مقالات الأهرام اليومى

بوش في الشرق الأوسط‏..‏ الزيـــارة والزائـــــر

حينما يزور أي رئيس أمريكي دول المنطقة‏,‏ فهذا يعني اعترافا منه بقوة هذه الدول‏,‏ ومكانتها وأن لها ثقلها السياسي والاقتصادي‏,‏ وقدرتها الفريدة علي توجيه الأحداث في العالم‏.‏ وإذا كانت هذه الزيارات ترتبط كذلك بقوة الولايات المتحدة‏,‏ فإنها ترتبط أيضا بقدرات الزائر ورؤيته وسياساته وتاريخه‏,‏ وفي هذه الزيارة ربما كانت مهمة الرئيس بوش في المنطقة هي الأصعب في مسلسل زيارات الرؤساء الأمريكيين منذ الحرب العالمية الثانية‏.‏ فالأجواء التي تتم فيها تخيم عليها تداعيات مؤلمة وباهظة التكلفة لسياسات يتحمل بوش ومساعدوه في إدارته المسئولية الكاملة عنها‏.‏ وربما يدرك الرئيس الأمريكي وفريق إدارته أنه يخطو اليوم علي أرض‏,‏ تجسدت فيها أخطاؤه الكبري طوال السنوات التي قضاها في البيت الأبيض‏

فلقد أشعل النيران في كل جوانبها‏,‏ وأحدث نزيفا بشريا بين سكانها لم يزل ينزف‏,‏ فهناك ضحايا كل يوم في العراق وفلسطين والسودان ولبنان وفي غيرها‏,‏ ومازال يبشر بنزيف آخر أكبر وأخطر في منطقة الخليج بعد أن حنث بكل الوعود التي قطعها في مطلع عهده بقيام دولة فلسطينية‏,‏ لشعب استمرت معاناته نحو ستين عاما‏,‏ وفشل مشروع خريطة الطريق الذي طرحه‏,‏ وقدم أسوا نموذج لإدارة كارثة بحجم تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام‏2001.‏ وفتحت سياساته الباب واسعا أمام صراعات وحروب إقليمية بين الشعوب والأديان‏,‏ وكرست المخاوف من النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة‏,‏ وقادت المنطقة إلي حروب عبثية وتدخلات غير مبررة في شئون المنطقة الداخلية‏.‏ واقتحم خصوصيات الشعوب الثقافية والسياسية‏,‏ فأحدث فيها اضطرابا غير مسبوق‏.‏

ولقد غادر بوش بلاده‏,‏ التي لم تنس له انتهاك الدستور والكذب المتعمد علي الشعب الأمريكي وتسببه في فقد الولايات المتحدة احتراما كبيرا لها في العالم‏,‏ وفي مقتل أربعة آلاف جندي أمريكي‏,‏ ليهبط أرضا تسكنها شعوب لن تتسامح مع خطاياه الماثلة في كل دولة من دول المنطقة‏.‏

ومع كل ذلك فإننا حين نستقبل بوش فليس بوسعنا إلا أن ندرك حقيقة أنه رئيس الدولة الأقوي والأكبر في عالم اليوم‏,‏ وهي حقيقة تتطلب منا البحث في ركام السياسة الأمريكية عن بارقة أمل في إمكان العمل معا من أجل السلام‏,‏ وتحقيق الاستقرار وحماية مصالح الشعوب العربية‏,‏ وفي المقدمة منها حقوق الفلسطينيين في دولة مستقلة واستعادة الحقوق الضائعة للشعب العراقي‏.‏ وربما كانت زيارة بوش للمنطقة في عامه الأخير قبل أن تطوي صفحته السياسية اعترافا بأخطائه الفادحة‏.‏ وإذا لم يكن يدرك هذه الحقيقة فلابد أنه سوف يسمع ذلك كثيرا في الشرق الأوسط‏,‏ خاصة في القاهرة حيث دأب الرئيس حسني مبارك علي مواجهة الأمريكيين بأخطائهم في المنطقة لسنوات كثيرة من حكم بوش‏.‏ وكان صريحا في كل المواقف مع الإدارة الأمريكية

وهي الصراحة التي تسببت‏,‏ في بعض الأحيان‏,‏ في تعكير صفو العلاقات المصرية ـ الأمريكية‏.‏ وربما يدرك الرئيس بوش اليوم كم كانت القاهرة راغبة في المواءمة بين المصالح الأمريكية والمصالح الإقليمية لشعوب المنطقة‏,‏ باعتبار ذلك من أساسيات العمل السياسي‏.‏

ولكن الإدارة الأمريكية أغرتها القوة فاندفعت وراء طموحات واهمة‏,‏ وأصمت أذنيها عن أن تسمع آراء حكماء الشرق الأوسط‏.‏ فعبر مراحل العلاقات المصرية ـ الأمريكية لم يكن هناك اتفاق كامل‏,‏ أو اختلاف كامل بشأن الكثير من القضايا الإقليمية‏,‏ ولكن مع سياسات بوش طرأ اختلاف من نوع جديد هو اختلاف المنهج‏,‏ خاصة حينما أعلن الرئيس الأمريكي عبارته المشهورة‏’‏ من ليس معنا فهو ضدنا‏’‏ وهو منهج يختزل الدنيا في موقفين اثنين فقط لاثالث لهما‏,‏ وهو أمر يتنافي تماما مع أي فكر رشيد‏,‏ ولايتفق مع التراث الإنساني في السياسة وفي غيرها‏.‏

ولم تقبل مصر هذا المنهج جملة وتفصيلا‏,‏ فليست هي التي تقبل بسياسات تراها خاطئة‏,‏ إعمالا لذلك المنهج العقيم

ولم تتردد في نقد السياسة الأمريكية في مواطن الخطأ‏,‏ بالرغم من الفتور الذي جاء به هذا النقد ليصيب العلاقات بين البلدين‏.‏ وربما قبلت دول أخري منهج إدارة بوش‏,‏ ولكن مبارك لم يقبل به يوما حماية لدور مصر الإقليمي‏,‏ ومكانتها واعتزازا بمواقفها المبنية علي مصلحة شعبها وشعوب المنطقة أيضا‏.‏ وقد كانت وسيلة الإدارة الأمريكية في كل مرة تعلن فيها مصر موقفها المخالف للسياسة الأمريكية‏,‏ هي تصريحات لمسئول أمريكي يمس فيها بكلمات بعض شئون مصر الداخلية‏,‏ ومع ذلك لم تتراجع مصر عن منهجها المعلن والمخالف لنهج السياسة الأمريكية‏.‏

…………………………………………………………..‏

لقد حذر الرئيس حسني مبارك الإدارة الأمريكية‏,‏ مرات ومرات‏,‏ من خطورة ذلك المنهج‏,‏ وتأكيده أن الشعب الأمريكي لن يتحمل كثيرا التبعات التي يأتي بها منهج السياسة الأمريكية في مواجهة الإرهاب‏,‏ وربما فرضت التطورات التي تلاحقت منذ الفشل في غزو العراق وتداعيات حرب الإرهاب علي علاقات الشرق والغرب شيئا من الرغبة في التراجع والتصحيح والعودة إلي جادة الصواب‏,‏ وهو ما ظهر واضحا في الأشهر القليلة الماضية‏.‏ ولعل المراجعات في الإدارة الأمريكية تطال الآن وضع القضية الفلسطينية من منطلق الرؤية المصرية التي تري هذه القضية مفتاح مستقبل التسوية والاستقرار في المنطقة بأسرها‏.‏

لقد كان المحافظون الجدد يرون أن القضية الفلسطينية سوف تنتهي بإعادة ترتيب المنطقة بعد بناء العراق بالشكل الذي يريدونه‏,‏ وظن الأمريكيون أن الطريق إلي إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي يمر بالعراق بدلا من الطريق الطبيعي الذي لابديل عنه‏,‏ وهو المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية‏,‏ في إطار الشرعية الدولية‏,‏ وصولا إلي حل سلمي عادل وحقيقي للقضية الفلسطينية‏.‏

أسامة سرايا

وربما كان الرئيس بوش في الفترة الأخيرة قد راجع موقفه من القضية الفلسطينية وأهميتها لأمن واستقرار المنطقة‏,‏ وهو ما أكدته مصر مرارا للقيادة الأمريكية بعيدا عن آليات حل الصراع التي سوف تتبناها الولايات المتحدة‏,‏ فلقد خرج بوش بدعوته إلي مؤتمر أنابوليس‏,‏ وكان هذا مؤشرا للتغيير في الاتجاه الصحيح بغض النظر عما انتهي إليه المؤتمر من نتائج‏,‏ لكن الطريق مازال طويلا ليس فقط بشأن الأوضاع الفلسطينية‏,‏ وإنما بشأن كثير من القضايا المعلقة في ملف العلاقات المصرية ـ الأمريكية‏,‏ ومنها إيران والسودان والصومال وأفغانستان والعراق‏.‏

إن التغير الذي طرأ علي الموقف الأمريكي مازال طفيفا‏,‏ ولكنه في الاتجاه الصحيح‏,‏ فالإدارة الأمريكية التي ظلت مصممة علي أن تلقي الأوامر ولاتسمع لأي صوت مهما يكن شأنه‏,‏ تبدو الآن أكثر رغبة في أن تستمع وأن تحاور اعترافا بأخطاء المنهج السابق‏,‏ وربما كانت زيارة الرئيس بوش للمنطقة فرصة فريدة لم تتح من قبل لأن يسمع ويراجع في هدوء أهمية الحوار مع حكماء المنطقة‏,‏ وأن يسمع أصواتا غير تلك التي استمع إليها في مكتبه علي بعد آلاف الأميال من المنطقة‏,‏ التي تستوعب الجزء الأكبر من تحركاته الخارجية‏,‏ ربما فات الوقت علي الرئيس بوش وإدارته أن يستفيد كثيرا مما سوف يستمع إليه في المنطقة

فقد دهمه الوقت وهو مازال يعاني أزمة السقوط في المستنقعات‏,‏ ولكن من المهم أن يستخلص الرئيس من تجاربه دروسا ربما تفيد من يأتي بعده لتصحيح مسيرة الأخطاء التي وقعت فيها الولايات المتحدة‏,‏ وربما كان غاية ما يحققه بوش في جولته بشأن القضية الفلسطينية‏,‏ هو إعادة ثقة العرب بالولايات المتحدة كوسيط للسلام في المنطقة‏,‏ بعد أن تردت تلك الثقة في ضوء الرغبة العربية الجادة في السلام‏,‏ والمراوغة الإسرائيلية بتأييد أمريكي كامل‏.‏

…………………………………………………………..‏

وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي من إيران‏,‏ والذي يبدو أنه يمثل النسبة الأكبر من أسباب زيارة بوش للمنطقة‏,‏ حيث أعلن في كلمته الإذاعية الأسبوعية أن زيارته سيكون هدفها تشجيع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين واحتواء الطموحات العدوانية لإيران‏,‏ فإن العرب جميعا لديهم مخاوف من النشاط النووي الإيراني‏,‏ ولكن تلك المخاوف لن تدفعهم إلي حدود التطابق مع الموقف الأمريكي وسياساته نحو إيران‏,‏ ولابد ان يدرك الرئيس الأمريكي هذه الحقيقة قبل أن يحاول ممارسة أي ضغوط في المنطقة

فمن ناحية يبدو أن قدرته علي ممارسة الضغوط تتراجع كثيرا‏,‏ حيث انطلق قطار انتخابات الرئاسة الأمريكية‏,‏ فضلا عن أن الأخطاء المتعددة له في المنطقة تقوض نجاحاته في الحصول علي مايريد من العرب تجاه إيران‏,‏ ومن ناحية أخري‏,‏ فإن المخاوف العربية لها أسبابها ومبرراتها التي تختلف تماما عما يشعر به الأمريكيون والإسرائيليون علي السواء‏.‏

…………………………………………………………..‏

وتأتي زيارة بوش لمصر والجدل مازال محتدما حول المعونة الأمريكية والشروط السياسية المرفوضة‏,‏ التي تريد الولايات المتحدة ربطها بما تقدمه من معونات‏,‏ فرضوخ الكونجرس لضغوط معروفة بتعليق جزء من المعونة في مقابل شروط لايليق أن توجه لدولة بحجم مصر ومكانتها‏,‏ هو تعبير عن توجه يضر كثيرا بالسياسة الأمريكية في المنطقة بأسرها‏,‏ ولابد أن بوش سوف يجد ملف المعونات الأمريكية مفتوحا في القاهرة‏,‏ ولابد أنه سيقف علي حقيقة ما تحصل عليه مصر فعليا من المعونة الأمريكية‏,‏ حتي يضع تلك المعونة في حجمها ووزنها الصحيح‏,‏ ويعرف أنها أقل كثيرا من أن تتحول إلي ورقة للضغط علي الحكومة المصرية‏

وأنها في نهاية الأمر ليست سوي لعبة سخيفة للمناورة بين الإدارة والكونجرس الأمريكي فيما يتعلق بالمواقف المصرية إقليميا‏,‏ إذ لم يعد ما تبقي من المعونات الاقتصادية الأمريكية السنوية لمصر شيئا يماثل الاستخدام السياسي لها‏,‏ تارة من أجل مواقف إقليمية‏,‏ وتارة أخري من أجل تغيير أوضاع داخلية هي بالأساس مرهونة بإرادة المصريين وليس الأمريكيين‏.‏

إن الإدارة الأمريكية لم تستوعب شيئا من دروس الماضي القريب والبعيد فيما يتعلق بما تقدمه من معونات‏,‏ فلقد ناقش الكونجرس الأمريكي المعونة في إطار تدخلات غير مقبولة ومرفوضة شكلا وموضوعا في شئون مصرية خالصة‏,‏ ليس لأمريكا ولا لغيرها أن تتطرق إليها‏,‏ وقد تطرق النقاش أيضا لمواقف مصر من العراق والسودان وفلسطين‏,‏ ويريد البعض في واشنطن أن ترتب مصر أولويات أمنها القومي في ضوء الرؤية والمصالح الأمريكية‏,‏ وأن يخضع الأمن القومي المصري لرضاء واشنطن حتي لاتتوقف المعونة وتتوقف معها الضغوط من أجل ما يريده الأمريكيون‏,‏ فأي شعب أو حكومة يمكن أن تقبل هذا العبث‏,‏ وأي مصالح يمكن أن يحققها الأمريكيون جراء تلك اللعبة السخيفة الممجوجة؟‏!.‏

…………………………………………………………..‏

إن مصر لن تقبل أن ترهن قرارها وإرادتها السياسية وترتيب أولويات أمنها القومي بأي معونة خارجية مهما يكن حجمها‏,‏ فمنذ سنوات وكثيرون من المصريين يمارسون الضغط علي حكومتهم لكي تضع نهاية لمهزلة المعونة التي تتحول كل عام إلي سجال سياسي داخل أروقة الكونجرس والإدارة الأمريكية‏,‏ ويجب أن يعرف الرئيس بوش أن مصر تقبل المعونة من باب التعاون والعمل المشترك‏,‏ وأنها لايمكن أن تتحول إلي ورقة لممارسة أي إملاءات سياسية‏,‏ سواء فيما يتعلق بالموقف المصري من القضايا الإقليمية‏,‏ أو فيما يتصل برؤية المصريين وحكومتهم لتحقيق التنمية والتطور في جميع مجالات حياتهم وشئونهم الداخلية‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى