مقالاتمقالات الأهرام العربى

سد النهضة.. وجائزة السلام.. ورسالة المهدى

بقلم: أسامة سرايا
فى تطور لافت، أعادت دوائر صناعة القرار، والتفاوض، المصرى، بمختلف مستوياتها، مع إثيوبيا والسودان، حول “سد النهضة” الإثيوبى، طرح القضية، بكل أبعادها “الاقتصادية والسياسية والبيئية” أمام الرأى العام، وفى وقت مناسب، ودقيق، ولعلنا نقدر، ونثمن، بكثير من الاهتمام، هذا التطور، وتلك الخطوة، لأن قضية المياه عامة، وحصتنا من نهر النيل خاصة، قاطبة، على الرغم من أنها أخطر، بل أهم، قضايانا الصعبة، والمعقدة، بل هى قضية مصيرية، بل وجودية، والرأى العام، بكل طوائفه، يجب أن يكون شريكا، ومشاركا، ومتابعا، بل فعالا فيها، حتى تعرف كل الأطراف المشاركة بها، خاصة إثيوبيا والسودان، أن المياه، والنيل، ليسا شأنا حكوميا، أو مجتمعيا، بل شأن شعبى وطنى، كل فرد مصرى، ومصرية، يهتم به، ومشارك فيه، وحصتنا من نهر النيل، واحترام إثيوبيا لها، وتطمين كل المصريين، نحوها، باتفاقية ملزمة، وتاريخية، سيكون له تأثيره على علاقات الشعوب، ومستقبلها، وعلى احترامنا لهم، ومستقبلنا، ومستقبل منطقتنا، بل علاقاتنا بقارتنا الإفريقية، وشعوبها، ودول حوض النيل المختلفة..
نحن ندرك أن حق مصر فى مياه النيل، حسب القوانين الدولية، لن يسقط أبدا، أو حتى يضيع، وندرك أن كل جيراننا، بل كل شركائنا، فى الإقليم، والقارة، بل العالم، يعرفون ذلك، بل يحترمون الشعب المصرى، ويقدرون تاريخه، وحضارته، ولن يلجأ أحد إلى أن يلعب بعداوة المياه مع مصر، خاصة فى نهر النيل، هذا يقين نعلمه، وإذا كنا نطلب من كل المصريين أن تعلو قضية النيل، ومستقبله، على أى مزيدات، أو مهاترات سياسية، فهى قضية حياة فقط؛ فإننا نطلب من الحكومة أن تقدم تفاصيل المفاوضات، ولا تتركها للشائعات، أو القيل، أو حتى التحليلات، والرؤى فقط.. ما آراء أشقائنا العرب، دولة، دولة؟.. ومن تعاون معنا؟.. ومن وقف ضدنا؟.. ومن وقف محايدا.. فى هذه القضية المصيرية؟.. وكذلك موقف إسرائيل يجب أن يُعلن بوضوح للرأى العام المصرى، لأن مستقبل أى سلام إقليمى مرتبط بهذه القضية الوجودية للمصريين، وموقف القوى العالمية “الأمريكيين والأوروبيين والصينيين واليابانيين، والمنظمات الإقليمية والدولية المختلفة، والمتنوعة العامة، والمتخصصة”.. من احترم القوانين الدولية.. ومن وقف ضدها؟.. لأن طبيعة التصرف فى هذه القضية تهم الشارع المصرى، وتهم الرأى العام، أن يَعرف من معنا، ومن يلعب ضدنا، أو حتى حاول التأثير فى مسار المفاوضات؟.. سيكون له شأن مع الشارع المصرى، فى الوقت الراهن، والمستقبل.
جائزة السلام لآبى أحمد، وإثيوبيا القوية، تسعدنا، فقد جاءت فى وقتها، لتعزز دوره، وعمله المهم، من أجل السلام، والمصالحة، وستكون اتفاقيته مع مصر حول حصتها المائية، واعترافه بحقوقها المائية، أكبر جائزة تحصل عليها إثيوبيا، بل أكبر من جائزه “نوبل” نفسها، لأن شعوبها، هنا، هى من تعلو القيم، وتحافظ عليها، على مدى القرون، والسنوات.
إن إثيوبيا الآمنة، والمستقرة، سيكون لها تأثيرها الإيجابى فى حركة التآخى بين الأمم، والشعوب، والمياه، والنيل مفتاح الخلود، والمحبة بين الناس، والأمم، والشعوب، المتنوعة.. آبى أحمد شخصية من “الأورومو”، التى وقع عليها اضطهاد، في إثيوبيا، من الطوائف الأخرى، وأهله وعشيرته، بل كل الإثيوبيين، حتى “الأمهرة”، يعرفون أهمية النيل لمصر، وإثيوبيا معا، وسوف يعززون السلام، والاستقرار، بين البلدين (مصر وإثيوبيا)، لا يمكن أن تتجاهل رسالة الزعيم السودانى الصادق المهدى، وأهميتها، التاريخية، لدول المنبع والمصب، ولآبى أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبى، وكذلك رسالة الرئيس عبد الفتاح السيسى، رئيس الجمهورية، عقب فوزه، فنحن فى حاجة إلى السودان وإثيوبيا، لكى نحمى النيل، ونصنع علاقات السلام بين دول الحوض، ولعلى أتوقف أمام مغزى وقيمة الرسالة، أننا كجيران، من إثيوبيا ومصر، سنخاطبكم بلغة تصالحية، لا يمكن أن نضع أخوتنا فى مصر بين خيارين (بين مجاعة مائية أو العداء). .
هذه الرسالة هى المفتاح لعلاقات قوية، وحلول ناجعة، واتفاقيات سيكون لها تأثيرها على كيفية التعامل بين مصر والسودان وإثيوبيا – ليس حول سد النهضة فقط، بل كل التفكير فى السدود، وكيف نحمى مصالح دول حوض النيل الغنى بموارده المائية، ولكنه يحتاج إلى التعاون الإقليمى، والدولى، حتى يستفيد كل مواطن إفريقى، من دول حوض النيل، بهذا النهر الخالد، الغنى بموارده، التى تكفى الجميع، نولد الكهرباء، ونشرب، ونزرع جميعا، ونحافظ على نهر النيل، وعلاقات الود، والصداقة، والحب، والسلام بين الشعوب.
أهنئ رئيس الوزراء الإثيوبى أبى أحمد، وأشد على يدىّ الزعيم السودانى الصادق المهدى، وأحيى الرئاسة، والحكومة، والبرلمان، المصرى، والخبراء، والمتخصصين، الذين أدلوا بدلوهم فى مستقبل نهر النيل، والسدود المقامة عليه، ونثمن احترام دول المنابع، واحترام الحقوق المائية لمصر، والمسارات، التى سارت فيها المفاوضات، حتى الآن، ونرى ضوءا فى نهاية النفق الطويل، وعلى الرغم من أننى متفائل بمستقبل هذه المفاوضات؛ فإننى أوجه، وأشير إلى آخر تقرير فنى، تلقيته، بخطورة المسار، الراهن، لسد النهضة الإثيوبى، واتجاه لتخزين 74مليار متر مكعب من المياه، سوف يتسرب منها 25 مليار متر مكعب، بل طبقات المياه الجوفية ستتأثر، وينخفض مستوى المياه بشكل كبير، مما يؤدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية من ٢-٣ أمتار، ويزيد المياه المالحة فى منطقة النيل ، ويؤثر على كل الأوضاع البيئية لمصر، والسودان، وإثيوبيا، لاختلال التوازن البيئى، كما أن السد، بهذا الأسلوب، سيؤدى إلى تصحر ملايين المصريين من أراضيهم، والأسلوب الذى يتم به، الآن، يشكل خطرا هندسيا لا يمكن ضمان استمراره.
حسن العلاقات مع إثيوبيا لا يمنعنا من سرعة عرض قضايا السدود، بأكملها، على المجتمع الدولى، والمؤسسات، ذات الخبرة، والقدرات، الاستشارية، والعالمية، وتأثيرها المناخى على كل دول الحوض، وطلب تعاون دولى، وعالمى، فى هذه القضية، الحيوية، والمصيرية، ويبدو أن عنصر الوقت يداهمنا، وسرعه التحرك أصبحت ضرورية، ولكن الأخطار تحدق بالجميع، وأوله من ينشئ السد، دون دراسة كافية، أو حلول تكنولوجية، لتلافى الآثار السلبية، الناجمة، سواء فى دول المنابع، والمصب، فالضرر يشمل الجميع، والحكمة يجب أن تسبق كل التصرفات، فى هذه القضية الحيوية، والمصيرية، وتحكم مسارات التفاوض، والاتفاقيات، لأهميتها للأجيال، الحالية، والمستقبلية، لذا نحن نطلب تعاونا إقليميا ودوليا، لدراسة الموقف الخطير، حتى لا نصل إلى طرق مسدودة، ومغلقة، تفتح أبواب الجحيم، والكراهية، بين الشعوب المتحابة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق