مقالاتمقالات الأهرام اليومى

شيراك زعيما سيتذكره العالم طويلا

بقلم أسامة سرايا

الرئيس شيراك الذى يودع الحياة اليوم (١٩٣٢-٢٠١٩) سياسى مؤثر وحكيم وصادق، ليس لدى الفرنسيين وحدهم، بل بالنسبة للعالم ككل، ولنا نحن العرب، أو الشرق الأوسطيين خاصة..
نرى فيه الرئيس الذى رفض تمزيقنا أشلاء، ووقف ضد الحروب التى فتحت بابا واسعا للفوضى ، والاضطرابات الكبيرة في كل ربوع الشرق الأوسط، أو في منطقتنا، خاصة الحرب الأمريكية ضد العراق (٢٠٠٣)، وهى الحرب الظالمة التى تسببت فى اختلال للتوازن الإقليمى بمنطقتنا ، وفتحت لإيران مجالا واسعا للتوسع، بل لاحتلال أراضينا فى العراق، والشام خاصة واحتلاله بالميليشيات التابعة لها..
ورغم أنه كان ضد الحروب ككل، فقد كان له تأثير بالغ وكبير فى عدم اتساع حرب تحرير الكويت، وذلك اتساقا مع الرؤية المصرية فى ذلك الوقت، بأن هدف الحرب عودة الكويت فقط، وليس انهيار العراق، وتغيير نظام الحكم هناك، واستجاب له الرئيس بوش الأب.

ونتذكر لجاك شيراك أنه ظل رئيسا غربيا قويا وعادلا، آراؤه وسياساته يترجمها على أرض الواقع ،وليس تعبيرات أو لغة يستخدمها للاستهلاك، فاستقبل الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات قبل رحيله استقبالا رسميا، وبحفاوة تليق بتاريخه ونضاله لقضية تحرير الشعب والأرض الفلسطينية وكرئيس دولة، وهو الرجل المريض المصاب بتسمم لا يمكن علاجه، ولكنه أراد أن يعلن للأوروبيين والعالم فى موقف علنى ودقيق احترامه لعرفات وقضيه بلاده..و أنه مع حل الدولتين لتحقيق الاستقرار فى الشرق الأوسط، والمنطقة العربية من أجل العالم ككل.

وهو موقف ليس بعيدا عن نبل وشجاعة مواقفهجميعا، ففى عام ١٩٩٦ وقف ضد البوليس الإسرائيلى الذى أراد تعويق زيارته لبلدة القدس القديمة، فأعلن من هناك الحق العربى والفلسطينى فى القدس المحتلة، ورفضه العدوانية الإسرائيلية فى تعامله مع الشعب الفلسطينى تحت الاحتلال ..
وتكريمنا للرئيس الفرنسى الراحل، هو اعتراف بصدقه وأدواره ،والذى عرف بصداقته واحترامه للعرب، يعنى وفاء منا ،وتقديرا لتلك الشخصية ولدورها، وتأثيرها السياسى على مصالحنا، ومكانتنا فى هذا العالم الواحد الذى نعيشه الآن.

شيراك الرئيس كان موقفه من قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى رفيق الحريرى 2005، ومطالبته بكشف الحقيقة، وسعيه لمحاكمة دولية للقتلة، لم يحقق العدالة فقط فى هذه الجريمة البشعة، لكنه حمى استقلال لبنان، وأوقف إلى حد كبير استئساد حزب الله الإيرانى اللبنانى على باقى مكونات تلك الدولة العربية الفريدة فى تعايشها بين الطوائف..
فتلك الجريمة كانت تستهدف انهيار لبنان بالكامل، لتفتح الطريق إلى حكم حزب الله الشامل لهذا البلد، ورغم ظروف لبنان الصعبة والدقيقة، فإن هذه المحاكمة أوقفت إلى حد كبير تدهور أمور هناك، وجعلت كل القوى هناك تعيد حساباتها، رغم اختلال المكونات السياسية أمام التنظيم الإيرانى المسلح باسم حزب الله هناك.

الرئيس شيراك كان مميزا، وأعطى للتيارات اليمينية التى كان يمثلها نكهة إنسانية ، جعلته الرئيس الوحيد الذى ينجح فى أن يتقاسم السلطة مع الرئيس الاشتراكى ميتران، ويتولى الوزارة معه..
أتذكر أنني التقيت الرئيس شيراك أكثر من مرة، وأجريت معه أحاديث صحفية، قبل أى زيارة له لمصر، وكان تقديره للمصريين كبيرا، وللثقافة المصرية غير عادى، وكان تقديره أن هناك روابط ثقافية وتاريخية شديدة الخصوصية بين (مصر وفرنسا) ،وأن مصر ظلت بحضارتها العريقة، وتجربتها الحديثة الثرية، وآفاق تميزها المختلفة، حالة خاصة فى الفكر الفرنسى..
وكان شيراك حريصا على التعبير الدقيق، أننا نعيش فى عالم واحد ،ولم نعد معزولين عن بعضنا البعض ، وأنه لا يعيش كل واحد فى بلده فقط، بل إننا نتقاسم الفضاء ذاته، ومصائرنا باتت مرتبطة ببعضها أشد ارتباطا، وأن هذا الواقع الجديد، البعيد كل البعد عن الخبرة الزمنية التى عرفتها شعوبنا وبلداننا على مدى القرون، ينبغى أن يقودنا إلى حرص مضاعف، وإلى مزيد من الجهود فى سبيل الحفاظ على السلام، ويتعين علينا ، أكثر من أى وقت مضى، أن نؤكد القيم العالمية الشاملة التى تبنى عليها وجودنا والعيش المشترك ، ويتعين علينا احترام تعددية الشعوب، وتنوع الحضارات والثقافات، والتمسك بقيم التسامح ،وانتهاز كل الفرص من أجل التحاور وتجنب إساءة الفهم، وكان شيراك يتحدث بشجاعة عن عدم المساواة والفوارق بين الأغنياء والفقراء فى عالمنا، وكان يرى أن القارة الإفريقية تحملت أكثر من غيرها وزر الخلل فى التوازنات، وهو خلل مناف لأبسط المبادىء الأخلاقية، ويمثل خطرا مهددا للسلام والاستقرار العالميين، وتجاهله وعدم التفاعل معه هو تصرف غير مسئول.

ولعل ذلك الموقف كان وراء مواقفه العادلة بعد خروجه من السلطة ، بتبنى قضايا الفقراء، وقضايا البيئة ، ويعتبر هو الزعيم العالمى صاحب البصمة أو الصرخة المدوية التى جعلت فرنسا والفرنسيين هم أكثر الشعوب اهتماما بالتغيير المناخى، فهو القائل أنقذوا العالم.. (منزلنا) يحترق.. بما أدى لأن يجعل سياسة فرنسا البيئية سياسة عالمية، لا يمكن أن تحييد عنها، رغم أن الكثير من قادة الغرب، وخاصة فى الولايات المتحدة غير ملتزمين إلى حد كبير بقضايا البيئة والمناخ فى عالمنا اليوم.

تذكرت آخر زيارة لى له في الإليزيه 2007 ، وكان شغوفا أن يعرف عن مصر، وكانت أسئلته لى تسبق أسئلتى، بما جعلنى أستغرب، ولا أستطيع الإجابة، فقد جئت لأسأل ، وأخذ الأجوبة من الرئيس، وليس ليسألنى الرئيس عن أحوال مصر، مما جعله بعد انتهاء المقابلة يأخذنى بجولة فى ردهات الإليزيه قائلا: رافقنى فى جولة لكى أودع الأليزيه معك ، ويسأل عن مستقبل مصر ، وعن مستقبل الحكم فى مصر وأخذت أجيب بكل صراحة، فأنا أعرف أنه يعرف، وكنت غير متصور أن غياب الوعى الذى فى منطقتنا، نتيجة الاضطرابات، أو الحروب، قد يصل إلى أكثر رؤساء أوروبا شغفا ،ودراية بالشرق الأوسط وأحواله ،وقد كنت ساعتها قادرا أن أشخص معه أحوال مصر ، وأن مؤسساتها قادرة على هزيمة التيارات المتأسلمة، إذا حاولت الاستئساد على حكم مصر ، وقلت ساعتها إن مصر تمتلك مؤسسات وبنية أساسة مؤسسية قوية، وشعبا أكثر وعيا من كل دول المنطقة العربية، وأنه إذا حدث تطورات أوتغييرا ت غير طبيعية، تحت تأثير أى ظروف أو تطورات فى المنطقة، فإن الشعب المصرى ومؤسساته قادرون على التصحيح، والعودة السريعة بل والسيطرة على أى متغيرات، قد تغير السياسة المصرية، أو قد تدفع مصر للتأثر بما يحدث حولنا فى منطقتنا من سقوط الدول، وسيطرة الجماعات الصغيرة على مقاليد الحكم فى منطقتنا، وكنت ساعتها على يقين من قدرة الدولة ،ومؤسساتها على الانتصار..
وإذا بالرئيس شيراك يقول إن مصر هي عمود الشرق الأوسط، استقرارها وسياساتها هى التى تصبغ كل الدول، إن لم تكن هى المعلم لهذه المنطقة المهمة للعالم ككل.

تذكرت هذا الرئيس فى يوم رحيله، وأدركت صموده خاصة فى السنوات الأخيرة، بعد تركه الحكم ،وإصابته بالمرض، وفقدان الذاكرة، والتى استغلها خصومه السياسيون، ليوجهوا له ضربة أمام القضاء، تتهمه بإهدار المال العام إبان عموديته لمدينة باريس، فقد كان شيراك أول عمدة لباريس منذ 1977 وشغل هذا المنصب 18 عاما، وحكم عليه بالسجن عامين، ثم عاد الوعى الفرنسى فأسقط الحكم، وتجاوزه الفرنسيون ، وعاد جاك شيراك ليصبح فى التاريخ الفرنسى المعاصر أهم رئيس للجمهورية الخامسة التى أسسها ديجول 1958 لرجل ديجول الثانى، أو بونابرت المعاصر ووسط احترام عالمى وفرنسى كبير، ويراه الفرنسيون المعاصرون، وعبر عنهم ماكرون قائلا: كان فرنسيا عظيما، ترك بصمة فى هذا العالم، ونراه نحن العرب نموذجا لقادة العالم الذين يحترمون الحقوق، ويحققون الاستقرار ،ولا يصنعون الفوضى غير الخلاقة فى أى وقت فى هذا العالم.

تحية واحتراما لشيراك يوم رحيله، ودعوة لنرى كل زعماء عالمنا، وخاصة القوى الكبرى، وهم يحذون حذوه، ويسيرون فى سياساته العادلة والمستقلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق