مقالات الأهرام اليومى

أزمة معبر رفح‏..‏ وخطايا حماس‏!‏

حينما أقدم الرئيس حسني مبارك علي فتح الحدود أمام آلاف المحاصرين جوعا وألما في قطاع غزة والذين يصطلون نارا أوقدتها حماس وإسرائيل علي حساب القضية والوطن والشعب وحقوق الإنسان‏,‏ فلقد كان ذلك مبادرة إنسانية لقيت من الجميع احتراما وتقديرا‏,‏ لكن أن يحاول البعض استخدام هذه المبادرة الإنسانية بما يمس الأمن القومي لمصر فتلك قضية أخري لادخل لها بالإنسانيات ولا بالعلاقات بين الشعبين الشقيقين أو الشقيقة الكبري‏,‏ ولا بقائمة طويلة من المفردات التي استخدمت في وصف العلاقات العربية‏.‏ فمن الصعب أن يتحمل الأمن القومي المصري تبعات التعسف الإسرائيلي والعناد غير المبرر الذي تمارسه حركة حماس يوميا‏,‏ ولن يكون الأمن القومي المصري جزءا من اللعبة السياسية بين حماس وإسرائيل‏,‏ ومحاولة كل طرف منهما استخدام الآخر لتحقيق مصالحه التي ابتعدت كثيرا عن مصالح الشعب الفلسطيني‏.‏
أسامة سرايا

وإذا كانت مصر تعالج تأثيرات المبادرة الإنسانية علي أمنها القومي بهدوء وروية بعد محاولات البعض الخروج بهذه المبادرة علي أهدافها النبيلة‏,‏ فليس ذلك إلا ثقة في قدرتها علي ضبط الأمور في النهاية علي حدودها‏,‏ وصبرا علي معاناة الفلسطينيين‏,‏ ومحاولة لوضع نهاية حقيقية لمأساة الفلسطينيين في أرضهم والتوصل لحلول نهائية تحول دون تكرار تلك المأساة‏.‏

وإذا كان التعسف الإسرائيلي معروفا بدوافعه والقوي الداعمة له‏,‏ فإن موقف حماس يظل موقفا غير مبرر بمنطق الواقع المعيش ومسلسل المعاناة الناتج عنه‏.‏ وربما يجد موقف حماس شيئا من الدعم من بعض القوي في المنطقة لأسباب ترتبط بنيات وأهداف كل قوة منها‏,‏ فهناك من يري أهمية الإبقاء علي حركة حماس في دائرة الضوء بعد التراجع الواضح في نفوذ حركات وجماعات الإسلام السياسي داخل الكثير من دول المنطقة‏.‏ ولذلك يظل بقاء حماس رمزا لوجود الإسلام السياسي علي الساحة بما يمثل دعما معنويا لذلك التيار السياسي المتراجع‏.‏

وفي هذا السياق تجد حماس دعما ماديا ودعما إعلاميا واضحا‏,‏ فعلي الساحة الإعلامية نجد كتابات تبرئ حماس من كل خطأ‏,‏ وترفع عنها كل وزر‏,‏ مهما بلغ حجمه‏,‏ ومهما بلغت نتائجه‏..‏ وهذا الشحن الإعلامي يغري قادة الحركة بالمزيد من الغرور ويضعف قدراتهم علي مراجعة وتقييم انعكاسات سياساتهم علي مصالح قضية وطنهم وشعبهم‏.‏ وسوف تجد حماس نفسها في النهاية خاسرة إن لم تستجب للواقع ومقتضياته‏,‏ فهي لن تبقي في السلطة ببعض مقالات وعدة أخبار تبيض وجهها من كل خطأ‏.‏ والذين يرون في سياستها النهج الصحيح الأوحد إنما يوردونها موارد الهلاك في نهاية الأمر‏.‏ وربما تجد أيضا دعما من قوي تريد استخدامها لتحقيق مكاسب أو القيام بمناورات لحسابات أخري بعيدة عن القضية الفلسطينية‏.‏ وفي كل الأحوال فإن سياسات حماس قد تراجعت كثيرا بالقضية الفلسطينية وعطلتها عن أن تقطع علي طريق الحل خطوات كانت بالتأكيد أفضل مما نحن عليه الآن‏.‏

ومنذ مجئ حماس إلي السلطة علي غير رغبة من بعض الفلسطينيين وكثير من الآخرين‏,‏ فإنها لم تستطع بل لم تسع أيضا لكسب صوت واحد من أصوات هؤلاء‏,‏ بل دفعتها سياساتها إلي فقدان ذلك القدر من التعاطف الذي لاح لدي بعض المتحفظين علي سياسات الحركة‏,‏ فقد أغري حماس مجيئها للسلطة بأصوات كان اليأس قد استبد بها وظنت أنها قادرة علي أن تنتزع كل الحقوق من قبضة الاحتلال‏.‏ لكن صورتها في العالم ظهرت علي أنها حركة راغبة في تدمير كل شيء‏,‏ حيث أصرت علي إلغاء كل الاتفاقات السابقة عندما شكلت الحكومة عقب انتخابات يناير‏,2006‏ وكانت هذه بداية أزمة تحولت سريعا إلي كارثة تداعت فصولها ولاتزال‏.‏

وإذا نظرنا إلي أزمة المعابر الأخيرة‏.‏ فقد استطاعت مصر إدارتها بحكمة بالغة الحساسية‏,‏ لتصبح نموذجا نادرا للقدرة علي إدارة الأزمات شديدة التعقيد‏.‏ فأزمة معبر رفح تتداخل في جوهرها وتتشابك في جوانبها وحلقاتها‏,‏ خصوصا الحلقتين اللتين يفترض أنهما الأكثر تناقضا فإذا بهما الأكثر انسجاما بشكل ضمني‏,‏ وهما حركة حماس وإسرائيل‏.‏ فقد تناغم أداؤهما من الناحية الفعلية حيث استخدمت إسرائيل حماس لتنفيذ مخطط خبيث يرمي إلي فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية‏,‏ وإلقاء مسئوليتها علي مصر ليتسني لها تكريس احتلالها للضفة‏,‏ وقد اندفعت حماس بمزيج من التطرف والأنانية التنظيمية لتنفيذ هذا المخطط الإسرائيلي بعد أن أصبح هدفها محصورا في استمرار هيمنتها علي قطاع غزة‏,‏ حتي ولو أدي ذلك إلي تدمير حياة سكانه وتدمير قضية فلسطين‏.‏ وفي ظل هذا الموقف العدمي يصبح تدمير العلاقات التاريخية بين الشعبين المصري والفلسطيني أمرا هينا يمكن الإقدام عليه ببساطة شديدة كما يفعل بعض مسلحي حماس في اعتدائهم علي جنود مصريين أو في تهريبهم السلاح أو ممارسة الفوضي علي الحدود‏.‏ ولولا حكمة مصر وحرصها علي الشعب الفلسطيني وقضيته لحدث ما لا تحمد عقباه‏.‏

وقد تكرر ذلك مرتين خلال الفترة الماضية‏..‏ الأولي عند السماح للحجاج بالسفر والعودة‏..‏ والثانية عند اقتحام المعبر هربا من الحصار‏.‏

……………………………………………………….‏

ونتيجة للتناغم الضمني بين إسرائيل وحماس حدث تدهور سريع لم يكن متصورا في الوضع الفلسطيني‏,‏ حيث استغلت إسرائيل الألعاب الصاروخية‏(‏ المسماه صواريخ القسام‏)‏ التي يقوم بها الجناح المسلح لحركة حماس وفصائل أخري‏,‏ لنقل مركز الثقل في الوضع الفلسطيني من قضايا الانسحاب والحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين إلي قضية الحصار علي غزة‏.‏

ولم يقف التدهور عند هذا الحد‏,‏ حيث أدي اندفاع حماس الأعمي إلي نقل مركز الاهتمام من قضية الحصار علي غزة إلي مشكلة معبر رفح‏.‏

وهذا التدهور السريع الذي سجل معدلا قياسيا‏,‏ لم تتضح حتي الآن تداعياته الكارثية علي الوضع الفلسطيني‏.‏ فمنذ تفجير معبر رفح أصبح حديث العالم كله‏,‏ وهكذا تواري الحديث عن حصار غزة الجائر‏.‏

وبعد أن كنا نتطلع إلي تحديد الحدود بين الدولة الفلسطينية المستقلة ومن جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام‏1967‏ بما فيها القدس‏,‏ أصبح الحديث الآن عن الحدود المصرية الفلسطينية والمعابر المقامة عليها‏,‏ وفي مقدمتها معبر رفح‏,‏ وبعد أن كنا نسعي لاستئناف الحوار الفلسطيني بين فتح وحماس من أجل تحقيق الوحدة الوطنية المفقودة وإنهاء الانفصال بين غزة والضفة أصبح الحوار لمجرد التوصل إلي حل لفتح معبر رفح‏.‏

إن أخطر ما فعلته حماس هو أنها خفضت الضغط علي إسرائيل التي تحاصر غزة وتحتل الأراضي الفلسطينية إلي جزئية سيتم حلها داخل إطار الدولة الفلسطينية المرتقبة ولايقل خطرا عن ذلك محاولات بعض مسلحي حماس الخرقاء تجاه الجنود المصريين والتي كانت يمكن أن تؤدي إلي مواجهة فلسطينية ـ مصرية لولا حكمة مصر ورئيسها‏.‏

……………………………………………………….‏

وإذا استطاعت الفصائل الفلسطينية إدراك مخاطر الأحداث الأخيرة والعمل علي تلافي آثارها السلبية‏.‏ فإننا نضع أمامهم المبادئ الأساسية التي تتمسك بها مصر في إدارة الأزمة وهي‏:‏

رفض الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية انطلاقا من وحدة القضية الفلسطينية التي قدم أبناء مصر أرواحهم ـ وليس فقط إمكانات وطنهم ـ فداء لها منذ أكثر من ستة عقود وحتي الآن‏.‏

تأكيد الوحدة الجغرافية بين قطاع غزة والضفة انطلاقا من قواعد القانون الدولي فقد احتلتهما إسرائيل معا ولايجوز أن تفصل بينهما‏.‏ فإذا أرادت ترك غزة فليكن في إطار الانسحاب من الضفة الغربية من أجل إقامة الدولة الفلسطينية ووقف أي اعتداء علي شطري الدولة‏.‏

تحميل إسرائيل المسئولية الأولي عن الأزمة بسبب العقاب الجماعي الذي وصل هذه المرة إلي حافة الجريمة ضد الإنسانية‏.‏

رفض تجويع الشعب الفلسطيني والإصرار علي مد يد العون لهم كدأب مصر دائما أيا كان الثمن الذي يمكن أن يترتب علي ذلك‏.‏

تأكيد ضرورة استئناف الحوار الوطني الفلسطيني من النقطة التي يقبلها الطرفان الأساسيان وهما حركتا فتح وحماس‏,‏ والاستعداد التام لبذل أقصي جهد للتوصل إلي اتفاق ولو جزئيا بشأن معبر رفح‏.‏

التحذير من مغبة الصواريخ البدائية التي يتم إطلاقها من قطاع غزة إذ إنها لا تحدث خسائر إلا للشعب الفلسطيني وقضيته‏,‏ وتأكيد أن الاعتراض علي هذه الألعاب الصاروخية لايتعارض مع إيمان مصر بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة المشروعة التي كفلها القانون الدولي للشعوب الخاضعة للاحتلال‏,‏ مع التنبيه إلي أن المقاومة ليست بالسلاح فقط وإنما بالنضال الشعبي علي أوسع نطاق‏,‏ وأنه رب إضراب عام في غزة أو مسيرة احتجاجية أو اعتصام واسع أكثر جدوي من تأثير عمل مسلح لايوقع خسائر الآن إلا في الصف الفلسطيني‏.‏

فللمقاومة أشكال متعددة‏.‏ والمقاومة المدنية والسياسية للفلسطينيين طبقا لظروفهم أكثر فاعلية من المقاومة المسلحة في بعض المراحل‏.‏ خاصة عندما يختلط دور المقاوم ودور الإرهابي‏,‏ ويتم وضع الاثنين في سلة واحدة أمام الرأي العام العالمي‏.‏ ومن هنا فإن علينا أن نعيد تفهم دروس وتجارب الكفاح الوطني ضد الاستعمار في كل أنحاء العالم بما في ذلك التجارب العربية ضد الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي‏.‏

وعلينا أن نكون صرحاء تماما ونكشف أخطاء الانقلابيين في غزة وما يخططون له وما يفعلونه‏..‏ فهم يعملون لمصلحة المخططات الإسرائيلية سواء يعلمون ذلك أو يجهلونه للأسباب الآتية‏:‏

*‏ أنهم يكرسون فصل غزة عن الضفة الغربية بحثا عن إمارة يحكمونها لمصلحة فكرهم أو تنظيمهم ويوظفونها لمصلحة قوة إقليمية متجاهلين قضية شعبهم ووطنهم‏.‏

*‏ أنهم يعطون لإسرائيل المبررات الكاملة للتنصل من مسئوليتها تجاه القضية الفلسطينية بحجة أنه لا يوجد شريك لهم في الطرف الآخر‏.‏

*‏ أنهم يتجهون لإقامة تحالفات إقليمية تضر بالقضية الفلسطينية فلا يمكن لمشعل أو غيره تبرير أن إيران تستخدمهم لمصلحة لعبة أخري ليست القضية الأصلية علي الإطلاق‏.‏

*‏ أن جماعة حماس في غزة تعطي فرصة للفصائل الإرهابية المرتبطة بالقاعدة مثل جيش الإسلام وغيرها لتشويه النضال الفلسطيني ووصمه بالإرهاب ووضعه في سلة واحدة ـ بلا تفرقة ـ مع الإرهاب الدولي‏.‏

*‏ وإذا نظرنا بعمق فيما تطرحه حماس من آفاق سياسية للقضية الفلسطينية فسوف نكتشف هشاشتها بل وتفاهتها‏,‏ فهي تطرح تهدئة مع إسرائيل مقابل بقائها في غزة وليس مقابل تحريك القضية الرئيسية‏.‏ وآخر عرض قدمه هنية باتصال مباشر بالتليفزيون الإسرائيلي ـ عقب اغتيال‏12‏ من الجهاد الإسلامي ـ هو التهدئة مقابل بقاء حماس في غزة وهكذا تقدم وجودها في السلطة علي قضية شعبها‏.‏

*‏ عندما كان الضغط الدولي يتجه ناحية إسرائيل نتيجة العقوبات الجماعية المفروضة علي الفلسطينيين في غزة قامت حماس بتحويل أنظار العالم عما يحدث في غزة إلي الحدود المصرية‏.‏

والأخطر من كل ذلك أن حماس تعطي إسرائيل مبررات جديدة للترويج لخططها في توسيع قطاع غزة علي حساب الأراضي المصرية وتوطين الفلسطينيين هناك‏,‏ بل إنها تعطي الإسرائيليين فرصا متزايدة للترويج لحل مشكلات اللاجئين الفلسطينيين بتوطينهم في البلاد العربية‏.‏

والمخرج من هذه الأزمة هو أن نواجه حماس بأخطائها في حق قضيتها لكيلا تتمادي في خدمة مصالح إسرائيل وتحقق لها هدفها بالتنصل من مسئوليتها عن غزة واستخدام ورقة الضغط الاقتصادي وإغلاق المعابر لكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإعادة تهجيره من أراضيه والذي ظهرت بوادره علي أبواب معبر رفح ككارثة فلسطينية جديدة‏.‏ وإعادة المعبر إلي البروتوكول الحالي الذي ليس هو أفضل الخيارات ولكنه أفضل أسوأ الخيارات‏,‏ فتسيطر السلطة الفلسطينية بإشراف مراقبين دوليين مع الاتحاد الأوروبي‏,‏ وبذلك يعاد فتح المعبر ولا يستخدم إسرائيليا للضغط علي الفلسطينيين‏.‏ فقد كان المعبر وقبل غلقه يمر منه يوميا‏800‏ فلسطيني من غزة وإلي العالم طبقا للقوانين المعمول بها‏.‏

ولعلنا نذكر‏(‏ أشاوس حماس‏)‏ بأنهم كانوا من المستفيدين من هذا الاتفاق‏,‏ فلأول مرة عبر تاريخهم خرجوا وعادوا إلي القطاع بكل حرية‏.‏

فهل تدرك حماس أخطاءها وتقوم بتصحيحها متذكرة الحوار الوطني وبيان القاهرة الذي صدر في مارس‏2005‏ واتفاق مكة في فبراير‏2007‏ واللذين من الممكن أن يكونا نواة لحوار وطني حر دون وصاية أو تدخل من أحد وتتم بلورة نتائجه في برنامج وطني ينقذ القضية الفلسطينية وحتي لا يتحول الفلسطينيون علي أيدي حماس ونظائرها إلي مجموعات هائمة تتسول قوت يومها بينما تحتفل إسرائيل بعد شهور قليلة بمرور‏60‏ عاما علي قيامها وتأسيسها ولتتذكر حماس ومن يحذو حذوها في عالمنا العربي الإسلامي أنها ستتحمل مسئولية تصفية القضية الفلسطينية بعد أن اقتربت من الاعتراف الدولي بوجودها وأصبح لها مسار سياسي يجب أن تسير فيه‏,‏ إذ سيدفع هذا التيار ثمن هذا الانهيار إن لم يكن اليوم فسيدفعه غدا علي أيدي كل أبناء الشعب العربي الإسلامي الحقيقي‏.‏

إن القضية الفلسطينية تجري تصفيتها اليوم علي أيدي نفر من أبنائها أعلوا قيم تنظيمهم علي مصالح الشعب‏,‏ وسلموا لأعدائهم كل الذرائع ليفتحوا علي بلدهم وأمتهم أبواب جهنم‏.‏ فهل من عقل رشيد يأخذ بيد هذا التيار لإنقاذ أشرف قضية في الوجود من الضياع علي أيدي بعض أبنائها؟‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى