مقالات الأهرام اليومى

الحياة في ظلال “كورونا”..!

بقلم: أسامة سرايا
سوف نُطلق فى قادم الأيام على عام 2020 أنه كان عام “الوباء”، أو عام “كورونا”، حيث ساوى بين كل الدول، كبيرها وصغيرها، وتوقفت فيه الحياة تقريبا، التى عرفناها فى سنوات غِنى العالم، ورفاهيته،.
وأصبحت، خلاله المدن الكبرى أشباحا، فالحياة الإنسانية، والاقتصادية، كانت، فى معظمها، خارج الخدمة، فقد أُغلقت المطارات، وتوقفت الطائرات، والحركة، وكل وسائل المواصلات، بين الدول، وعجزت الاقتصادات المتقدمة، بكل علومها، وتفوقها، عن المواجهة، وحُجز الناس فى بيوتهم، وعُزلت الأسر عن بعضها.
والبشريه، قطعا، لن تنسى، ولن يَخرج من عقلها، ما حدث، تلك اللحظات الحرجة من عمر الإنسانية، هذا الحدث الفريد، أو المؤثر، الذى يَعجز العقل، الآن، عن الإلمام بكل تفاصيله، وتطوراته، فقد أطلق عليه كبار السياسيين “الحرب العالمية الثالثة”، أو “الحرب الكونية الأولى”، بكل مشتملاتها، كما سماه الدكتور على الدين هلال، السياسى، والأكاديمى، المصرى، وقال كيسنجر، السياسى الأمريكى العجوز، الذى كان وراء الدولة العظمى، حيث صُبغت سياسات أمريكا فى عقله لأكثر من 5 عقود، إنه سيغير النظام العالمى إلى الأبد، وإن الفيروس فى تفكيك المجتمعات لا يعترف بالحدود، وتأثيره عالمى..
ولعلى أتفق مع ما قاله، وطَرحه على صفحات “الأهرام”، الدكتور حازم الببلاوى، الاقتصادى، والسياسى، والمفكر، المصرى، من أن العالم القادم يحتاج بعض الوقت، بل إن شكل الدولة سيتغير، كما لن يكون عالم صراع بين الصين، وأمريكا، أو الاتحاد الأوروبى، أو الاتحاد الروسى، فـ”الفيروس” صهر البعض، وأظهر التحدى، لكن “الوباء” العدو الشرس، كما سماه الرئيس الأمريكى، قال لأمريكا، فى عز تطور اقتصادها، وميزانها التجارى المرتفع، والصين، بل العالم كله، “كِش ملك”.
ويبدو أن ترامب، الذى التقط من مؤسساته الخيط، أو الإشارة، لم يكن يُدرك، فى البداية، تأثيراته الخطيرة، وها هى كل مؤسسات بلاده خرجت من البيات الشتوى، وأعلنت، بكل وضوح، أنها فى حرب شاملة، واتخذت قرارات عسكرية، لم تُتخذ منذ الحرب العالمية الثانية، واستعدت لغياب الرئيس، ونائبه فجأة، بسبب “كورونا”،
وبرغم محاولة الرئيس الأمريكى، وإدارته، إلقاء المسئولية على منظمة الصحة العالمية، وأنها وراء التقصير، وإزهاق الأرواح، فإن أرقام ضحايا “كورونا” أضعاف ضحايا أمريكا فى الحرب العالمية، أو أحداث سبتمبر 2001.
أما فى مصر، فيجب أن أثمن، غاليا، كل القرارات الاقتصادية، التى اُتخذت لدعم الاقتصاد، ومساعدة الفقراء، وأصحاب الدخول غير الثابتة، وكانت المعادلة بين حماية الناس من “الوباء”، وفتح البيوت، وحماية اقتصادات المجتمع، مثالية، فنحن لسنا فى سباق بين المرض، أو الموت، أو الجوع، ولكن الثلاثة يجب أن يُهزموا فى عصر “كوفيد- 19″، ويجب أن تكون السياسات الاقتصادية للدولة، والمُوجهة لهذا العدو الشرس، متوازنة، ولا تجعل كفة تَرجَحُ على حساب الأخرى، فهذا هو معيار الانتصار، أو الفوز، فى هذه المعركة القاسية، فى التاريخ الإنسانى.
إن المرض وارد أن يُصيب أكبر عدد من الناس، لسرعة انتشاره، ويجب أن يُعالج المريض، وأن تُهيأ له فرص الحياة، وأن نملك القدرة، والبيئة المؤسسية، والطبية، على العلاج، كما يجب أن نحمى كل الضحايا الذين يسقطون فريسة للمرض، ولا نتركهم لبعض الجهلاء، الذين يرفضون توديعهم، أو تكريمهم، عند الرحيل، بما يليق بالحياة الإنسانية، كما حدث فى بعض الحالات بالقرى المصرية، لأن غياب الوعى، والخوف، والهلع، من الممكن أن يصيب بعض ضعاف النفوس، أو المُغيُبة عقولهم، أو من هم تحت تأثير قوة معادية.
أما توفير السلع الغذائية فى محلاتنا، وأسواقنا، بكميات وفيرة، فهو شىء يدعو للإعجاب، والتقدير، لكل مؤسسات البلد، والحكومة، وعلى رأسها القيادة السياسية، ويجب أن يتكاتف الجميع، قطاعا عاما، أو خاصا، حكومة، أو مجتمعا مدنيا، أفرادا، أو مؤسسات، للتخفيف عن جميع المواطنين، حتى نجتاز تلك “الجائحة” بسلام، و اطمئنان، ونجاح، ولا أُخفى إعجابى، وتقديرى، أيضا، لقدرة الدولة، التى ظهرت عند زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى- حيث أعطى سيادته رسالة قوية للمصريين، بل للمنطقة العربية، بالاطمئنان- يوم الثلاثاء الماضى ( 7 أبريل) للقوات المسلحة، حيث تابع جاهزيتها، ومخزونها الطبى، لمواجهة أى سيناريو غير متوقع، أو متوقع، بسبب هذا “الفيروس” اللعين، فلقد أدركت، ساعتها، قوة الدولة، وسلامة بنيانها، لأن من يملك قوات مسلحة بعقلية الجيش المصرى، وقدراته، واستعداده للفداء، والتضحية، يجب عليه أن يطمئن على سلامة الوطن، وقوته، وقدرته على مواجهة أى نوع من الأعداء، حتى لو كان “فيروسا” غير مرئى..
فى اعتقادى أن الشق الصعب، أو الفترة الدقيقة من هذا “الوباء”، أو من هذه “الجائحة” الخطيرة انتهت، وبدأنا فى محاصرتها، وعلاج أضرارها الجسيمة جزئيا، ويجب علينا أن نعمل على عودة الهدوء، والسكينة، للجميع، كما يجب أن تعود الحياة الطبيعية تدريجيا، وهذا لا يعنى أن نعود كما كنا، فقد علمتنا أزمة “كورونا” ضرورة تغيير شامل فى جميع مناحى حياتنا، وفى معظم، أو كل الأولويات..
صحيح، أن التغيير ليس جديدا علينا تماما فى مصر، فقد بدأناه قبل “كورونا” بالاهتمام بصحة الناس، عبر مواجهة فيروس “سى”، وبرنامج ” 100 مليون صحة”، وكذلك “التأمين الصحى الشامل”، ولعلنا زدنا عليها “تصحيح جذرى فى (أجور) الأطباء، وجميع المعنيين بالشأن الطبى، فهم مفتاح المستشفيات، وقدرتها، ونجاحها، وإدارتها، وتحسين الصحة العامة، وأعتقد أن التطورات، التى صاحبت هذا “الوباء”، وضعتنا فى مجال أن الصحة فى المقدمة، وأن يكون مستشفى، وطبيب، كل حى، أو منطقة كذلك، كما أعطت هذه التطورات، أيضا، زخما أكبر للبحث العلمى، الذى نحتاجه فى كل قرية، ومدينة، فى عالمنا المعاصر، وألا نعتمد على المؤسسات الخارجية فقط، فى هذا المجال الحيوى، لسلامة البشرية، والإنسانية جميعا.
فى يقينى أن البشرية المعاصرة سوف تهزم “كورونا”، ولكنْ إلى أن يحدث ذلك، يجب أن يتعايش العالم معه، فهو لن ينتهى اليوم، أو غدا، وإنما سيحتاج بعض الوقت، فالحياة تحت ظلال “كورونا” يجب أن تستمر، حتى لو حاولت الاختفاء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى