مقالات الأهرام اليومى

حقوق الإنسان‏..‏ كلمة حق يراد بها باطل‏!‏

في قطاع غزة الذي يتوسط العالم جغرافيا‏,‏ ويقع عند الحدود الجنوبية الشرقية للقارة الأوروبية‏,‏ مليون ونصف المليون من البشر يعانون مأساة إنسانية مروعة‏.‏ مأساة نقلت كل وسائل الإعلام الأوروبية تفاصيلها المؤلمة‏,‏ لعلها تستثير شيئا من التعاطف أو المشاعر‏,‏ فهناك مليون ونصف المليون من البشر محاصرون في أرضهم لايستطيعون الخروج منها أو الدخول إليها‏,‏ لا مياه ولاكهرباء‏,‏ ولا وقود‏,‏ ولامستشفيات ولامخابز‏,‏ وغذاء آخذ في التناقص يوما بعد آخر يهدد الجميع بالموت جوعا‏.‏

وإذا كانت الأرض قد ضاقت عليهم بالحصار‏,‏ فإن السماء تزيد عذابهم بوابل من القنابل تحصد أرواح الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء‏,‏ وتملأ الفضاء من حولهم رعبا بأزيز الطائرات الإسرائيلية‏..‏كارثة تتداعي فواجعها علي شعب يعيش في عالم يتحدث عن حقوق الإنسان‏,‏ لكنها لن تحرك حتي مجرد الشعور بالأسي في التخوم الأوروبية المجاورة التي نصب البعض فيها من نفسه قيما علي حقوق الإنسان في العالم القريب والبعيد‏.‏

رجل واحد فقط هو الذي تحرك من أجل تخفيف آلام المحاصرين في غزة‏,‏ بدوافع إنسانية خالصة ليضع نهاية لعذاب استوطن الأرض كثيفة السكان‏,‏ هو الرئيس حسني مبارك الذي فتح معبر رفح أمام المحاصرين الذين صب الجميع نيران الغضب والعداء فوق رؤوسهم‏,‏ حيث استهدفتهم حماس وإسرائيل معا في مناورة سياسية تلحق العار بالجميع‏,‏ فلقد استجاب هذا الرجل لحق الإنسان في الحياة‏,‏ متجاوزا في سبيل ذلك مظاهر التردد والترقب وحسابات المصالح التي سيطرت علي الجميع في المجتمع الدولي الرقيب علي حقوق الإنسان‏,‏ وهو الرجل نفسه الذي يقود أمته نحو آمالها‏,‏ في الوقت الذي تحمل فيه مسئولية كبري في إقرار السلام بمنطقة الأزمات تحقيقا للأمن الذي افتقدته المنطقة طويلا‏.‏

لا أحد يدري كيف يري البرلمانيون الأوروبيون قرار الرئيس مبارك بالحفاظ علي حياة مليون ونصف المليون مواطن الذين ضاعت صرخات معاناتهم من الجوع والبرد والمرض في الفضاء الأوروبي الملبد بغيوم الشتاء الكثيفة هذه الأيام؟ وكيف يستقيم في الضمير الأوروبي انتقاد أخرق لحقوق الإنسان في دولة بادرت وحدها بوضع حد لمأساة شعب بثت فصولها قنوات التليفزيون علي الأوروبيين في ساعات المساء أياما طويلة ؟

………………………………………………………..‏

لقد كان قرار البرلمان الأوروبي حول حالة حقوق الإنسان في مصر مهزلة حقيقية تعكس حالة من التربص من أقلية في ذلك البرلمان بما يحدث في مصر إذ إن‏7%‏ من أعضاء البرلمان الأوروبي نصبوا أنفسهم حكاما وقضاة‏,‏ ينظرون شئون مصر وأحوالها‏,‏ وانتهوا إلي ما انتهوا إليه وتابعتهم وسائل الإعلام في الداخل والخارج‏,‏ بالرغم من المغالطات والادعاءات وتفاهة المنطق والصياغة الركيكة‏.‏ وإنني لا أميل إلي التهوين مما حدث برغم تفاهته لعدة أسباب‏:‏

‏*‏ إن آليات عمل الاتحاد الأوروبي تفرض للبرلمان مكانة لها تأثيرها في سياسات المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية‏,‏ وإذا كان ما يصدر عن البرلمان غير ملزم‏,‏ إلا أن المؤسسات التنفيذية لايمكن أن تتجاهله‏,‏ فالبرلمان الأوروبي له دور رئيسي في منظومة العمل وبصفة خاصة ما يتعلق بالتصديق علي ميزانية الاتحاد‏.‏

*‏ إنه إذا كان قرار البرلمان الأخير بشأن حقوق الإنسان في مصر قد صدر عن أقلية في البرلمان‏,‏ فإن ذلك لايمنع من تنامي اتجاه عدائي نحو مصر لأسباب مختلفة ربما كان بعضها واضحا في ضوء قرار الكونجرس تعليق جزء من المعونة الأمريكية في مصر لأسباب تتعلق أيضا بقضايا حقوق الإنسان‏.‏

*‏ إن تفسير القرار لابد أن يأخذ في الاعتبار مسارات الأحداث في المنطقة والموقف المصري من تطورات تلك الأحداث‏,‏ وليس خافيا علي أحد أن أوروبا والولايات المتحدة قد انتهجتا أساليب الابتزار طويلا حينما يريدون الضغط بأوراق لحساب قضايا أخري‏.‏ ومن حقنا أن نتساءل عن علاقة أنفاق غزة بقرار يتعلق بقضايا حقوق الإنسان في مصر‏.‏

*‏ إن أوروبا تعاني حالة من التراجع في النفوذ والتأثير لحساب الولايات المتحدة‏,‏ وهو خيار أوروبا أن تمضي خلف الدولة الأقوي حتي لاتتحمل أعباء المشاركة في قيادة العالم‏.‏ ولذلك تردد أوروبا صدي كثير من المواقف والسياسات الأمريكية‏.‏

*‏ إن قضايا حقوق الإنسان تظل‏,‏ برغم كل قول فيها‏,‏ قضية سياسية علي صعيد العلاقات الدولية‏,‏ ولا يكشف تنامي الاهتمام العالمي بها عن نزعة إنسانية أصابت المجتمع الدولي مؤخرا‏.‏ فحقوق الإنسان الأساسية تنتهك في بقاع كثيرة من العالم بمساعدات أمريكية وأوروبية مباشرة وغير مباشرة‏,‏ وهناك من المؤشرات ما يفيد أن قضية حقوق الإنسان مدخل ظاهره الرحمة وباطنه العذاب أمام تكريس النفوذ الغربي وممارسة سياسات الإملاءات‏,‏ وهو ما يفرض آليات عمل جديدة في التعامل مع هذا الملف‏.‏

أسامة سرايا

*‏ علينا أن نعترف وبصراحة بحجم ونوعية الدور الذي قمنا به في التعريف بما تحقق أخيرا في مصر من إصلاحات سياسية واقتصادية‏,‏ كان لها تأثيرها في تطوير منظومة حقوق الإنسان‏,‏ والدفع بها خطوات إلي الأمام‏,‏ وليس بمقدورنا اليوم أن ننكر أن من بيننا من أسهم في تشويش الرؤية الأوروبية والأمريكية لما حققناه من تطور‏.‏ فمنا من سلط الأضواء علي التجاوزات وكأنها القاعدة والأساس‏,‏ ومنا من خرج ببعض الأوضاع عن سياقها الثقافي وخصوصيتها المصرية ليجعل منها قضية يستدر بها المعونات والهبات من منظمات أوروبية وأمريكية لاتعرف الكثير عنا ولا عن ثقافتنا وخصوصيتنا‏,‏ وأيضا منا كثيرون يعرفون جيدا كيف تم التفريط في أمن الوطن لحساب أموال المنظمات المانحة وفضلوا الصمت‏.‏ كما نعرف جميعا كيف استباحت منظمات أوروبية وأمريكية المجتمع المصري وسعت في كل جنباته وبين قطاعاته للبحث عما تريد من معلومات تنتقي منها ما تشوه به وجه الحياة في مصر‏.‏

.‏ إن الأوروبيين والأمريكيين أنفسهم يدركون أنه ليس من حق حكوماتهم أن تتحدث أو تنتقد حقوق الإنسان خارج حدودها‏,‏ فمازالت بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية تغص بالاعتداءات علي حقوق الإنسان‏,‏ كما يدركون أن انتقادات حقوق الإنسان تخرج من أوروبا وأمريكا في خطوط متوازية مع المصالح السياسية والاقتصادية للقوي الحاكمة ولاتعبر عن نزعة إنسانية خالصة‏.‏

………………………………………………………..‏

ولذلك فإنني أعتقد جازما أن الموقف المصري الغاضب من هذا القرار كان تعبيرا عن حجم مصر‏,‏ وتذكيرا لأصحاب القرار بما يمكن اتباعه في التعامل مع دولة محورية لها الثقل الأكبر في الامتداد الجغرافي الجنوبي للقارة الأوروبية‏.‏ وجاء هذا الموقف غاضبا بحجم الخطأ الذي ارتكبه البرلمان الأوروبي‏.‏ فلاتوجد في المنطقة بأسرها دولة فتحت أبوابها أمام كل من يرغب في معرفة كل ما يجري علي أرضها‏,‏ سوي مصر التي تفعل ذلك في ثقة بما تقوم به‏,‏ واعترافا بأنه ليس لديها ما تخفيه أو تخجل منه‏.‏ فالغضب المصري تعبير طبيعي عن وضعية مصر‏,‏ وهو ليس فقط دفاعا عن كرامة وطن وسيادة شعب يعتز كثيرا بهذا الوطن‏,‏ ولكن أيضا لأن مصر اختارت طواعية فتح أبوابها للجميع ليروا بأنفسهم ما يجري هنا وهناك‏.‏ أما أن تلجأ حفنة من البرلمانيين الأوروبيين القادمين من أوروبا الشرقية والمنضمين حديثا إلي المنظومة الأوروبية أو المنضوين تحت رعاية جماعات الصداقة مع إسرائيل أو الباحثين عن رضاها بدون معرفة ـ إلي أبواب خلفية وتتبع بعض محترفي العمل مع المؤسسات المانحة فتلوي الحقائق وتتجاوز قواعد العمل البرلماني‏,‏ فهنا لابد أن نري ما حدث علي أنه تدبير خبيث حيك في الظلام‏,‏ وأصبح واجبا علينا تعريته ووضعه في دائرة الضوء‏.‏

ولن يكون الموقف الأوروبي هو الأخير مهما يكن رد الفعل الغاضب لدينا‏,‏ فالذين يتربصون بمصالحنا وعلاقاتنا المتنامية في العالم كثيرون‏.‏ ولابد أن نعيد النظر في آليات التعامل مع الرأي العام الخارجي والقوي السياسية المؤثرة‏,‏ ونحن مطالبون بتحرك أكثر فاعلية وواقعية في الدول الأوروبية‏,‏ وفي الولايات المتحدة نفسها‏,‏ فلدينا شبكة واسعة من البعثات الدبلوماسية وأخري من المكاتب الإعلامية‏,‏ وكنا نظن أنه آن الأوان لأن تجني ثمار هذا الانتشار أفضل مما وجدنا‏,‏ ونحن لدينا ما نعبر به عن تطور حقيقي في مساعي الإصلاح‏,‏ ولابد أن نبحث عن أساليب نستطيع أن نسوق بها ما حققناه من تطور‏,‏ أما الصور النمطية الموروثة عنا فهي لاتساعدنا كثيرا ولكنها لاتستعصي علي التصحيح‏.‏

………………………………………………………..‏

وإننا نريد تفعيل وجودنا الإعلامي في مناطق التأثير مثلما يفعل كثير من الدول‏,‏ ونريد أيضا أناسا يفهمون كيف نخاطب هؤلاء‏,‏ وألا نعتقد أن أسلوب الخطاب السائد بيننا هو أسلوب عالمي صالح لكل الثقافات‏,‏ ولدينا مهمة أخري في الداخل هي أن نتعرف علي قواعد العمل التي لاتسيء للوطن ولاتستعدي عليه أحدا مهما يكن الثمن‏,‏ وألا نبيع ميراث الآباء ومستقبل الأبناء مقابل حفنة من الدولارات أو المنح الرخيصة مهما يبلغ حجمها‏,‏ وأن نطالبهم بالتحلي بالضمير وإعلاء قيم المجتمع المصري الباحث عن الاستقرار والنمو‏,‏ فنحن نسير علي طريق صحيح ومستقيم للتطور والنمو يفتح الأبواب المغلقة ويكرس حريات كثيرة لم نعتدها منذ سنوات بعيدة‏.‏ حيث إننا بلد يتكلم اليوم بلغة واحدة ونفعل ما نقوله ونتطلع إلي بناء مستقبل بلدنا‏,‏ ونحافظ علي علاقاتنا الإقليمية ونتعامل مع الخارج بثقة ويقين وإيمان بما نفعله وبصحة مساراتنا‏,‏ وعلينا جميعا التحلي بقيم الضمير والثقة بمجتمعنا وقياداتنا لمساعداتها عبر المشاركة في كل عمليات الإصلاح بلا تأخير‏,‏ وأن نقف ضد كل العابثين والفوضويين الذين اختلقوا الفوضي الخلاقة أو الذين يتلاعبون بقيم حقوق الإنسان‏.‏ وأن نذكرهم كما نذكر من يساعدهم في الخارج بكلمة الرئيس حسني مبارك في خطابه في كلية الشرطة والذي قال فيه‏:‏

أقول لمن ينصبون أنفسهم أوصياء علي أوضاع حقوق الإنسان في العالم أين كنتم حين ضربت الفوضي شعوبا عديدة؟ كيف كان تحرككم حين طالتكم يد الإرهاب؟ وأين أنتم مما يتعرض له الشعب الفلسطيني من اعتداءات وحصار ومعاناة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى