مقالاتمقالات الأهرام اليومى

مصر وإثيوبيا والسودان أمام كارثة على النيل

تغيرت الدنيا من حولنا، ولا يمكن الجمود أمام المتغيرات، خاصة أمام الأزمة الأخيرة، انتشار فيروس كورونا، الذى عطل العالم منذ بداية العام الحالى حتى الآن، وأمام تفشى الوباء، كان لابد من وقفة من الجميع، والتى عرفت بـالإجراءات الاحترازية، التى شلت العالم صحيا واقتصاديا واجتماعيا، وأيا كانت النتائج، فإن الحياة ستعود، وسوف تستمر، لأنها أقوى من هذه الجائحة.. وغيرها من الكوارث والأزمات الطاحنة.
ونحن فى غمرة الأعياد، يجب أن يهنئ بعضنا بعضا، وأبدأ بتهنئة المصريين فى كل مكان من عالمنا، وهم أمة كبيرة، لا يتجمعون فى مصر الصغرى فقط، أو (إيجيبت)، أو دلتا النيل، التى نعرفها بمصر الآن، ولأن الإمبراطورية المصرية القديمة، التى حكمت عالمها لسنوات طويلة، عندما تغيرت الدنيا من حولها، انتشر أبناؤها فى كل ربوع العالم، خاصة فى مناطق النيل والجوار بإفريقيا، ( السودان وإثيوبيا وليبيا)، حتى أعالى النيل، وانتشروا كذلك فى الشام والجزيرة العربية، بل حتى فى العراق والمغرب العربى، وهذه قضية مهمة لم يُسلط عليها الضوء حتى الآن، فأين هم المصريون.. ومن هم؟.. هل هم المائة مليون مصرى فى الدلتا فقط، أم أنهم أكثر، وفى مناطق عديدة؟.. فقد يكون أهل إيجيبت هم النواة الصلبة لهذا الإقليم الكبير، ولكننا نعرف أنهم كثيرون فى إفريقيا وآسيا، فى النوبة ودارفور، وشمال وجنوب السودان، وفى إثيوبيا كذلك، وقد قابلت فى السودان وإثيوبيا وليبيا مصريين كثيرين، أبناء الحضارة الفرعونية القديمة، استوطنوا عالما جديدا، لكن أرواحهم ممتدة إلى كل الإقليم، حتى إن هناك كثيرين منهم فى أعالى النيل، وإثيوبيا العليا وما حولها، يقولون بوضوح لقد أرسلنا إلى هنا لحماية النهر، وأن تصل المياه إلى كل أبنائه، بالعدل والحق والمساواة، بل حسب الحاجة للجميع، فهم أهل بلاد، أو منطقة واحدة، تقسمت إلى دول حديثة مجددا، وأننا نضمن المياه من المنبع إلى المصب، كما خلقها الخالق، لكل أهلها، أو أصحابها، مع التطورات، التى تصاحب ذلك، فإلى كل أهلنا المصريين فى كل هذه البقاع المنتشرة، أيا كانت انتماءاتهم، الآن أقول لهم، فى رسالة قصيرة، كل عام وأنتم بخير، ثم أضيف لهم مخاوف أهل الدلتا- النيل مما يحدث فى حوض نهر النيل، وتحديدا النيل الأزرق منه، فى إثيوبيا والسودان، من سد جديد تقيمه إثيوبيا، بغرض توليد الكهرباء، وما صاحب هذا السد من أخطاء كارثية وجوهرية، فى مرحلة التخطيط، والإنشاء، بل فى الهدف من السد، واختيار المكان.
إن هناك أمورا كثيرة سوف تكشفها الأيام، ولكننا الآن ننظر إلى المستقبل بكل حقائقه، بل بكل أخطائه، حتى بما فيه من أمر واقع مجحف، من أخطاء وكوارث، قد تُودى بالإقليم كله جراء هذا السد، فهناك كثيرون متشائمون من تحول الخلاف إلى صراع لا تُحمد عقباه بين دول حوض النيل الأزرق، وهم أهل وأشقاء، سواء كانوا فى إثيوبيا أو مصر أو السودان، لكننى مازلت أراهن على الحكمة أن تسود، خاصة أن فى السودان، و إثيوبيا كذلك، الآن، حكومتين على مستوى عالٍ من الفهم والكفاءة، وعلى رأس الحكومتين شخصيتان عالميتان تتمتعان بقدرة نافذة، كما أن مصر لم تأل جهدا فى السنوات الماضية فى إعلاء المصالح العليا، وارتقت إلى قمة الحكمة، والفهم، ونبذ الخلاف، بل بالتعامل بحسن النية مع السودان وإثيوبيا.
إننى أرى أن المصريين قد لجأوا أخيرا, بعد طول صبر وإناءة، بل تأخر كبير، تقديما لحسن النية، وهذا يجب أن يكون مُقدرا من الأصدقاء فى البلدين، ومفهوما من المصريين كذلك، عملا بقواعد التعامل مع الأصدقاء، أصحاب المصلحة الواحدة، بعد 9 سنوات من مفاوضات عسيرة, إلى الأمم المتحدة، وتعد الشكوى المصرية إلى مجلس الأمن رسالة واضحة عن المخاوف، التى تكتنف أهل الدلتا- النيل من هذا السد، خاصة بعد انسحاب إثيوبيا من المفاوضات، فى نهاية فبراير الماضى، لإبرام الاتفاق النهائى بخصوص قواعد ملء وتشغيل السد.
هذه الشكوى هى مقدمة للمخاوف، وتطوراتها الدقيقة، والصعبة على الجميع، ويجب أن تضعها الدولتان (السودان وإثيوبيا) موضع البحث والتدقيق، فلا يمكن قبول أن يبدأ طرف بشكل أحادى، كما يقول الإثيوبيون، بملء السد الجديد فى يوليو المقبل بالمياه، دون اتفاق مع الأشقاء فى دولتى المصب (السودان ومصر)، كما أرى بوادر صحوة فى السودان، بعد طول صبر، بل سنوات طويلة، أو تواطؤ مارسته حكومة الإخوان السابقة، إبان حكم البشير، أدت إلى تفاقم هذه الأزمة، بكل ملابساتها المتشعبة، بل تم بناء السد فى أراضٍ سودانية قديمة (منطقة شنقول) تنازلت عنها لإثيوبيا عام 1902 ، شريطة عدم إقامة أى مُنشأة عليها إلا بموافقة مصر والسودان، خاصة أن كل الدراسات الأولية تكشف عن مخاطر جمة، ليس أقلها التغيرات البيئية والمناخية، والأضرار، التى قد تلحق بمدن السودان وسدوده، خاصة أن معدلات الأمان لهذا السد محدودة جدا، ولا تتناسب مع خطورته، وأن عمره الافتراضى، على أقصى تقدير، لا يتجاوز العشرين عاما.
فى اعتقادى، أن كل تطورات هذا السد تحتاج المراجعة الشاملة، من بيوت خبرة عالمية، بمشاركة الدولة صاحبة السد، إثيوبيا، وأكبر المتضررين منه (السودان ومصر)، وإذا استمر هذا الوضع القاسى والدقيق، فإن كل حضارة وادى النيل معرصة للخطر, لا قدر الله, بل الغرق والاندثار، وبدء موجات هجرة ضخمة من بلاده إلى كل دول العالم،
وهو وضع لا يتحمله عالمنا المعاصر، بكل أقاليمه، مما يجعل قضية السد الإثيوبى ليست قضية إقليمية لدول المنطقة، أو لأصحابه فقط، بل للعالم كله، فعملية الهجرة، وانهيار الدول، ليست مسألة سهلة، بل هى أخطر من الحروب والصراعات العسكرية المباشرة، التى قد تكتنف الدول الثلاث، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نافذ وواضح، وليس تعهدات، أو حسن نيات، بل شهادة العالم، والمجتمع الدولى، ومشاركته الفعلية فى حلحلة تلك القضية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق