مقالات الأهرام اليومى

قرآن كريم.. ورمضان كريم

بسم الله الرحمن الرحيم.. نستفتح بأكرم الأشهر، وإن كان الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة، فهو شهر القرآن الكريم: «إنا أنزلناه فى ليلة القدر» كما أن القرآن الكريم كان يعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم فى كل رمضان، حتى كان العام الذى قبض فيه صلى الله عليه وسلم، فعرض مرتين، (تأمل حكمة عرضه مرتين)، كانت للشهر الكريم خاصة، وللتاريخ إلى آخر الدنيا. القرآن كلام الله تعالى، وله أسلوب خاص، يعرفه أهله، أو من يسعون ليكونوا من أهله.. قررت أن أكتب عنه، رغم صعوبة ذلك بالنسبة لى، ولكنى مهتم.. اللهم عونك وتيسيرك.. فقد وجدت أن أفضل ما أنصح به فى هذا اليوم، وبداية شهر الصوم هو أن أدعو كلا منا إلى أن ندرس القرآن بعد قراءته، والتمعن فيه، حتى تستكمل العبادة مجراها فى صيامنا، حيث كان لنا نحن العرب، والمسلمين خاصة، أعظم انقلاب فى تاريخ الإنسان، فى تأثيره فى أنفس العرب خاصة.

 

كما أننى أدركت، ببحث سريع، أن من أحد أسباب ما نتعرض له الآن، من صعوبات جمة، هو أننا نعيش جهلا شديدا بالقرآن الكريم، ورغم أن الله حفظ دينه، وحفظ لغته، ونشرهما على أوسع نطاق، فإن ما نحتاجه الآن هو أنه لا بد أن ينظر كل منا، بمساعدة نفسه أو غيره، فى كتابنا من الدعوة إلى إطالة الفكر والتأمل.. فإن ذلك يحدث له رؤية، وتنشئ له الرؤية أسبابا إلى الخواطر، وتفتح له الخواطر أبوابا من النظر، ويهديه النظر إلى الاستنباط أو الاستخراج، فإن وقع هذه الغاية فحظه من القراءة حيث يقع، وإن بلغها، فهناك مداخل الحجج ومخارجها، وتصاريف الأدلة ومدارجها، ثم الإفضاء إلى مذاهب الحكمة ما اشتهى، ثم الانتهاء إلى حيث ترى كل حكيم انتهى، (كما قال العارفون)، فإن قصرنا فضعف ساقه العجز إلينا، فإن قاربنا، فذلك فضل الله علينا، فهناك عذوبة ترويك، وهناك من ماء البيان ورقة تستروح منها نسيم الحنان، ونور تبصر فيه مرآة الإيمان وجه الأمان.

إن القرآن هو ميسر السماء، فهو نور الله فى أفق الدنيا، بل هو معنى الخلود فى دولة الأرض، وإذا تدبرناه، منحنا الخالق منه روحا تعيش بنا إلى الأبد، وتصحبنا فى كل مراحلنا حتى نلقاه.. وما من عصر إلا وهو مقلب صفحة منه حتى تنتهى الدنيا عند خاتمته، فإذا هو خلاء (من الجنِّة والناس)، وهذه الجملة هى كذلك خاتمة صور القرآن الكريم فى المصحف، ولقد أراد الله ألا تضعف قوة هذا الكتاب، وألا يكون فى أمره تقادم الزمن، فلا سبيل عليه ليد الزمن وحوادثه مما تبليه أو تستجده، إنما هو روح من أمر الله تعالى، نزله وهو يحفظه(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) ومازال الناس قديما يأخذون فى ناصيته وقليل منهم وصل وقليل من هؤلاء اتصل. ودعاؤنا للخالق: اللهم اجعلنى منهم جميعا، ونحن نتذكر فى كتاب الله الذى نزل مفرقا آياته، وكأنه نزل أمس (الوحى ابتدأ فى سنه 611 للميلاد بمكة، ثم هاجر منها النبى صلى الله عليه وسلم 622م إلى المدينة، فنزل مكيا ومدنيا)، واستمر نزوله (كآيات مفرقة) مثلما يكتب المعاصرون على أجهزة الإنترنت (كل آية قصة تحمل كل معانيها (مفرقا ومجمعا)، يصل إلى نتيجة واحدة، أن إعجاز هذا الكتاب يتأكد لنا فى كل لحظة، وكل قراءة.

واستمر ينزل الوحى حتى السنة الحادية عشرة للهجرة 633، سنة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهى حكمة قديمة، ولكنها معاصرة كذلك( 20عاما مدة نزول القرآن الكريم)، وهى استدراج العرب، وتصريف أنفسهم بأوامره ونواهيه، حسب التوازن، وكفاءة الحادثات، ليكون تحولهم أشبه بالسنة الطبيعية، كما نمو الكائن الحى وتطوره، أى أننا إذا امتلكنا مصيرنا وقدرتنا، وأصبحنا أصحاء، ووجدنا من يرشدوننا، ومجتمعا صحيا، فإنه من الممكن أن تتحول مجتمعاتنا كلها، فى خلال تلك الفترة الوجيزة( عقدين من الزمن) إلى فهم كامل لمعنى الحياة، وسر الوجود، فنملك أخلاقا وقيما تصنع مجتمعا صحيا ومتطورا فى مثل هذه المدة( 20 عاما على الأكثر)، ولتكن من وحى القرآن، وأن تصدر من كل فرد فينا، وليس من بعض رجال الدين فقط الذين أرادوا أن يكونوا سدا بيننا وبين الدين، ثم ظهرت جماعات أرادت احتكار الدين لها، فبعدنا كثيرا، ثم قاموا بتخويفنا من ديننا، وكأنهم أصبحوا هم أصحاب الرسالة الخالدة.

لا أهاجم رجال الدين، ولكن بعضهم مسئول إلى حد كبير عن تخلفنا، وعن عدم قدرتنا على فهم ديننا، فقد كانوا يعقدون الأمور أكثر من تبسيطها، ثم إنهم أوكلوا الدين إلى جماعات متنافرة متصارعة، فى حين أن الخالق عز وجل طالب كل منا بمعرفة دينه وحده، وأنزل لنا كتاب الله، أُحكمت آياته، ثم فصِّلت من لدنه على حكمته وعلمه، وتحت أيدينا جميعا (القرآن الكريم) نملكه جميعا المعجزة التى بقيت إلى اليوم فى تاريخ الأرض، وإنه لقرآن كريم، أى متجدد العطاء. يحمل فى ذاته وحيا كاملا، تحيط به أوضاع الغيب والإنسان والطبيعة، ومن خصائصه الاستمرارية، وفى إطار الوعى الحضارى والإنسانى الذى من شأنه التعامل مع كل الحضارات والمجتمعات المعاصرة، وتلك اللاحقة، تبعا لمتغيرات العصور..

العقيدة القرآنية تحمينا من التعصب والتطرف، وتصل بنا إلى الإنسان المتعدد الجوانب، الشامل الأركان، وتدفعنا إلى العلم والعمل معا، وتنقذنا، وتكشف لنا جوانب ما فعله بنا المتطرفون والإرهابيون الذين هم أبعد ما يكونون عما أراده الخالق لنا من حياة كريمة، ولنفهم أسلوب القرآن فى التعبير بالشفرة عن الأسرار والغيوب.. ولو أنك عملت بما تعلم لكشف الله لك علم ما لا تعلم.. ولو أردت أن يكشف لك الخالق غموض ما يكتنف نفسك، وطلبت ذلك، لأدركت الغموض بالكشف، ولرؤية الغيب شهودا، فهو قراءة القرآن، والعمل به، وتطبيق كل حرف فيه، والنداء على الله بأسمائه فى خشوع، وطلب العلم والتعلم، وانتظار الفتح، وهو نفس وعد القرآن. اللهم استجب دعاءنا.. وأعطنا، برجائك، ما سعينا إليه..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق