مقالات الأهرام اليومى

يقـولون عن مصـر‏..‏ فماذا نحن عنها قائلون ؟

في مقال الأسبوع الماضي أشرت إلي أنه ربما كانت زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للمنطقة في عامه الأخير‏,‏ قبل أن يطوي التاريخ صفحته السياسية‏,‏ تمثل اعترافا بأخطائه الفادحة في المنطقة‏.‏ ففي شرم الشيخ وقف بوش‏,‏ أمام جمع غفير من الصحفيين‏,‏ معترفا بكثير مما تهرب منه من قبل‏,‏ ومؤكدا حقائق غابت عن بعض أصوات الداخل‏,‏ وناشد المصريين أن يدركوا أن الولايات المتحدة تحترمهم وتحترم تاريخهم وعاداتهم وثقافتهم اعتذارا عن تصورات أمريكية وضعت مصر ضمن نطاق جغرافي واسع‏,‏ دون اعتبار لخصوصيتها وتميز ثقافتها‏,‏ وعطاء شعبها الحضاري‏.‏ وقد أشاد بحكمة الرئيس حسني مبارك وأعرب عن تقديره للنصائح التي قدمها له‏,‏ والتي تستند إلي خبرة رجل عرك أحداث المنطقة طويلا‏.‏ والحقيقة أن بوش وإدارته صما آذانهما طويلا عن سماع الكثير من النصائح التي قدمها مبارك حول السياسة الأمريكية في المنطقة‏,‏ والتي كان من الممكن أن تغير وجه الحياة فيها‏,‏ وتجنب الولايات المتحدة كثيرا مما تعانيه في أجزاء كثيرة منها الآن‏.‏ ولم يجد بوش مفرا من أن يشكر الرئيس مبارك علي دوره القيادي في الأمن والسلام‏.‏

أما الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي‏,‏ ولم تدركه أصوات الداخل من قبل‏,‏ فهو حديثه عن دور مصر وعن الإصلاحات السياسية والاقتصادية‏.‏ فقبل مجيء الرئيس بوش كانت أقلام الغضب قد صدعت رءوسنا بحديث عن تراجع دور مصر الإقليمي وتراجع مكانتها دون فهم أو حتي اكتراث بتغير مفهوم الدور الفاعل في النظام العالمي الجديد‏,‏ وتباكت تلك الأقلام علي زمن ولي‏,‏ ولم نجن فيه من دورنا القيادي إلا الكثير من الخسائر‏,‏ وجاء بوش وهو رئيس الدولة التي تنفرد بصياغة النظام العالمي الجديد وقال إن‏’‏ مصر دولة مهمة‏…..‏ وإن العالم كله يراقب مصر التي تلعب دائما دورا مهما‏.’‏ وردد الرئيس الأمريكي الحديث عن دور مصر مرات كثيرة في كلمته القصيرة‏.‏

ولعل كلماته قد وصلت إلي مسامع الذين لايدركون مفهوم الزمن في العلاقات الدولية‏,‏ ويريدون النيل من مكانة مصر تحقيقا لأطماعهم وتشويها لوجه مصر الحضاري الذي لايغيب‏.‏ وحينما يتحدث بوش عن مكانة مصر فهو لايتحدث عن رأي شخصي‏,‏ وإنما يعبر عن حقيقة ثابتة في السياسية الأمريكية عبر عنها الرؤساء الأمريكيون الذين سبقوه‏.‏ وبالمصادفة مع زيارة بوش استضافت مصر أخيرا رؤساء‏:‏ فرنسا وسويسرا وتركيا‏,‏ والذين أجمعوا علي حيوية الدور المصري وفاعليته وقدرته علي تحقيق الأمن والسلام في المنطقة‏,‏ فأي دور إقليمي تريده بعض أقلامنا إذا كان المجتمع الدولي يرانا علي هذا النحو؟ وأي دور إقليمي يريدونه في النظام العالمي أحادي القطبية وقد جعل مبارك دور مصر الإقليمي رافدا من روافد دعم تجربتنا التنموية والاقتصادية؟‏.‏

وأي دورإقليمي أفضل من أن يترجم إلي مساعدات وتسهيلات ومشروعات ورءوس أموال وتكنولوجيا حديثة‏,‏ وأعداد تتضاعف من السائحين؟‏..‏ لقد كان دورنا الإقليمي في الماضي عبئا علي مواردنا‏,‏ وأصبح اليوم رافدا من روافد الدعم في كل نواحي الحياة‏.‏

أيضا وقف الرئيس بوش في شرم الشيخ مشيدا بالإصلاحات السياسية والانفتاح الاقتصادي ودور المرأة في مصر‏,‏ أما أصوات الداخل فمازالت تنعي علينا كل إصلاح تحقق‏,‏ وكل إنجاز وقف شامخا علي أرضنا‏,‏ بل إن بعض تلك الأصوات كانت حريصة علي استعداء الحكومة الأمريكية لكل إصلاح يجري هنا أو هناك‏,‏ وقد قال بوش بالحرف الواحد‏’‏ إنني أقدر النموذج الذي تقوم به مصر وتجسده‏,‏ والانفتاح السياسي الذي تنتهجه‏.’‏ وأعود إلي تأكيد أننا في مصر لم نشرع في برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي إرضاء للولايات المتحدة‏,‏ أو استجابة لضغوط منها أو من غيرها‏,‏ وإنما شرعنا فيها حينما أصبح ذلك ضرورة وحلقة من حلقات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في بلادنا‏,‏ ولسنا بحاجة إلي شهادة من الرئيس الأمريكي‏,‏ أو من غيره‏,‏ فما تحقق فعليا في ربوع بلادنا شاهد علي صدق الإرادة وقوة العزيمة ونبل الغاية والمقصد‏,‏ ولكنني توقفت هنا أمام عبارات الرئيس الأمريكي لأشير إلي أن العالم من حولنا يرانا أفضل مما يرانا عليه بعض من يجنون ثمار الإصلاح في الداخل وينعون علينا وجوده‏.‏

……………………………………………………….‏

وربما لم تكن مصر في علاقتها بالولايات المتحدة أقوي مما عليه حين استقبل الرئيس مبارك ضيفه الأمريكي في شرم الشيخ‏.‏ فلقد قطعت مصر علي طريق الإصلاح خطوات هائلة وليس لديها ما تخشاه حين تلتقي الرئيس بوش‏,‏ فالاقتصاد المصري أقوي من أن تتعرض مصر بسببه لضغوط أو إملاءات تحد من استقلال قرارها‏.‏ كما أن مصر قطعت علي طريق الإصلاح السياسي خطوات تفخر بها كثيرا‏.‏

وفي حديث الرئيس مبارك لصحيفة سويسرية أشار إلي أن خطوات الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي تمضي في مسارات متلازمة تحقيقا للتوازن المطلوب في حركة المجتمع علي هذه الأصعدة الثلاثة‏.‏ لكن البعض منا لايقرأون هذه الرؤية القراءة الصحيحة‏.‏ بينما يريد البعض الإصلاح السياسي من نهايته‏,‏ وتظل العلاقات الاجتماعية السائدة عاجزة عن الوفاء بمتطلبات هذه المرحلة من الإصلاح ويظل الاقتصاد أسيرا لآليات عمل لاتتسق مع العلاقات الاجتماعية أو البنية السياسية‏.‏ ولاشك أن تصريح الرئيس للصحيفة السويسرية قد ترجمه الواقع السياسي فعليا‏,‏ في ذلك الحوار الساخن تحت قبة البرلمان بين الحكومة ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات‏.‏

فهذا الحوار الساخن لم يقرؤه الكثير من وسائل الإعلام القراءة الصحيحة‏,‏ واكتفت بالعبارات اللاذعة والاتهامات ونبرة الصوت والأرقام التي تناثرت هنا وهناك‏.‏ ولو أحسن البعض صنعا لوضعوا ذلك الحوار في مكانته التي يستحقها وهي حدث من أهم الأحداث الديمقراطية التي نشهدها‏,‏ فالحوار يمثل نقلة نوعية في تطور المؤسسات الاقتصادية والسياسية في مصر‏,‏ بالرغم من أنه لم يكن بين أطرافه من ينتمي للمعارضة ومن هنا فإنه قد عكس التطور الذي جاءت به التعديلات الدستورية لتفتح الباب واسعا أمام مستوي أعلي من الممارسة الديمقراطية‏,‏ فالحوار الذي تم والمضمون الذي دار حوله يعبر عن مستوي أعلي من الإصلاح الاقتصادي لأنه في جوهره يتعلق برؤيتين للإصلاح يمكن أن تتكاملا لا أن تتناقضا‏

ولم يكن من الممكن أن يجري حوار بهذا المستوي وبهذا المضمون دون الوصول إلي هذه المرحلة الأعلي من الإصلاح الاقتصادي‏,‏ التي تظهر معها بعض المشكلات الجديدة‏,‏ فيبادر الجهاز الرقابي الأكبر بالتنبيه إليها‏,‏ بينما تري الحكومة أن هذه المشكلات ناتجة عن التغيير والتطور‏,‏ وهو الأمر الذي يدفعها إلي التعامل مع الأبعاد الإيجابية لها وليس السلبية‏.‏ وهكذا يبدو الخلاف في هذا السياق طبيعيا‏,‏ حيث يترادف التطور الديمقراطي المطرد مع الإصلاح الاقتصادي المستمر‏,‏ وحينما يتلازمان في تقدمهما تتطور العلاقة بين أجهزة الدولة وتنتقل بأدائها إلي مستوي أعلي‏.‏

……………………………………………………….‏

وكان جديرا بوسائل الإعلام أن تنتبه لهذه الحقائق الكامنة وراء الجدل والحوار الديمقراطي الرائع الذي دار تحت قبة البرلمان‏,‏ بدلا من الانشغال بهوامش صغيرة علي حساب المتن الكبير الذي يحتويه هذا الحوار‏.‏ وللأسف انشغلت معظم وسائل الإعلام لدينا بالتركيز علي أجزاء صغيرة لاتدفع الوعي العام خطوات لازمة إلي الأمام لإدراك مغزي تلك النوعية من الحوارات الديمقراطية‏,‏ والتي من المتوقع أن نشهد الكثير منها في تطورنا الديمقراطي‏.‏ وليست القضية قضية عراك أو مشاحنات‏,‏ وإنما هي قضية مؤسسات تتطور‏

أسامة سرايا

ورؤي تتعارض فتزيد سخونة الكلمات فهذا يحدث في أعرق برلمانات العالم‏,‏ وإنما نحن بحاجة إلي أن ندرب أنفسنا علي القراءة الصحيحة لمثل هذه الأحداث حتي يمكن دعم ثقافة الديمقراطية بين الجميع‏,‏ بما يدفع مسيرة تطورنا السياسي إلي الأمام‏.‏

إن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هو ممثل الدولة المصرية وتابع مباشرة لرئيس الجمهورية ومن الغريب أن تلجأ بعض وسائل الإعلام إلي تصوير الرجل وهو يؤدي الدور المنوط به بأمانة علي أنه زعيم للمعارضة‏.‏ فالرجل قيادة من قيادات الدولة يمارس دوره في إطار القانون والدستور‏,‏ ولم يخرج علي الدولة أو يعارضها حسبما حاولت بعض وسائل الإعلام تصويره‏.‏ والحقيقة أيضا أن بعض الأصوات الإعلامية في حاجة إلي التخلص من قصورها في فهم ما يجري‏,‏ ومعها قطاع واسع من المعارضة التي كان أداء ممثليها في مجلس الشعب ضعيفا ومخجلا حينما تعالي صراخهم خلال حوار لابد أن نعتبره من أهم الحوارات تحت قبة البرلمان‏.‏

……………………………………………………….‏

لقد كان هذا الحوار غنيا بالمعاني والدلالات بعيدا عن سخونة الكلمات والتهاب الأعصاب‏,‏ فهو حوار يشير إلي أننا علي الطريق الصحيح‏,‏ ولكنه طريق طويل يتطلب كثيرا من العمل واليقظة والفطنة أيضا‏.‏ وقد كان كافيا لتقويم أداء الحكومة‏,‏ ودعم قدراتها علي تحمل حوار بناء غير مسبوق‏.‏ إن علي المعارضة أن تبدي سعة صدر تجاه النصائح الإيجابية التي تعينها علي المزيد من الإنجازات والأفضل من الأداء‏,‏ وعلي الحكومة أن تميز بين النقد الهادف الرامي إلي مساعدتها في أداء مهمتها‏,‏ وبين الهجوم الذي لايعني سوي الإثارة والتشويش علي النحو الذي قامت به بعض وسائل الإعلام وبعض ممثلي المعارضة‏.‏

……………………………………………………….‏

إننا بحاجة شديدة إلي أن نتعافي من ميراث الماضي في السياسة والاقتصاد والإعلام‏.‏ فلقد تغير العالم من حولنا‏,‏ وتغيرنا نحن كذلك‏,‏ ولابد لنا‏,‏ ونحن نتعامل مع القضايا المختلفة‏,‏ أن نستند إلي واقع معاصر له آلياته المختلفة عما ساد بيننا زمنا‏.‏ فنحن نحتفي كثيرا بكل ما ضمته سنوات الماضي‏..‏ صحيح أن الماضي ليس شرا محضا‏,‏ ولا خيرا محضا‏.‏ والواجب أن ندرسه باعتباره تجربة يمكن أن تستمر بعض مفرداتها‏,‏ ولابد أن تغيب مفردات أخري منها‏,‏ حين تتقادم وتعجز عن مواجهة الواقع المعيش‏,‏ فلسنا وحدنا الأمة التي تمتلك ماضيا ولكن الأمم تأخذ من ماضيها ما يعينها علي الانطلاق بقوة إلي المستقبل

ومن الصعب أن يحكم الماضي أمة تعيش علي أرض الحاضر‏,‏ ومن أمثلة ذلك ماحدث هذا الأسبوع حين احتفت وسائل الإعلام وقطاعات من الرأي العام برسائل كان الكاتب الكبير قد سطرها منذ ربع قرن‏,‏ وقرر لسبب يخصه أن ينشرها في ضجيج إعلامي يحتفي كثيرا بالقائل ويعني قليلا بما يقول‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى