مقالات الأهرام اليومى

التاريخ سيفرد صفحات لم تذكر غير الرئيس مبارك‏..‏ الذي أعــاد للمصـريين حق إختيـار من يحكمهم

تهنئة مبارك بنجاح التجربة السياسية الأبرز في تاريخنا التي صنعتها مبادرته لاتقل أهمية عن تهنئته بإختيار الشعب له لقيادة مسيرته انتهت قيود الحملة الإنتخابية التي التزمنا بها‏..‏ وقال المصريون كلمتهم باختيارهم الحر‏..‏ فيمن سيقود مسيرتهم في المرحلة المقبلة‏.‏

والمؤشرات ـ قبل الحملة وبعدها والتي تدعمها النتائج الأولية ـ تكشف عن اختيار المصريين حسني مبارك رئيسا في أول انتخابات رئاسية في تاريخ مصر‏.‏ وهذا الاختيار ليس وليد حالة عاطفية برغم وجودها‏..‏ أو حالة احترام واعتزاز بماضيه برغم وجودها أيضا‏..‏ ولكنه تعبير عن ثقة في وعوده‏,‏ وعن بالأمن في حاضره‏..‏ وأملا في مستقبلهم معه‏.‏ فلقد قال المصريون كلمتهم‏..‏ وعلي الجميع في الداخل والخارج احترام تلك الإرادة التي عبرت عنها صناديق الانتخاب‏.‏

لقد نجحت مصر‏..‏ ونجح مبارك في اختبار حقيقي‏,‏ وفي مناخ حرية الاختبار وجدية التنافس‏ وسوف نقف طويلا أمام التجارب المستفادة من خبرة الأسابيع الثلاثة الماضية‏..‏ لنستدعي تجاربها وما توافر لدينا من معلومات وحوار مع الشارع المصري بكل أطرافه‏,‏ لنضع معا أجندة المستقبل‏,‏ ولنتوقف عند ما أفرزته تلك التجربة‏,‏ فاليوم يمثل نهاية حدث‏..‏ وبداية مرحلة‏.‏

فلقد انتهي سباق الرئاسة‏..‏ وبقيت التجربة‏,‏ وللشعب المصري أن يفرح بتجربته وبأدائه خلال تلك الفترة‏..‏ حيث اجتاز التجربة الأولي بعمق‏,‏ وأعادت ذاكرته الجماعية مخزون السنين المتراكم‏..‏ وتعد فرحة المصريين هي أول عوامل الحفز والتحرك نحو المشاركة‏..‏ والتفاعل‏.‏ وهي إشارة واضحة علي قدرتنا علي التغيير والتكيف‏..‏ لأن هذا التفاعل هو الذي يصنع العمل‏,‏ ويدعم قدراتنا علي الوفاء بما نقول‏..‏ وبأننا قادرون علي البناء السياسي والاقتصادي‏..‏ فالمستقبل يحمل الكثير لمسيرة الديمقراطية‏.‏

ومن بين أبرز ما كشفت عنه الأيام‏,‏ تلك العلاقة التي نشأت بين المصريين وبين ذلك الحدث الكبير‏.‏ فلم يحدث أن سيطرت انتخابات علي وجدان الشارع المصري مثلما حدث في الانتخابات الأخيرة‏,‏ حيث بدأ المصريون تعاملهم مع انتخابات الرئاسة بداية حذرة بسبب ميراث قديم‏,‏ وشيئا فشيئا أدرك الجميع أن الواقع مختلف عن التصورات المستمدة من تجارب سابقة‏.‏ وسري شعور جديد وحدث تفاعل كبير بلغ مداه مع نهاية حملات المرشحين‏.‏

والحقيقة أن هذا التفاعل كان أكبر حجما من عدد الذين شاركوا في الانتخابات نفسها‏,‏ حيث فوجئ الكثيرون بأنهم لم يستعدوا لهذا اليوم باستخراج بطاقات الانتخاب‏.‏ ولعل أولي نتائج هذه التجربة وأكثرها أهمية هي الرغبة القوية التي تولدت بالاستعداد لتجارب قادمة‏.‏ وعلي الجميع أن يتوقعوا زيادة هائلة في عدد المشاركين في الانتخابات التالية‏.‏ وقد كان موقف البعض في الداخل مشابها لموقف البعض في الخارج‏,‏ حيث تحفظت وسائل الإعلام العربية والعالمية مع الحدث في البداية وأثارت عشرات التساؤلات‏,‏ ولكن تطور الأحداث فرض علي الجميع في الداخل والخارج التعامل بجدية مع الحدث الذي فرض طابعه الديموقراطي علي الإعلام العالمي شأنه في ذلك شأن الأحداث الديموقراطية في أي مكان من العالم‏.‏

ولعل مساحة الحدث الانتخابي في وسائل الإعلام العربية والعالمية تؤكد النجاح الذي تمنيناه‏.‏

لقد غيرت الأسابيع الثلاثة الماضية ملامح تاريخ طويل من العمل السياسي في مصر لدي المصريين وغير المصريين علي السواء‏.‏ وكانت الاستجابة في حجم التحدي الذي بدأه الرئيس مبارك في فبراير الماضي‏,‏ وسوف يذكر التاريخ لمبارك أنه فتح الباب لرياح ديموقراطية قوية تهب علي وادي النيل ودلتاه بعد قرون طويلة من الركود السياسي‏,‏ وسوف يذكر التاريخ أيضا أولئك الذين استجابوا بحق لما دعاهم إليه‏.‏

أسامة سرايا

لم تحجب مشكلات الواقع إنجازات السنين
كما كشفت اختيارات المصريين في الانتخابات الرئاسية قدرة هذا الشعب‏,‏ وحكمته‏,‏ ووعيه الكامن في الأوقات الفاصلة التي تمس فيها الأحداث وجوده وبقاءه ومصيره‏.‏ كانت انتخابات الرئاسة واحدة من تلك الأوقات‏.‏ وقد عبر الناخب المصري فيها عن قدرته علي الاختيار الحر الرشيد‏,‏ اختيار الحكمة الضاربة في أعماق التاريخ‏.‏ فلم يخضع لوعود أرادت أن تداعب أحلامه‏,‏ وتستثمر الأوهام التي كثيرا ما يبتسم المصريون لها في ظاهرهم ويسخرون منها في أعماقهم‏.‏

ولم يستجب الناخبون لطموحات المغامرات السياسية‏,‏ وقادتهم خبرات السنين نحو اختيار يستجيب للواقع المحلي والإقليمي والدولي‏.‏ ولم ينس المصريون ما كانت عليه الأحوال في التعليم والصحة والطرق والتليفونات والتكدس العمراني والزراعة والصناعة‏,‏ أو الواقع الإقليمي لمصر التي عاشت سنوات من العزلة بين أشقائها وجيرانها وقطعة عزيزة من أرضها ترزح تحت الاحتلال‏.‏ لم يغب ذلك الماضي عن الذاكرة ولم تحجب مشكلات الواقع إنجازات السنين‏.‏إذ لم تكن سنوات حكم الرئيس إلا داعمة لقرار المصريين باختياره والثقة في عطائه القادم‏.‏ فالذي واجه المشكلات الكبري‏,‏ وهي طبقات تراكمت وتعقدت هو الأقدر علي إزالة ما تبقي منها في دروب التنمية والتقدم‏.‏

من هذا المنطلق أدرك الجميع أن مبادرة الرئيس أصبحت وعدا وأصبح الوعد التزاما لرجل له تاريخ‏.‏ كان خيار المصريين درسا بليغا وخبرة لازمة للسياسيين في مخاطبة الناخبين‏.‏ وسيقول الرافضون ما حلا لهم أن يقولوه‏,‏ ولكن الإرادة الشعبية عبرت عن نفسها‏,‏ ولم يبق أمامنا إلا أن نمضي مع الرئيس علي الطريق الذي وعدنا بالسير فيه‏.‏ طريق يسير بنا إلي تدعيم إرادة الاختيار الحر‏,‏ واستكمال البناء الديموقراطي‏,‏ ومواجهة مشكلات الداخل وتحديات الخارج‏.‏

وهذا الطريق الذي يدعونا إليه الرئيس مفتوح أمام الذين انتخبوه أو انتخبوا غيره‏,‏ أو حتي الذين اختاروا العزلة أو الهروب من عرسنا الديموقراطي‏.‏ فليس أمامنا اليوم من طريق سواه‏,‏ فهو طريق يقودنا إلي صالح هذه الأمة وخير أبنائها‏,‏ وقد اختار الناخبون مبارك من أجل المضي في هذا الطريق‏.‏ ولن يستقيم السير في الطريق وبلوغ مداه دون خطي منتظمة ورؤية شاخصة للأمام وثقة في الغد القريب والبعيد‏.‏

الخطاب السياسي والإعلامي والمستقبل
ولعل الجميع اليوم مطالبون بإعادة تقييم لغة الخطاب السياسي والإعلامي في حملات المرشحين والتغطية الإعلامية لتلك الحملات‏.‏ فلقد جاء الخطاب السياسي والإعلامي مفاجئا للجميع‏,‏ وإن تعددت أسباب المفاجأة ودواعيها‏.‏ كان هناك خطاب عقلاني هادئ وخطاب خافت بلا ملامح وخطاب ثالث علا فيه الضجيج والصراخ فكان أقرب إلي التشويش‏.‏ والحقيقة أن خطاب الرئيس مبارك كان هو الأقرب إلي العقلانية المحكومة بخبرة السنين‏,‏ والفهم الواعي لأبعاد الواقع وتقدير المخاطر الداخلية والخارجية‏.‏ فلقد تحمل الرئيس مبارك من المرشحين الآخرين الكثير‏,‏ ولكنه لم يتعرض في خطابه لشيء منها‏.‏

فجاء تعبيرا عن رؤيته المحددة سلفا‏,‏ ولم يسمح لخطاب الآخرين أن يكون له تأثير في برنامجه‏.‏ ورفض تحيز وسائل الإعلام له‏,‏ كما رفض أي تدخل حكومي لمصلحته‏,‏ وحافظ علي المسافة الفاصلة بين واجباته رئيسا للجمهورية ومهامه مرشحا لانتخابات الرئاسة‏.‏ وخاض التجربة من موقع مسئوليته الكاملة عن التجربة كلها ناخبيها ومرشحيها علي السواء‏.‏ وإذا كان لنا أن نهنئ الرئيس علي فوزه في الانتخابات‏,‏ فإن تهنئة أخري واجبة بنجاح الاختبار الديموقراطي الأبرز في تاريخنا الحديث والمعاصر‏.‏

لقد جاء الخطاب الإعلامي انعكاسا للخطاب السياسي‏,‏ متوازنا لدي بعض وسائل الإعلام‏,‏ وساخطا ناقما مشككا في البعض الآخر‏.‏ وإذا كان الحدث الانتخابي قد انتهي‏,‏ فإن الخطاب الإعلامي لم ولن يتوقف عن الحدث أو غيره من الأحداث المقبلة‏.‏ وربما يكتشف أصحاب الخطاب الساخط أن كثيرا من السخط غير المبرر قد يولد العزوف أوالهروب أو تجنب التعرض لهذا الخطاب‏.‏

وأستطيع أن أقول إجمالا إن أي مؤرخ لتطور الديموقراطية المصرية سيتوقف أمام انتخابات الرئاسة في سبتمبر‏2005‏ التي أدخلها الرئيس حسني مبارك في القاموس السياسي المصري والعربي‏.‏ فهذه الانتخابات الرئاسية تمثل علامة فارقة في تطور الديموقراطية المصرية منذ إنشاء مجلس شوري القوانين في القرن التاسع عشر ومرورا بصدور دستور‏1923‏ وثورة‏1952‏ بما لها وما عليها‏.‏

والانتخابات الرئاسية مثل الأحداث الكبري في التاريخ لاتحتمل الوقوف أمام تفاصيل صغيرة تقال هنا أو تثار هناك‏.‏ فهي مرهونة بتأثيراتها الكبري علي حركة التاريخ ومسيرة الشعوب‏.‏ وأحسب أن مبادرة الرئيس حسني مبارك ستغير وجه الحياة السياسية في مصر‏,‏ وسوف تحمل الأيام من نتائجها في المستقبل ما لم يظهر في حياتنا بعد‏,‏ بالرغم من الإيجابيات الكثيرة التي تمخضت عنها‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى