني كله وليس قضية أبناء غزة المحاصرين فقط‏,‏ ويجب أن تكون المرحلة المقبلة واضحة ويجب أن نعمل جميعا في مجال حيوي جديد يركز علي دعم الفلسطينيين في كل المجالات لبناء دولة ذات مرافق وبنية أساسية‏,‏ وأن نبذل كل الجهود لتعويض الشعب الفلسطيني عن معاناة قاسية وصعبة عبر‏60‏ عاما من الضرب بمصالحه وتشتيته في المخيمات وفي كل البلاد العربية‏,‏ والذي يعيش تحت حكم احتلال إسرائيلي استيطاني بشع برعاية دولية من الدول العظمي من بريطانيا حتي أمريكا‏,‏ وفي ظل سكوت وغياب الضمير العالمي عن مأساته ومعاناته التي لم يتعرض لها أي شعب آخر عبر التاريخ الإنساني كله‏.‏

وإذا كنا سنقف أمام العالم لكشف مشكلات الاحتلال‏,‏ فمن الطبيعي أن نقف ضد تجاوزات البعض منا وأن نضعها في حجمها الطبيعي‏,‏ وأن نضرب علي أيديهم حتي لا نجعلهم يجرفون قضيتنا العادلة معهم إلي غياهب النسيان والضياع في ظرف دولي دقيق تتسع فيه رقعة مواجهة التطرف والإرهاب خاصة الديني منه‏,‏ ويجب علي حماس أن تراجع نفسها في ضوء تلك المتغيرات والمعطيات ولا تعطي المبررات والذرائع لضياع قضية شعبها العادلة تحت أوهام طموحها الذي لا يمكن تحقيقه‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى