مقالاتمقالات الأهرام اليومى

كيف نقرأ ما حدث فى لبنان؟

بقلم: أسامة سرايا

لست من هواة المغامرة، أو المؤمنين بأن التغيير، والمستقبل، يحدث فجأة، وأن الأنظمة، والسياسات، تسقط فى الساحات، أو الشوارع، وأن المظاهرات، والانتفاضات، أيا كان مسماها، أو شكلها، تغير الحياه مباشرة، أو فى ليلة وضحاها، أو فى 10، أو 20 يوما، ولكن فى لبنان حدث التغيير فعلا، الذى قد نقرأه، ولا نراه الآن، وإنما سوف نراه فى المستقبل، الذى ليس بالبعيد.. القريب جدا، فالهدف من مظاهرت أكتوبر 2019 فى لبنان ليس إسقاط حكومة، أو الاعتراض، فقط، على رسوم “واتس آب”، على الرغم من أنها “القشة”، التى حركت الناس فى ربوع البلد، ففى لبنان، ليس هناك حكومة حقيقية مسئولة عن شعب، وتُسأل عن أخطاء، وسياسات، منذ 3 سنوات.. ليس سعد الحريرى رئيسا فعليا، على الرغم من وجوده على رأس الحكومه، وفى وسائل الإعلام، ولكن لنعد إلى نظرية قديمة، كتبها علماء السياسة، اسمها “الأوانى الفارغة”، أن تكون هناك حكومة وليس لها دور، وحكومة بلا عمل،، فى مكان آخر، وتقوم بصنع القرار، والسياسة، ولكن يقوم بأعمالها “الحزب”، الذى يحكم، ويتحكم، من “وراء ستار”، يحرك كل شىء، ولا يتحمل أى مسئوليات، أو التزامات، حتى الناس لا تستطيع أن تسأله.

تلك حال لبنان، الذى سبق أن استمر ما يقرب من عامين ونصف العام دون رئيس للدولة، وتم انتخاب الرئيس، الذى حدده “حزب الله”، من اليوم الأول، الذى هو إما “عون”، أو لا رئيس على الإطلاق، تلك فلسفة، وعناوين التحكم،التى حكمت لبنان فى عهده الراهن، وتكلمت عنها إيران، وحزبها، وقالت بوضوح “إننا نحكم لبنان بالمطلق، وتجربتنا مباشرة، وليست عبر حكومات، أو وزراء، ونتحكم فى مفاصل البلد، لنا مطاراتنا، وجماركنا، وكل سلطاتنا، بل لنا قضاؤنا، نحاسب من نريد، ونعفو عمن نريد”!، والبلد مفرغة من السلطات المعروفة فى الدول، إلا من ناحية الشكل.

إننى أرى أنه من الظلم للحكومة، والبرلمان، والرئيس، أن يتحملوا ما يقوله الشارع اللبنانى عنهم الآن، إلا أنهم جلسوا فى أماكنهم، وانتظروا القرارات، والحكم من الخارج، عبر “حزب الله”، وتلك، أكثر أنواع الجرم، والفساد، تأثيرا فى حياة الشعوب، ومستقبلها، أما التغيير، الذى أقصده، وأحدثته “ثورة أكتوبر”، أن إيران عرفت، وحزبها أدرك، أنهم لن يستطيعوا، بعد الآن، السير فى هذا المسار الفظيع، والهدام، أو استخدام لبنان جسرا للسيطرة على المنطقة العربية- على الرغم من المكابرة، والعنجهية، التى يتحدثون بها، وأنهم، عمليا، سيطروا على سوريا الشقيقة، وأصبحوا الرقم الصعب فى كل من الشام والعراق- وأنهم لن يستطيعوا فى المستقبل حتى السيطرة على الشيعة العرب، كما توهموا فى بدايات حركتهم، وعدوانهم على المنطقة العربية، التى أصبحت على المحك، الآن، فى لبنان، والعراق أيضا.

إن الصحوة، الأخيرة، فى لبنان، أيقظت بيروت؛ لتعود “ست المدن”، ومركز الإشعاع، والهوية الثقافية، العربية، وليست مركزا لتصدير ثقافة “ولى الفقيه”، كما أيقظ المتظاهرون فى بغداد، بدمائهم، العراق، والأهم أنهم أعلوا قيمه، ومرجعياتهم، النجف العربية، وليست القيم الفارسية.

ذلك، ببساطة، ما يمكن أن نقرأه عن الأيام الماضية، فما حدث فى بيروت ليس مسرحا، أو فلكلورا، أو رقصة الموت، أو ملهاة، ولكن حركة شعب، أدرك أنه “مركز السلطات”، وقادر عليها، وقرر أن يحمى نفسه مباشرة- عبر تحركه البديع، والسلمى- من التدخلات الخارجية “الفجة”، التى ترقى إلى درجة “الاحتلال”، غير المعلن، عندما رأى أن كل السلطات عاجزة، ولا تقدر على شىء، بالنسبه لمستقبله، وبلاده، وحياته اليومية، ومستقبل أولاده.

ما حدث فى لبنان جاء من صحوة الشعب، الذى قرأ ما يحدث، وأدرك أن سلميته أقوى من الأسلحة، أو الميليشيات- مهما تكن قوتها، وأساليب الدعاية، التى تصحبها- لإنقاذ بلاده، وقالها، خلال الأيام الماضية، ومازال يقولها،على الرغم من المعاناة، والمخاوف، والفشل، والفساد، والنظام الطائفى، الذى وصل إلى درجة الفجاجة، بل التبجح، كما قالها لمحيطه العربى فى كل مكان: “لن نكون مركزا، أو جسرا، للإيذاء، لن نكون نقطة لنقل ثقافة العداء بين الطوائف الإسلامية (سنة وشيعة)، كما لن نقبل أن تكون بلادنا مطية للتقسيم، وإشاعة الفوضى، بين العرب، أو تقسيم منطقتنا على أسس طائفية مقيتة، أو نقطة للتقسيم أو الصراع الدينى (مسلم ومسيحى ودرزى).. وغيرها من التقسيمات، التى يعج بها الشارع اللبنانى، الذى كانت كلمته واحدة، ومتحدة، ومعبرة، وصادقة، بل ساطعة،وقالها بعفوية، وفورة، تستحق التقدير، والاحترام.

ولكن، ماذا بعد القراءة؟.. فإن ما حدث فى لبنان، وحركة شعبه المباركة، رسالة بليغة.. أن نمد أيدينا إلى الشعب، الذى يقف في الساحات، باحثا عن الحياة، والخروج من الفقر، والعوز، ومن المأزق، الذى وضعته فيه الصراعات الإقليمية المخيفة، والسياسات الفاشلة، والفساد، الذى يعانى منه اللبنانيون، والعراقيون، والسوريون واليمنيون.. لقد وقع أهالينا فى حروب ضروس، وصراعات، فرضتها عليهم صراعات عالمية، وإقليمية، ولم تكن لدى دولهم مؤسسات، أو جيوش، قادرة على صد العدوان، ومنع انهيار الدولة، فكانت الشعوب ضحايا، وتقطعت سبلهم مع الحياة، والمستقبل، وفقدوا الأمل.

لست من الحالمين، الذين يهتفون للمتظاهرين، ويدعونهم إلى الانتحار؛ لاستكمال الملهاة، أو المأساة، أو الضياع، المفرط، ولكن أدعو إلى التعقل، وأن تتحول حركة الشعوب الواعية، والفاهمة، لكى تتأسس على أيديها مؤسسات جديدة، وحية، وأن يكون لها فعل حقيقى، مستمر، وقائم على الأرض، لإنقاذ الأوطان، ومنع معاناة الناس، وأن يكون تدخلنا عاقلا، وحكيما، وإنسانيا، وأرى أن الشعوب سوف تنتصر على جبروت المستعمر الجديد، الذى يحاول أن يتقدم على أكتاف اللاوعى، أو الطائفية، والعنصرية، وتحركه أطماع، وأحلام، إعادة الإمبراطوريات البائدة، أو الغابرة، التى ليس لها مكان فى عالمنا المعاصر، وأدعو المتعاونين معهم، من مواطنينا، سواء جماعات، أو أفرادا، أو طوائف، إلى التعقل، وأن يوقفوا طموحاتهم الخائبة، الباحثة عن سلطة- ولو على جثث أهاليهم، وأوطانهم- والتى ليس لها معنى حقيقى على الأرض، أو فى المستقبل.

لا أستطيع أن أخفى مشاعرى، وحبى، وقلبى مع كل لبنانى ولبنانية؛ خرجوا إلى الشوارع، ليقفوا مع وطنهم، وأمتهم، وهم لا يملكون شيئا، إلا طموحهم، وآمالهم، وكذلك الأخوه العراقيون، الذين افترشوا الشوارع، وأسفل الكبارى، واليمنيون، الذين يعيشون فى أوضاع القرون الوسطى، والفقر المدقع، والأخرون، الذين يعانون فى كل مكان، وركن، فى عالمنا العربى، وأرى أن هناك ضوءا، فى نهاية النفق، الطويل، المظلم.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق