مقالاتمقالات الأهرام العربى

“خدام”.. الصندوق الأسود لـ”الأسد”!

بقلم: أسامة سرايا

رحل رجل حافظ الأسد المفضل، لم يستطع أحد أن يقترب من الرئيس السورى الراحل فى حياته، وفى سلطته، مثل عبد الحليم خدام، وزير خارجيته، طوال سنوات حكمه، ثم انتهى به الأمر نائبا للرئيس، ثم على رف الحكم، أو فى الظل، بعد رحيل رئيسه، وفى حياة خليفته الرئيس الابن بشار الأسد..

لقد ظل الرئيس الابن (بشار) ينظر إلى خدام على أنه مرجعية أبيه، لم يستطع أن يعزله، ولم يستطع أن يتعامل معه، كما لم يستطع أن يسمع له، وكان يتجنبه، بل يخشاه.

لم يرض نائب الرئيس (خدام) أن يكون فى الظل، فى عهد الرئيس الابن، فقرر أن يقفز من قفص السلطة الذهبى إلى خارجه، واختار أن يكون معارضا، ولم يستطع أن يكون الشخص الذى يتمنى، ولم يكن هناك شخص يهتم بالشئون العربية فى المنطقة لم يعرف خدام، ويتعامل معه، فهو صاحب الملفات المهمة فى السياسة السورية، لأكثر من 40 عاما، فقد كان الراحل يحمل ملفات الأسد الأب مع لبنان، وملفاته مع فلسطين، بل ملفاته مع العراق، ومعظم الملفات العربية الحساسة، مثل مصر والسعودية..

إن عبدالحليم خدام ظل لسنوات يمثل “الصندوق الأسود” لطائرة “الأسد” فى حالات الإقلاع، وعندما هبطت برحيل القائد البعثى العتيد (حافظ)، فإن الصندوق، برغم أنه قرر المعارضة، وأن يمضى ما بقى له من عمره فى باريس، فإنه ظل على ولائه، ولم يستطع أحد فتحه ، فلقد ظل مغلقا.

إننى أحترم عبدالحليم خدام، رحمه الله، فلقد رأيت فيه الأمين على سر رئيسه، حتى مع رحيله، والتقيته مرات عدة، كان آخرها وهو خارج السلطة منفيا فى فرنسا، وكشف لى، بوضوح، لأنه يعرف حبى وتقديرى لرئيس الوزراء اللبنانى الراحل رفيق الحريرى، أنه قرر أن يذهب بعيدا، بعد مقتله، والذى بنى بيروت، بل لبنان، بعد الحرب الأهلية الطاحنة، وكنت فى كل مرة أقابل الحريرى- رحمه الله- يقول لى إن عبد الحليم خدام قادر على التأثير، وأنا أثق فيه، قل للمسئولين فى مصر ذلك، لكى يعرفوا أن خدام مفتاح جيد للأسد، قل لهم أن يثقوا به، فخدام هو سر الأسد.

لقد كنت غير مقتنع بهذا الكلام إلى أن رحل الحريرى فى 2005، ثم قابلت عبد الحليم خدام، وقلت له: كيف تقبل أن يُقتل صديقك، ومن صَدّقك، وكان يتكلم عنك كأنما يتكلم عن نفسه؟!.. فلمحت الدموع فى عينىّ خدام، وقال: أنا هنا لأننى لم أقبل، ولم أعرف من فعل، ومن ارتكب هذه الجريمة الشنيعة، ومن أمر بها، وإن ذلك كان بعيدا عنى، ولا أعلمه، وسكت السكوت البليغ، ثم قال إن من ورِثوا ملف لبنان بعد رحيل الأسد الأب هم من أجبروا الابن على الانصراف عن الملف اللبنانى، أو تصرفوا بعيدا عنه، أو أنهم قرروا بعد رحيل الأسد الأب أن يهمشوا سوريا ككل فى لبنان، وأن القرار هناك، أو الملف، كما كان يعرف، انتقل من اليد السورية إلى اليد الإيرانية مباشرة، وأن دم الحريرى ليس فى رقبة السوريين، بل فى رقبة إيران وأعوانها فى “حزب الله”، وهكذا استأسد “حزب الله” فى لبنان، وأصبح الحزب، أو الجيش الحاكم، وكل حكام لبنان فى الحكومة هم أشكال وهمية لسلطة ليست فى بيروت، وإنما فى قم، أو طهران، وأن لبنان تحت الاحتلال الإيرانى بالفعل، ليس جزءا ولكن الكل.

كما كان خدام يُلمح دائما إلى أن القادم فى سوريا سيكون أسوأ بكثير من لبنان، وقد حدث فعلا ما توقعه الرجل، بل الأسوأ كاملا، وأن بلاده سوف تُصبح شيعا وأحزابا، وسيتم تفكيكها تماما، وقد لا تكون هناك سوريا بالفعل، وأن الحرب قادمة، ولذلك كان قراره الصعب الرحيل، وترك السلطة تغرق، وأن ينجو بنفسه، ولم يستطع، وظل معارضا يحمل على كتفيه أوزار الحكم هناك، وكانت صورة رحيله فى زمن “كورونا” وحيدا، وابنه بجانبه، وغياب كل الأصدقاء، ومن عرفوه؛ كاشفة لهذه الحقيقة المؤلمة، وهكذا كانت النهاية غامضة، وغير كاشفة

عاش عبد الحليم خدام فى كنف الأسد (الأب)، ولم يستطع أن يتكيف مع الأسد (الابن)، وحاول أن يكون معارضا لحكومة سوريا، فلم يستطع، وكشفت لى الأيام أنه عندما خرجت مظاهرات لبنان لإخراج سوريا من هناك، بعد مقتل رفيق الحريرى، رئيس الوزراء، وزعيم السنة، لم يكن القرار للمتظاهرين الغاضبين، كما تخيلت ساعتها، أو رأيت، وأن لبنان حصل على حريته، وإنما كان لـ”حزب الله” وإيران، بأن تخرج سوريا من لبنان، وأن تشير أصابع الاتهام بمقتل الحريرى إلى السوريين، فى حين أن الحريمة تمت بعيدا عنهم، والقرار لم يكن سوريًا، بل كان إيرانيا.

فى اعتقادى أن رحيل خدام يعبر عن الحقيقة الغائبة، أو الغامضة، التى لم يستطيع أحد أن يقرأها حتى الآن، حتى المحكمة الجنائية الدولية اقتربت ولم تعرف الحقيقة، أو القصة بالضبط، فهى قصة صعبة، وغريبة، ومازالت تحتاج إلى من يكتبها، ويكشف أسرارها.

رحم الله الأسد الأب، ونائبه خدام، الذى لحق به، فهو صندوق مغلق على أسراره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى