مقالاتمقالات الأهرام العربى

مئوية آخر ملوك مصر والسودان

بقلم: أسامة سرايا
فى مصر الآن، ونحن نضع مسلة فرعونية فى أهم ميادين مصر (التحرير)، وننقل الكباش، ليعرف كل مصرى ومصرية تاريخ الحضارة الفرعونية العظيمة- أصلنا المجيد- علينا أن نُلقى نظرة فاحصة على تاريخ دولتنا المعاصرة، فى العصرين الملكى والجمهورى، ونُعيد المصالحة بين تاريخينا، ونسقط الثنائيات العجيبة، التى برع فيها البعض منا، تحيزا تارة، بين الجمهورية والملكية، فنحن حتى فى العصر الجمهورى، انقسمنا وتحيزنا، بل تشعبنا، حول نجيب، وناصر، والسادات، وصولا إلى مبارك.
هذه الثنائيات- التى أطبقت حتى على عقلية مشجعى الكرة، الأهلى والزمالك، وسادت لسنوات فى تفكيرهم، حتى نسوا الكرة نفسها، من أجل التحيز والمكابرة، فضاعت ولم تنمُ بما يكفى- وقع فيها الجميع، صغارا وكبارا، حتى أكثرنا ثقافة، وكانت كل مناقشاتنا تحيزا، وغابت الموضوعية، ونسينا التأمل فيما حولنا، ولنا، وعلينا، فضاع الهدف من تحت أيدينا.
تمرعلينا، العام الحالى، مئوية ميلاد شخصية مصرية، لها فى تاريخنا تأثير عظيم، وتراوحنا حولها فى الحب، والكراهية، والتقدير، وشهدت، برغم عمرها الصغير فى حكم مصر، تحولات جسيمة، فى حياة الوطن والمواطنين، أقصد الملك فاروق الأول، آخر ملوك مصر من الأسرة العلوية، التى حكمت مصر150عاما، ولها فى تاريخنا العريق فضل السبق فى تأسيس مصر الحديثة، أو المعاصرة، ولم يستطع أحد أن يخطف من مؤسسها محمد على الكبير لقبه “مؤسس الدولة الحديثة”، أو “بانى الجيش المصرى”، أو “الرجل الذى نقل مصر من العصور الوسطى لتلحق بالعصر الحديث”، فالرجل، الذى حكم مصر 43عاما، قالوا عنه فى الشرق والغرب، إنه تمكن من تجسيد المعجزة المصرية، وحول مصر إلى بلد منتج، والأهم، أنه وعى هويته، فهو رجل استثنائى، صنع نهضة شاملة، قلبت حال مصر، وسعى حثيثا وراء استقلالها عن العثمانيين والأوروبيين معا، وكل أبنائه، من بعده، حافظوا على البناء، واستقلال مصر، فى ظروف دقيقة، والتاريخ شاهد، والبناء باقٍ، ومدن القناة باقية، بل قناة السويس، ومواردها، للمصريين، باقية ، بل إنه هو الذى أرسل البعثات للخارج، التى صنعت ثقافة، وحضارة، وقوة مصر الناعمة، التى هى مصدر اعتزازنا، وفخرنا بأبنائنا الصناع، والكتاب، والفنانين العظام.
مئوية الملك المصرى، الشاب الوحيد، الذى حمل لقب ” ملك مصر والسودان”، تستدعينا أن نطلب من الجمعيات التاريخية، والقوة الناعمة المصرية، المتعددة ثقافيا، ومؤسسيا، إعادة الاستفادة من كل مقومات تاريخنا، واستثمارها من جديد، فى السياحة، والسياسة، وجذب الآخرين لبلادنا، لمصر فى زيادة حب الوطن، وانتماء أبنائه له، وشعورهم بالفخر بما حدث، وأن نعرف تاريخ الملك الشاب فى الاستقلال الوطنى- الذى قد يكون دفع ثمنا ملكه- أنه كان يبحث عن استقلال الوطن، وحبه لبلاده، وكرهه للاحتلال الإنجليزى.
إذا أعطينا فاروق حقه، متخلصين من حملات التشهير، التى صاحبت قيام الجمهورية فى مصر، لن يَنقص ذلك من أحد فينا، ولن يؤثر فى تاريخ الجمهورية الراهنة، وزعمائها اللاحقين، والمتتابعين، ولا يعنى عودة الملكية لمصر من جديد، بل إننا نحمى مصر، ملكية وجمهورية، من الادعاءات، والأكاذيب، وسيعطينا ذلك تبصيرا، ومعلومات: ماذا حدث فى مصر بالضبط؟، وسيحمى تاريخنا من التشويه، ومن حملات الكراهية المتتابعة لحكامنا، بل ظلمهم، ووضعهم، أمام الأجيال المتتابعة، بصورة غير حقيقية، وظالمة، بل سوف يؤصل ثقافة جديدة، نحن فى أمس الحاجة إليها جدا، وهى ثقافة التواصل، والتراكم، والصدق، وسُينهى الازدواجية المقيتة فى تفكيرنا السياسى، وسوف يُنعش النفوس الحية، بل سوف يَهزم الرغبات، والشهوات الممجوجة، التى تصاحب البعض فى كل مناحى حياتهم، بل سوف يعطينا مساحة كافية للرؤية، والفهم، بكثير من العمق، والعلم، بديلا للدعاية، أو تحشيد الناس فى اتجاهات مختلفة، وسيفتح أعيننا على ما تحقق فى بلادنا، بدقة، واحترام، على مر تاريخنا، ملكى وجمهورى، وسوف نرى أننا سبقنا الجميع، بمنطقتنا، فى بناء الجامعات، والاقتصاد، والخدمات، والبنية الأساسية، فى كل المجالات، والسدود، والترع، والجامعة تلو الأخرى، وفى الصناعة، والزراعة، وتشييد المدن.
وهنا أتساءل: لماذا لا نعيد الأسماء الحقيقية لجامعاتنا، التى طُمس فيها من أنشأها، خاصة أن مصر سوف تُنشئ، أو أنشأت جامعة جديدة، ولم تسمها بعد؟، فمن الممكن أن نُطلق عليها أحد الأسماء، التى أطلقناها على الجامعات القديمة، التى أُنشئت فى عصر محمد على، وأبنائه، أيضا، الشوارع، والمدن، التى غيرت أسماءها، لماذا لا تعود تنبض حية بالأسماء القديمة، حتى نحفظ تاريخنا، بلا تشويه، أو حروب عمياء، لا معنى لها.
إن تاريخنا سلسلة من النجاحات، والتعثرات، بل إن الشعوب الحية هى التى تستفيد من الهزائم، والكوارث، وتحولها، مع الزمن، إلى رصيد لا ينفد، من القدرة، والاستمرارية، والبناء، والتراكم، ولو أمكن لنا ربط هذه الحلقات، التى هى من عمر الزمن، بمزاياها، وعيوبها، لكان لنا عمر طويل، وتاريخ زاخر، ولتمكنا من إيجاد حلول لمشكلاتنا، بنضوج مرتفع، عبر هذه الحلقات المتواصلة، من تاريخنا.
لقد أعدت قراءة تاريخ فاروق الأول، فوجدت أننا أمام شخصية فيها من العظمة، والنقاء، والبصيرة، وحب مصر الكثير، والعمل لمصلحتها، عبر تاريخنا المعاصر، فالكثير من الشائعات، والكذب، والدعايات السياسية السخيفة، بل المغرضة، والسطحية، والتشويه المتعمد، واستمرارها، يعطى اللاحقين حق استمرار ذلك السلوك المعيب فى التاريخ، بل يعطى للمشوهين فى تاريخنا مميزات، يجب أن نرفضها فورا، حتى نحافظ على نقائنا، واستمراريتنا، بنضوج، وشفافية، وقدرة على استيعاب العصر بملكاته، وقدراته، بلا خوف، ففريق من آخر التاريخ لا يعود بتصحيح ما قيل عنه، ولكن بذلك نحمى المستقبل، بتنقية التاريخ، والحفاظ عليه، صادقا بلا كذب، أو ادعاء.
يبدو لى من المراجعة أن للأسرة العلوية، ولفاروق الملك آخرها، على المصريين المعاصرين، سواء حكاما أو محكومين، حقوقا كثيرة، يجب أن نسددها، ليس لهم، ولكن لأبنائنا، وأجيالنا القادمين، حتى يكون تاريخنا ناصعا، ومستمرا، وقويا، وصادقا، وحيا، نفتخر به جميعا، وقادرا على الإلهام، والتغيير بإيجابية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق