مقالات الأهرام اليومى

مشاهد وصور من ألطاف الله

صورة لن تخطئها عيوننا أبدا.. مصر فى احتفال إفريقيا.. شباب قارتنا اجتمعوا حول مصر، رئيسا وشعبا وحكومة.. يونيو 2019 صورة مبهرة، خطفت العقول قبل العيون..كرة القدم تتحول فى دقائق من لعبة جميلة إلى قصة تحكى حكاية شعب.. ليست بطولة فى الكرة، لكنها قدرة أمة، عندما تريد أن ترسل رسالة إلى محيطها، وإلى عالمها عن قدرتها ومكانتها بين دول العالم، وفى فترة وجيزة..

أرادت الأقدار الرحيمة بشعبنا وأمتنا.. الأقدار القادرة على قياس صبرنا، أن ترسل لنا صورة من دلائل القدرة على الخروج من الامتحانات القاسية، أو تنطق باسمها ومعانيها، لتخرس كل متطاول وخائن للوطن، وتعكس معدن الإنسان المصرى فى مواجهة الظروف أو المحن التى تمر عليه، وكيف يستطيع أن يواجه التآمر الخارجى الغادر، والتدخل المعيب فى شئوننا وسياستنا، أو محاولة تغيير هويتنا أو التقليل من شأننا الرياضى الذى أصبح سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مثيرا وبديعا.. كما أن المشهد يعكس هدايا وألطاف القدر بمصر، وتم امتحانها، فأعطيت الفرصة لها، عندما لم تستطع إحدى الدول الإفريقية تنظيم البطولة، فأسندت فى اللحظة الأخيرة لمصر بإجماع إفريقى عظيم، على أن مصر هى وحدها القادرة على تنظيم البطولة.

مصر نجحت فى أشهر قليلة، لا تتعدى خمسة أشهر، وهى مازالت فى طور إعادة البناء والخروج من ظروف صعبة قاسية، فقد خرجنا توا من أزمة الاضطرابات.. والإستادات المصرية، والدوري، والكرة المحلية والإقليمية تتم دون جمهور، واللاعبون كأنهم يلعبون أو يكلمون أنفسهم فى غياب الجمهور، متعة كرة القدم، وقد كان ضحية من ضحايا الاضطرابات السياسية والقلاقل التى عصفت بمصر مع بداية الحقبة الثانية من هذا القرن. فإذا بنا نعود إلى الملاعب، وبأساليب عصرية أكثر تطورا وفعالية، مع جذب الناس، وإمتاع الجمهور، وفجأة يعود الجمهور، ويعود اللاعبون فى مشهد تتجلى فيه القدرة والجمال، وأين؟ فى إستاد القاهرة، وما فيه من تاريخ ورمزية فى كل احتفالات..

هذا الإستاد يحمل اسم العاصمة، بل يحمل عنوان مصر.. هذا الإستاد الذى شهد بطولاتنا، والذى وصفه كاتب بديع، تعرفت إليه فى السوشيال ميديا، يفهم مصر، ويكتب فى السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، ومظاهر الحياة بعمق، يفوق المتخصصين هو د.أسامة عزت إسماعيل الذى وصف إستاد القاهرة بلغة جميلة، يستحق أن يعاد نشرها هنا.. فقد كتب بما معناه: إن حدثين يعكسان تاريخنا المعاصر، فالإستاد شهد منذ سنوات قليلة تجمعا للمتطرفين، وقتلة السادات والإرهابيين،(وهم الذين جمعهم حوله الرئيس الإخوانى السابق المعزول محمد مرسى العياط)، نكاية فى أبطال أكتوبر، وقد أرادوا أن يذكرونا جميعا بنصر الإخوان على المصريين، واختاروا له يوم 6 أكتوبر، نصر المصريين، ولكى يرسلوا رسالة للشعب والجيش معا، بالخطر الذى يعيشه بلدنا، والألم والتوهان وفقدان بلدنا، ودهمنا بخطر طمس تاريخه، وتسليم إمرته للصوص الذين تربصوا طويلا جدا بفتح خزائنه حتى نالوها.

إستاد القاهرة الذى نقل اللا معقول واللا مصدق فى ذلك الوقت، والصادم والمبكي، هو نفسه الذى تزين بالأمس ببهجة آسرة.. هو نفس المبني، لكنه ليس نفس الروح ولا المعني، هو نفس المضمار، لكنه ليس نفس الضمير.. لم يكن الاحتفال الجميل فقط فى إستاد القاهرة البهي، ولم تكن فقط الأعلام المصرية الملونة الحبيبة، ولا هى الفرحة القومية العارمة، وللمناسبة فقط. قبل أربعة أيام توفىمحمد مرسى العياط فى مشهد علنى على رءوس الأشهاد، داخل قاعة المحكمة، وبين جماعته وعلى مرأى من الرأى العام، لكى لا نقع فريسة لمن تخصصوا فى حرفة الكذب، ونسج الشائعات، وكأن نفس الأقدار وألطاف الله التى أنقذتنا فى مثل تلك الأيام تقول لنا رسالة جديدة وصورة مختلفة.. وأضيف بنفس كلمات الكاتب.. لم تكن جموع المصريين الوطنيين المحبين لبلدهم دون حسابات، ودون اصطناع، أو مرارة، بل كان كل ذلك فى مشهد جامع، مشهد استعادة طبيعة وطن… وطن غاب عنا بشعارات جوفاء مريرة، وفتنة عظيمة وغيبوبة وعى مسرفة.. وها هو اليوم يعود مصريا كما كان، واثقا آمنا بهيا، بينما من أرهبونا بالمليونيات والحشود، أو التخويف والافتراءات والميكروفونات، يبثون حقدهم ومراراتهم خافتة متخفية فى المنافي، (فى قطر عند الحمدين، وفى تركيا عند أردوغان) الذى لا يخفى حسرته أو حقده على مصر وعلى المصريين (رئيسا وشعبا).. وطن عادت إليه بسمته الجميلة، وبقى علينا أن نكمل بناءه، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، كما نحلم، وأن نكمل بناء ديمقراطيته الواثقة المنفتحة.. فالديمقراطية الحقة التى نعرفها هى الثقة بالنفس والإيمان بالشعب والمستقبل.

مباراة الكرة التى يحضرها الآلاف لهى علامة على الثقة، وعلامة على عودة الروح القومية، أما الديمقراطية التى نعرفها فهى إحياء دائم لهذه الروح، واحترام عظيم لها، وبناء صور للثقة أعمدتها هى سيادة القانون على الجميع، وحرية الرأى والتفكير، وتطوير الديمقراطية هى ممارسة يومية لهذه الثقة نفسها، وتثمين متجدد لها، وضمان بحجز مكان لائق لنا كوطن على خريطة التقدم، وارتكاز متين على ضفاف الغد.

مصر بلدنا الخالد (تعيشى يا فرحة مصر)..كلها صور ومشاهد من ألطاف القدر الذى وقف مع مصر فى 30 يونيو منذ 6 أعوام، ليخلصها من أخطاء غياب الوعي، وسوء التقديرات، ويضعها فى المسار الصحيح، فهل أدرك الجميع أن القدر مع بلدنا، وأن مصر محروسة بإذن الله؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق