مقالاتمقالات الأهرام العربى

صيحة سقوط “البغدادى”..!

بقلم: أسامة سرايا
لم يشبع الرؤساء الأمريكيون، المتعاقبون، بعد، من أن يطربوا، ويستعرضوا، ويسعدوا، كلما قضوا على أحد زعماء عصابات الإرهاب، والتطرف، الشرق أوسطى، فهم يكررون الصورة، فى منطقتنا، وبالمقاس نفسه، مع اختلاف فى الرتوش، ونحن، فى المكان ذاته، من الحدث، مازلنا- أو بعضنا- نرى أن الأمر لا يخصنا، فى حين أننا، نحن أهل الشرق، معنيون، قبل أى أحد آخر، بأن نجفف منابع الإرهاب، والتطرف، ونستأصله، فى منطقتنا.. مازلنا لم نأخذ خطوات كافية فى هذا المسار الخطير.
مرت ٨ سنوات على صورة “أسامة بن لادن” فى كهوف باكستان، وأوباما أعلن أنه تخلص منه؛ ذلك الرجل، الذى أوضحت التحقيقات الأمريكية أنه كان وراء أحداث “سبتمبر 2001” فى واشنطن ونيويورك، ومن أجل اصطياد “تنظيم” خاضت الولايات المتحدة حروبا فى الشرق (أفغانستان والعراق.. وما بعدهما) للقضاء عليه.
لقد أعاد ترامب تصوير المشهد نفسه، وبأسلوب وصورة مبتكرة، فى أكتوبر 2019، ولكن، هذه المرة، لاصطياد المتهم الأول، الذى سجل “الرقم القياسى” فى قتل المسلمين، والجنسيات الأخرى، وهو الإرهابى “زعيم الدواعش”، الذى حصل على ألقاب عدة، ومسميات مختلفة، بين سامراء العراق (الخليفة إبراهيم – البغدادى قائد عظيم الدولة، زعيم الدواعش”، ذلك الرجل، الذى أرعب العالم، لسنوات، كان فريسة سهلة،وتم قتله، أو انتحاره، فى نفق، ومات مذعورا، خائفا، طريدا، وملثما، فى المناطق الصحراوية، بين سوريا والعراق.
لقد خطط الأمريكيون لكيلا يتحول “زعيم الدواعش” إلى”أسطورة” لدى شعوبنا فى الشرق، ونحن نطمئنهم أننا لم نعد نؤمن بالأساطير، ونحن نعرف الإرهابيين.. قد نكون عاجزين عن استئصالهم، لكنهم لم يعودوا يخيفوننا، وهم مكشوفون لدينا، ونطلب منكم أن تتوقفوا عن صنع الأساطير، وتمويلها، و”تثمينها”، حتى لحظة “الاصطياد”.. لن نقلل، أو نتهرب من مسئوليتنا؛ بأننا قصرنا فى مواجهتهم، مما جعل بعض بلداننا “حاضنة” لهذا الفكر المتخلف، والجاهل، والذى ليس من الإسلام، أو أى دين آخر، فى شىء، ولكننا لا نستطيع أن نتجاهل أن الدعم، والأموال، التى رصدت لتشجيع هذه التنظيمات، مازالت موجودة، ولم تجف بعد، بل تجرى تحت أنظار المجتمع الدولى، ومؤسساته المختلفة، وقد يرى الكثيرون أن بعض حلفاء أمريكا، خاصة فى تركيا وقطر، يمولون هذه التنظيمات، ويتعاملون مع قادتها، من “القاعدة” إلى “داعش” إلى “الأخوان” إلى “النصرة” إلى “أنصار الله”.. وكل التيارات، و”التنظيمات”، تذهب إلى هناك؛ للحصول على الدعم، والتشجيع، بل إن هناك “منصات إعلامية” أطلقتها هذه البلدان، لتشجيع الإرهاب، والتطرف، فى مختلف الدول العربية، بالشرق الأوسط، وتجنيد الأنصار، وإرسالهم إليها، لزعزعة استقرارها، ليظل التساؤل: ما الهدف من تثمين هذه التنظيمات، ثم قتالها، والقضاء عليها بعد ذلك؟.. ألم يكن من الأفضل أن يشتركوا معنا فى تجفيف منابع هذه التنظيمات، والقضاء على فكرها، وتخليص منطقتنا من سمومها، ومنع نشأتها أصلا، والتى تحصل على دعم دولى؟..
إننا نجد أن التنظيمات المتأسلمة تتحرك بحرية فى العالم الغربى، خاصة “الأخوان”، على الرغم من أنه “التنظيم الأم” لكل هذه التنظيمات، بل يحصل على دعم الكثير من المؤسسات العالمية، العاملة فى مجال حقوق الإنسان، وقد تكون بلادنا تنفست الصعداء بالتخلص من “بن لادن” و”البغدادى”، وبينهما “الزرقاوى”، ومواجهة التنظيم الدموى “داعش” الإرهابى، الذى أذهل العالم بقدرته القتالية، ونجاحه فى استقطاب الأنصار، وتجرئه على التاريخ الإسلامى، حينما أعلن “الخلافة” فى سوريا والعراق، وتحكم فى الأراضى الشاسعة، وملايين البشر، ومارس كل أساليب التعذيب السادى، والإجرامى، على أهل الشام والعراق.. لقد رحل هذا البغدادى “البشع” وفى رقبته، ورقبة تنظيمه “الوحشى” عشرات الآلاف فى منطقتنا العربية والعالم، ونحن فى مصر مازلنا نكتوى منهم، ومن “الذئاب الفردية”، التى أطلقها فى سيناء، ومازالت صور الضحايا المصريين المسيحيين، الذين قتلوا فى الصحراء الليبية، ماثلة فى الوجدان المصرى، لا تُخطئها عين، ولا نتغافل عنها، بمرور الزمن والأيام، فنحن واجهنا هذا التنظيم، البشع، فى صحراء سيناء، واستئصلناه، تقريبا، ولم نطلب من أحد، فى العالم، مساعدتنا، وتحملنا، بشرف، حرب هذه التنظيمات، ودفعنا ثمنها من قوت، ودماء، أولادنا، وعرق جبين الفلاح المصرى، ولم نصرخ.. ولكننا الآن ننظر إلى المستقبل.
إننا، إذا كنا نحتاج إلى إحداث تغييرات كبيرة، فى كل المجتمعات العربية، فإن أول ما يجب أن نفعله هو تشجيع المفكرين، والأدباء، لكى يعود طه حسين من جديد، وكل المبدعين، الذين رحلوا، فالمجتمعات الحية تتحرك لحفظ حياتها قبل أن يخربها المجرمون، السفاحون، الإرهابيون، الذين ظهروا فى أعماق كتب، أو أفكار سطحية، وجاهلة، لم تجد من يواجهها، ويضعها فى مكانها الصحيح، قبل أن تتحول إلى رصاصة تقتل الناس، وتذبح الأطفال، وتسبى النساء..
علينا أن نقف ضد الجماعات، التى تبذر بذور الشقاق العرقى، والسياسى، والطائفى، وتؤججه، بجانب تقويض الثقة فى السلطات الوطنية، القادرة على مواجهتهم، وعلينا أن نكشف السياسات، التى تفتح هذا الباب، وتلعب عليه.. لماذا لا نكشف دور أردوغان فى انهيار سوريا، ويدخل الآن فى شمالها لإنشاء مناطق آمنة للإرهابيين الذين يخطط لاستخدامهم فى الخليج العربى ومصر؟.. لماذا لا نسارع إلى علاج مناطق التوترات العربية.. مناطق الاحتلالات، سواء فى سوريا أو اليمن أو ليبيا، وحاليا فى لبنان والعراق؟.. ولماذا لا ندخل فى حوارات مع كل الأطراف الإقليمية، التى تغذى تلك التيارات الإرهابية، والتطرف؟..
إن “صيحة” سقوط “البغدادى” و”داعش” ليست نهاية المشهد الدموى فى الشرق الأوسط، لكنها “نقطة ضوء” يجب أننبنى عليها، لمضاعفة جهودنا، على كل الأصعدة، لاجتثاث تلك الظاهرة، التى أعادت بلادنا، ومنطقتنا، قرونا إلى الوراء، ومنعت تقدمها، وتطورها، وأعاقت ارتباطها بعالمها المعاصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق