مقالات الأهرام اليومى

الوعود الانتخابية بين الألم والأمل

يطرح الحوار الديموقراطي غير المسبوق الذي تعيشه مصر هذه الأيام الكثير من التساؤلات منها‏:‏ كيف كنا‏,‏ وكيف أصبحنا‏,‏ كما يتعلق بعضها بتأثير اللحظة الراهنة علي مستقبل الديموقراطية في بلادنا‏,‏ فالمغزي الحقيقي لهذا العرس الذي نعيشه الآن سوف نراه أكثر وضوحا وجلاء في قادم الأيام‏,‏ فنحن اليوم نؤسس لحياة سياسية مختلفة ونقترب من عصر نشهد إرهاصاته‏,‏ ونسمع وقع أقدامه ونري ملامحه‏,‏ وبقدر ما نستلهم هذا المستقبل في ممارسات اليوم تكون النتائج‏,‏ بما يدفعنا إلي التوقف أمام ثلاث قضايا بالغة الحيوية في مسيرة اليوم ومستقبل الغد‏.‏

أولي هذه القضايا متعلق بالوعود الانتخابية للمرشحين‏,‏ فهي تشكل ـ في أي انتخابات أينما تكن ـ حجر الزاوية‏,‏ وفي أي انتخابات أيضا لاتوجد قيود علي الوعود إذ توجد حرية مطلقة للمرشحين في أن يطلقوها‏,‏ وحرية مكفولة للناخب في أن يثق في هذه الوعود أو لايثق فيها‏.‏

غير أن الفارق الأساسي بين حرية المرشح وحرية الناخب تكمن في أن حرية المرشح مطلقة حتي إذا كان زاده في وعود الخيال‏,‏ وحرية الثاني مقيدة بمعارفه وخبراته وحالته النفسية التي تؤثر في قدرته علي المفاضلة بين وعود المرشحين‏,‏ خاصة إذا قرر هؤلاء مداعبة أحلام الناخبين والتوجه مباشرة نحو سقف طموحاتهم‏,‏ والحقيقة أن كثيرا من الوعود الانتخابية في وقتنا الراهن بنيت علي مسافة قصيرة بين الألم والأمل‏.‏ فقد حاول البعض إيلامنا بشتي الطرق‏,‏ تضخيما لمشكلات قائمة وتلفيقا لأوجاع لا وجود لها‏,‏ وفي اللحظة ذاتها يعد بحلول شافية لكل ألم وناجعة لكل مشكلة‏.‏ وعلينا أن نعترف بأن ثقافة الاختيار السياسي ليست عميقة الجذور في ثقافتنا‏,‏

وقد أتيح لنا أن نعيد بناءها في اختيار أرفع مناصب الدولة‏,‏ وأحسب أننا بحاجة إلي حوار ينمي قدرة المواطن علي الفرز العقلي الرشيد بين الوعود والأوهام‏,‏ وبين الخبرة التي تدعمها القدرة علي ترجمة الوعود إلي برامج حقيقية‏,‏ وبين القدرة العاجزة التي تدعمها الرغبة الجامحة في تجاوز الواقع إلي الأوهام أو أحلام اليقظة‏,‏ بين رؤية تستند إلي واقع يحكم حياتنا وتاريخ يحدد وقع خطانا‏,‏ وبين رؤية نبتت في عقل مغامر لم يعرف الواقع‏,‏ ولم يسبر أغواره‏ وإذا انتقلنا من التعميم إلي التخصيص‏,‏ فسنجد أمامنا برنامج الحزب الوطني‏,‏ الذي قدمه الرئيس حسني مبارك في اليوم الأول لبداية المعركة الانتخابية في‏17‏ أغسطس‏,‏ ثم فصله في عدد من اللقاءات النوعية‏,‏ كان أولها في العاشر من رمضان مع العمال ثم في المحلة الكبري أحد المعاقل الصناعية‏,‏ ثم النوبارية‏,‏ إحدي نقاط الارتكاز في النهضة الزراعية الحديثة في مصر‏,‏ ثم لقاؤه أمس في المنيا عروس الصعيد‏.‏

وقد كشفت هذه اللقاءات النوعية المتخصصة عن عمق برنامجه‏,‏ وتأثيره علي مستقبل الحياة الاقتصادية والسياسية في مصر‏,‏ فهو لم يقدم برنامجا للانتخابات‏,‏ بقدر ما قدم منهجا للعمل والتحديث في كل مجالات الحياة في مصر وداخل هذا البرنامج المكثف هناك تفصيلات دقيقة تحتوي علي قدرة تنفيذية لهذا البرنامج‏,‏ ومن هنا يأتي سر قوته وتأثيره علي المواطنين في مصر‏,‏ فهذا البرنامج الذي يتكلف‏1300‏ مليار جنيه‏,‏ ينفذ بواقع‏220‏ مليار جنيه سنويا‏,‏ تم حسابه بقياس دقيق لقدرتنا ومواردنا‏,‏ وبحساب مدروس لفوائده وتأثيراته علي جوانب العمل الاقتصادي والاجتماعي‏,‏ وهو تحد خطير يقفز بمعدلات النمو‏,‏ ويضع حلولا للمشكلات الصعبة‏,‏ وفي مقدمتها أزمة البطالة بتأثيراتها المخيفة‏,‏ لأن تهيئة المناخ ودفع المستثمرين ورجال الأعمال المحليين والأجانب لخلق‏700‏ ألف فرصة عمل سنويا عملية اقتصادية عميقة في مستقبل البلاد‏,‏ كما أن تحسين أوضاع معيشة خمسة ملايين موظف برفع أجورهم بنسبة‏100%‏ خلال السنوات الست المقبلة‏,‏ عملية جوهرية أيضا لإحداث نقلة اجتماعية هائلة في مختلف حياة الأسر المصرية‏,‏

وقد راعت التدرج للدخول الضعيفة بنسبة‏100%‏ والأعلي منها بنسبة‏75%,‏ مع نشر شبكة الضمان الاجتماعي لترتفع من‏650‏ ألفا إلي مليون و‏300‏ ألف أسرة‏,‏ وإعداد تشريع لتقنين أوضاع العمالة في القطاع غير المنظم‏.‏

وتأتي هذه الخطوات بمثابة عملية جراحية دقيقة لمشكلة الفقر في مصر‏,‏ فإذا كانت هذه المنظومة قد تكاملت بتغيير جوهري‏,‏ في أهم قطاعات التنمية البشرية‏,‏ خاصة مجالي الصحة والتعليم بمنظومة التأمين الصحي الشامل الذي ينهي الأسلوب الحكومي السابق‏,‏ ثم يخلق التنافس بين المستشفيات لتقديم الخدمة بالتكلفة الحقيقية‏,‏ فإن المكون الثاني من برنامج مبارك‏,‏ لتحسين مستوي الحياة في مصر قد دخل مرحلة متطورة‏,‏ فهناك هيئة التأمين الصحي الشامل وهي تدفع لمن يقدم الخدمة الأفضل للمواطنين‏,‏ ونفس الاتجاه موجود في مجال التعليم فالخدمة المميزة سوف تصل إلي التعليم الحكومي‏,‏ ببناء‏3500‏ مدرسة جديدة‏,‏ وتدريب متقدم للمدرسين‏,‏ وكادر خاص لهم‏,‏ بما يحسن أداء هاتين الخدمتين الجوهريتين لمستقبل الوطن والمواطنين جميعا‏,‏ مع تكامل الرؤية‏.‏ فالاهتمام لا يتم بالصناعة والعمال علي حساب الفلاحين والزراعة‏,‏ فمصر الزراعية لا تنسي أن مستقبلها يكمن في الزراعة‏,‏ وأن إنتاجها الزراعي قادر علي أن يغزو أوروبا‏,‏ ويسابق الزمن لتنمية مصر‏,‏ ورفع مستوي الفلاحين‏.‏ فهو القطاع الذي يعمل به‏35%‏ من إجمالي القوة العاملة‏,‏

كما فتح البرنامج إعادة تخطيط القرية المصرية مع تقديم‏400‏ قرية جديدة تنمو لأول مرة في تاريخنا الزراعي في الظهير الصحراوي لتدخل مصر عصر الإنتاج المنظم للزراعة في الصحراء وتفتح المجال للمزارعين الصغار‏,‏ فهناك‏70‏ ألف حيازة بمتوسط‏10‏ أفدنة لكل أسرة بقرض قدره مائة ألف جنيه وبشروط ميسرة و هناك‏300‏ ألف فدان للحيازات الكبيرة لتزيد الرقعة المزروعة مليون فدان في أراض صحراوية تعوض تآكل الدلتا‏.‏

وفي حين ركز مرشح حزب الوفد نعمان جمعة علي تصورات خاصة بإلغاء ديون مصر‏,‏ وركز علي أن المستقبل مرهون بالتغيير ـ أيا كان شكل ونسق هذا التغيير‏,‏ ولم تخلو حملته من التركيز علي سلبيات وزلات الحكومة الحالية‏,‏ مستخدما إلي حد كبير كلمات لا تخلو من التضخيم اللغوي ـ إن صح التعبير ـ والتصورات التي قد تبدو في بعض ملامحها وكأنها تفتقد إلي رؤية واقعية‏,‏ فلا يخفي علينا أن هناك فرقا واضحا بين الوعود البراقة وإمكان تنفيذها علي أرض الواقع‏.‏ دون سابقة خبرة في هذا المجال‏,‏ أو وجود ضمانات لتنفيذها‏.‏ وكان حزب الغد‏,‏ الأكثر إثارة للجدل اليوم في مصر‏,‏ قد أعلن علي لسان مرشحه أن معركته الأساسية هي مع الحزب الوطني‏,‏ وربما كان من الأجدر بالدكتور أيمن نور أن يركز فكره في صياغة برنامجه الانتخابي بما يخدم احتياجات المواطن المصري‏,‏ بدلا من شن معركة مع أي حزب‏,‏ فالمقصود هو أن تتاح للمواطن فرصة الاستماع للآخر لا أن يكون الآخر هو الجحيم‏.‏

أما د‏.‏ رفعت العجرودي رئيس حزب الوفاق القومي فيبدو غريبا في دعوته للعودة إلي النظام الاشتراكي‏,‏ وهو النظام الذي أثبت فشله منذ عقود مضت‏.‏ وجاء برنامج مرشح الحزب الدستوري الحر ممدوح القناوي ليطرح فكرة إنشاء بنك للفقراء وتمويل المشروعات الصغيرة مع دخوله حملة انتقاد برنامج أي حزب آخر غير حزبه في حين أشار د‏.‏ فوزي غزال مرشح حزب مصر‏2000‏ إلي نقطة إيجابية هي استغلال الثروات الكامنة في الصحراء‏,‏ وهي فكرة بدت مميزة عن بقية الكلمات المتشابهة في جميع البرامج الانتخابية‏.‏

نحو أغلبية مؤثرة وفاعلة
أما القضية الثانية التي كشفت عنها تجربة الأيام القليلة الماضية فهي تلك الحيوية الفاعلة التي دبت في حياتنا السياسية‏,‏ فلم تشهد مصر من قبل هذا القدر من العنفوان والحركة والحراك في إعلامها ومجالسها ومنتدياتهاوالاتصال الاجتماعي بين أبنائها‏.‏

وهذه الحيوية مؤشر علي أن روحا جديدة توشك أن تحل بالجسد المصري ليفيق من سبات طويل‏.‏ وكان قرار الرئيس مبارك بتعديل المادة‏76‏ من الدستور هو الباعث الأول لهذه الروح الجديدة‏,‏ وقد جددت هذه الخطوة قوة الدفع في حياتنا السياسية‏,‏ ولكن الحدث الذي يوفر الدعم لهذا الحراك السياسي يوشك أن ينتهي‏,‏ والأحزاب السياسية التي شاركت فيه أو لم تشارك‏,‏ ومعها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني‏,‏ لابد أن تكون قد أدركت حقيقة ما أحدثته الانتخابات الرئاسية في الثقافة السياسية والسلوك السياسي المصري‏,‏ فهذه المؤسسات جميعها مطالبة بأن تبحث استثمار هذا الاهتمام والانتباه الذي عم طبقات المجتمع كله‏,‏ وأن تعمل علي توفير سبل الدعم اللازم لاستمرار هذه الحيوية خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية‏.‏

ولم يعد مقبولا أن تكتفي بعض الأحزاب باسم ومقر‏,‏ وفي بعض الأحيان صحيفة‏,‏ ولا تجد لاسمها مساحة في ذاكرة الأغلبية العظمي من المصريين‏,‏ والأحزاب الرئيسية مطالبة هي الأخري بألا تكتفي بوسائل الإعلام واللقاءات في القاهرة وبعض المدن الكبري‏,‏ وعليها أن تبحث عن السبل المناسبة للوصول إلي التجمعات السكانية أينما وجدت‏.‏

ونحن في حاجة إلي تغيير مفهوم المشاركة السياسية من أقلية فاعلة وأغلبية صامتة إلي أغلبية نشيطة ومؤثرة‏,‏ وعلي الأحزاب أن تدرك أن التطور الديمقراطي في مصر يعلي من قيمة كل صوت انتخابي في القرية أو المدينة علي السواء‏,‏ وأن العزوف عن المشاركة السياسية قد تبدل اليوم إلي استعداد واع للمشاركة لدي جموع المصريين‏,‏ وأن الديمقراطية لن يصنعها حزب واحد بمفرده‏,‏ وأن المشاركة والتفاعل أكثر دعما لها من المقاطعة والانسحاب‏.‏

حق المجتمع يعلو علي حق المرشح
أما القضية الثالثة في برامج المرشحين فهي تتعلق بالصحة النفسية العامة لقطاعات المجتمع‏,‏ خاصة الشباب‏,‏ فقد تجاوز النقد والتجريح والتشهير وجلد الذات حدود المحتمل والمعقول والمقبول‏,‏ فليس للمصريين وطن آخر غير هذا الذي نعيش علي أرضه جميعا وإذا تحول هذا الوطن علي ألسنة بعض المرشحين إلي مجتمع مفرداته الرشوة والفساد والقمع والظلم والمجاعة والفشل في كل شئ‏,‏ فما الذي ننتظره من شباب نريد له أن ينتمي إلي هذا الوطن ويلبي نداء الواجب في يسره وعسره؟‏!‏

إن مصر لم تكن أبدا علي هذه الحال التي يتحدث عنها البعض الآن في وسائل الإعلام محليا وعالميا‏.‏ نعم لدينا مشكلات‏,‏ ولدينا جهود في مواجهتها‏,‏ نجحنا في بعضها ونقترب من حلول لبعضها الآخر‏,‏ ومازالت مصر مجتمعا يزرع ويبني ويصنع ويعلم ويتعلم ويعالج ويبدع أدبا وفنا ويوفر الحرية الكاملة لكم لكي تقولوا ما تريدون‏.‏

إن نقد السلبيات قضية مشروعة في كل وقت فهو سبيلنا إلي التصحيح‏,‏ ولكن النقد شئ والتشويه البالغ حد الخطر شئ آخر‏,‏ وحتي نفهم معني ما أقول‏,‏ أنقل عن صحيفة واشنطون بوست رسالة أرسلتها فتاة أمريكية في التاسعة عشرة من عمرها إلي رئيس التحرير تحتج علي كم الأخبار السلبية التي تنشرها الصحيفة‏,‏ تقول الفتاة‏’‏ إنني بعد كل صباح أقرأ فيه صحيفتكم أراني واهنة محبطة بقية اليوم‏,‏ أيكون الأمر أنني أضعف من معايشة هذا الواقع المرير؟ أم أنكم أضعف من أن تتخلوا عن التركيز علي السلبيات والأخطاء التي تكفل لكم مصالحكم؟ أليست هناك أشياء سعيدة أو دافئة المشاعر تستحق النشر؟ إنها دائرة فاسدة الأخلاق أن يصبح العالم مريضا بهذا الشكل فيجعل الناس مرضي ليصنعوا عالما أشد مرضا‏,‏ فإذا أصبح كل شئ محبطا ويائسا مثلي بعد قراءة الأخبار‏,‏ فإن هناك مصيرا واحدا ينتظرنا جميعا وهو مستشفي الأمراض العقلية‏.’‏

هذه الصيحة في المجتمع الأمريكي الديمقراطي نبهت الجميع إلي خطورة التركيز الدائم والمستمر علي السلبيات حفاظا علي عافية المجتمع النفسية‏,‏ وهناك الآن دراسات جادة تربط بين حالة العنف التي تنتاب العالم والسلبيات التي تبعث علي الإحباط عبر وسائل الإعلام‏.‏

إن أحدا ليس بمقدوره أن يحد من حرية المرشحين في نقد الواقع‏,‏ ولكن لا يمكن التضحية بمصلحة الوطن من أجل أغراض انتخابية حين يتحول النقد اللازم للتصحيح إلي غرس للإحباط ولليأس الذي يدفع إلي العنف في التعامل مع قضايا المجتمع‏,‏ ولا أعتقد أن البعض سوف تغيب عنه المسافة الفارقة بين النقد والتجريح والتشويه‏,‏ وأراها مسئولية يجب أن تنهض بها منظمات المجتمع المدني إعمالا لحق المجتمع الذي يعلو علي حق المرشح‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق