مقالاتمقالات الأهرام اليومى

محمود صلاح.. عنوانا

بقلم : أسامة سرايا

تعيش الصحافة، فى عصرها، الراهن، رحلة مخاض، كبيرة، لأن التكنولوجيا، المعاصرة، قلبت موازينها رأسا على عقب، ولكنها سوف تظل مهنة المحتوى، أو مهنة الإبداع.. قد تتغير الوسائل، وطرق الكتابة، وأساليبها، ولكن سوف تظل مهنة الصحفى، المبدع، والقلم، الذى يكتب، ويرسل الحقائق.. ذكرتنى، وألحت علىَّ، مهنتى، أن أكتب عنها قصة، أو أحكى مسيرتها فى 50 عاما، وأنا أرى رحلة مهنية، فائقة الجودة، والإبداع، ترسل لى رسائل النهاية، برحيل صاحبها..
فقد فقدت مهنة الصحافة، أحد أهم أركانها، وعناوينها، الواضحة، والمبدعة، منذ 4 عقود، الصحفى، محمود صلاح، ابن مؤسسة “أخبار اليوم”، الذى تفانى فيها، وأحبها، وغرس كل موهبته، وفنونه فى عالم الكتابة لها، فأصبح عنوانا للصحافة المليونية، لأنه يكتب القصة، التى تهم كل الناس، كل البيوت، فهى المتوسط الحسابى، الجامع بين الغنى والفقير، والمتعلم وغيره، بل بين الأطفال والشباب، وكان أصحاب “أخبار اليوم”، خاصة مهندسها مصطفى أمين، يعشقها، على الرغم من تأميم صحيفته، فى الستينيات، حيث أصبحت مؤسسة عامة، أو حكومية، ولكن من يحب لا ينسى محبوبته، أبدا، وهى بعيدة عنه، فيظل يقدم لها الدماء الجديدة، أو يجدد دماءها، ويرعاها، حتى وهو فى السجن، وراء القضبان، فى تهم سياسية.. اكتشف، ونقّب، وأخرج لهم إبراهيم سعدة، ووضعه أمام من اختاره ليكون رئيسا لمحبوبته “أخبار اليوم”، ثم وضع أمامهم، صحفى الحوادث، الأديب، الذى هجر حب الكلمة، فى لغة الأدب، لمصلحة “نداهة” الصحافة، وفى أصعب مناطقها، عالم الجريمة البشعة، أو الإنسانية، عالم حياة الناس، والمجتمعات، بها يحيون، ومنها يعرفون بعضهم بعضا، ويقيسون درجة تقدم مجتمعاتهم، ونمو الحياة، والإنسان، وكيف يتم الاختيار، والانتقاء، بالتعايش، والفهم، والعلم، والاجتهاد، والتفانى، وليس بالإقصاء، أو الشعارات، أو الأوهام.
لم تكن يوما الصحافة منصب “رئيس”، أو “مدير”، بل كانت، دائما، مهنة الكاتب الموهوب، والصحفى المدقق، الذى يعرف رسالته، ويحول مفردات ما أمامه إلى قصة حية، متحركة، تصبح حدثا، وتتحول إلى حديث الناس، والمجتمعات.. هكذا كان محمود صلاح، وهكذا أصبحت صحافة “أخبار اليوم” مدرسة للصحافة المصرية، فبها تخرج رؤساء تحرير معظم الصحف المصرية.. لسنوات طويلة أصبحت صحافة الملايين، حتى “الأهرام”، العريقة، أخذت من “أخبار اليوم” أفضل نجومها، هيكل، وزملاءه، وانطلقوا بها، وصنعوا صحافة جديدة، فى مصر، ظلت لسنوات طويلة ملء السمع والبصر، ليس فى مصر وحدها، وإنما فى المنطقة العربية ككل.
حياة زميلى، الراحل، محمود صلاح، ظلت حدثا مهنيا، يترقبه معظم البيوت، فى بلدنا، خاصة كل يوم سبت، لنقرأ مفأجاته الجديدة، فقد كان قادرا على أن يجذبنا، ويشدنا، ويجعلنا نترقبه، لدرجة أن بعضنا كان يتساءل: هل تنتظر الحادثة محمود صلاح، ليكتب عنها، ويصنع منها حدثا؟!.. لكنها، دائما، المقادير تعطى لمن يستحقها، وكان محمود قادرا على أن يفوز، وعندما كانت الحوادث تختفى نجده يغوص فى عالمها القديم، ليقدم للعدالة، والمجتمع، ذخائر من قصص، وحوادث، خطفت العقول، مثل القلوب، ورؤى متجددة، لحوادث، هزت وجدان المجتمع قديما، ولعل قصتى “ريا وسكينة”، و”موت الفنانة سعاد حسنى”، عنوان حى لقدرة الصحفى على أن يقدم الجديد، من أضابير القديم، وحوادث، وجرائم وقعت، ولم يكن حاضرا، لكن ذهنه كان قادرا على أن يلملم أحداثها، ويقدمها من جديد.
سبقنى الكثيرون، وكتبوا، بعمق، عن محمود صلاح، لعل أهمهم الدكتور نبيل عبد الفتاح، عالم الاجتماع، فلمس تحلل المجتمعات فى كتابات صلاح، والذى التقط خيطا مهما، واكتشف، بعقله، أن هناك بطلا من جيلنا، الجيل الصعب، الذى ظهر بعد تأميم الصحافة، وأصبحت مهنة عامة، ومشاعا، ليس لها صاحب، وأصبحت نقطة تقاتل، وكان على الصحفى أن يبذل أكثر من طاقته للوجود على مسرحها، ليس بالعمل فقط، ولكن بالتكيف مع أطر سياسية ليس فى ذهنها القارئ وحده- لمس ذلك محمد على إبراهيم، حينما كتب عن صلاح- ليس من بينها الإبداع، أوالمهنة، ولكن تتحول الصحافة تدريجيا إلى مهنة الموظفين، والكادرات الحكومية، وهى نقطة سقوط كبرى لمهنة الإبداع، بعد رحيل كبار الصحفيين، أو نجوم الإعلام، الذين عاصروا عالما آخر، عالم ما قبل التأميم.. لذا كان علىّ أن أُرثى قطعة من روحى، ومن حياتى، رحلت إلى العالم الآخر، أدعو له، وأقول له: لقد أعطيت يا “محمود” ما استبقيت شيئا، وتركت تراثا مهنيا، سوف تستخرجه الأجيال القادمة، لكى يحكى لهم عن الحياة الاجتماعية، وأسرهم فى الماضى، لأن ما كُتب فى الصحافة هو تاريخنا السياسى، والاقتصادى، والاجتماعى، والرياضى، والثقافى، والفنى، فسيجدون تراثا ذكيا، مكتوبا بقلم موهوب، كانت عينه على أهله، وناسه، ومجتمعه، وصحافته، ولم يكن يبحث عن أى شىء آخر، وقد صنعت له الصحافة مجدا بين البسطاء، وبين الناس.. نجومية، ومحبة، ليس لها نظير، يعرفها من خَبِرها، وكان “محمود” سعيدا بها، ولكنه كان يبحث عن الاستمرار، والعمل، فى زمن تَرهل، أصبحت للموظفين فيه مكانة عظيمة، وهم لا يَخْبِرون المهنة، ولا يسمعون كلماتها، ولذلك أصبحت مهنة يُحال فيها الكاتب، أو الصحفى، إلى المعاش، ولذلك لم يحزن محمود صلاح على الرحيل، كان يراه قادما، فلم يقاومه، أو يحاول أن يؤخره، فقد وجد أن فى غياب قصته الأسبوعية هو الرحيل بعينه، وأصبح الوجود، بالنسبة له، لا يعنى شيئا، وكنت أواسيه، أو أشجعه، وأقول له إنها مرحلة وتنتهى، مرحلة، عادة، تكون عقب التواترات، أو الثورات الصعبة، وأن جمهورنا لم يختفِ إلى الأبد.
إن الكلمة، أو الجملة الأدبية، واللغة الصحفية، تسكن فى الوجدان، ولن تموت، أو ترحل، برحيل أصحابها، المبدعين، أو الموهوبين، ولكنها، دائما، قادرة على التجدد، وبعث الحياة الجديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق