مقالاتمقالات الأهرام اليومى

عظة المحنة.. نحن والإثيوبيون!

إلى أن تضع محنة «كوفيد- 19» أوزارها، ويلملم العالم أوراقه، ويحصر خسائره، على كل الأصعدة، وندرك جميعا أبعاد المتغيرات التى حدثت، سيكون لفيروس كورونا، الذى شل الدنيا من بداية العام حتى الآن، كلمته أو عظته. فمنذ انتشار الوباء والحديث لا ينقطع، على الصعيد الدولي، عن أن هناك حربا باردة جديدة بين القطبين الأول والثانى عالميا (أمريكا والصين)، والقوى التالية لهما (روسيا وأوروبا وحتى اليابان والهند) تحدد مواقع أقدامها، وتكسب أرضا جديدة، ونحن وكل الآخرين، خاصة فى إفريقيا، يجب أن نتعظ مما حولنا، ومن لم تعظه تلك المحنة القاسية، فلا واعظ له، وسوف يخسر كثيرا فى معركة الحياة المقبلة على خريطة العالم الجديد والمختلف.
فالفيروس أسقط أو أخاف الزعماء الشعبويين، الذين يبنون شعبيتهم على التخويف، أو إشاعة الغرائز بين الشعوب، أو الحروب، كما أن الرأسمالية المتوحشة، أو غير العادلة، ظهرت عاجزة أمام الفيروس الصغير عن قدرتها على إنتاج السلع والخدمات، والعالم يبحث الآن عن أساليب مختلفة لمعالجة أخطائها، وقد ارتقت ملفات الصحة، والدواء، والبحث العلمى الإنساني، وطموحات الإنسان البسيط إلى مرتبة متقدمة جدا فى سُلم الأولويات، عن راغبى إثارة الصراعات، والحروب، والنعرات الدينية، أو العرقية، أو الجنسية.. وغيرها.
وفى منطقتنا العربية والإفريقية، أو ما يعرف بالشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، والقرن الإفريقي، هناك مقدمات لصراعات جديدة تتمدد، فى حين أن الصراعات القديمة، التى تولدت فى الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تُحل بعد، ومشكلاتها متراكمة، ونربأ بالأشقاء الإثيوبيين أن يدخلوا فى هذه الصراعات الدامية، أو يتجه آبى أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، إلى إيجاد صراعات جديدة، أو حروب لا تنتهي، سواء حول النهر أو الأرض، فحقوق مصر والسودان لدى إثيوبيا، إذا لم نستطع أن نحلها، هناك ضرورة للتدخل الدولي، لأن الصراعات حول الأرض والمياه خطيرة، وتهدد مصائر الشعوب.
إن الاتفاقية الخاصة بسد النهضة الإثيوبي، الذى يهدد الحصة المائية لمصر، لا يمكن أن تكون مادة للانتخابات الإثيوبية، لأن ما بين الشعوب فى المنطقة أكبر من الانتخابات، ومستقبلهم واحد، كما أن الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان) يجب أن تقدم لمنطقتها، ولعالمها النموذج الجديد للتعامل معا فى مجال إنتاج الغذاء، وتوفير المياه لكل مواطن على أرض هذا الإقليم، وليس إيجاد صراعات جديدة لا يوجد مبرر منطقى لها، لأن الموارد تكفى الجميع، فنهر النيل غنى بموارده المائية، ولا يمكن أن يقبل عقل إنساني، فى عالمنا المعاصر، بعد المتغيرات الجديدة، أن تتجه إثيوبيا، لأسباب سياسية، للضرر الجسيم بالمصريين، مستخدمة شعارات شعبوية، أو غير صحيحة. إن حصة مصر من نهر النيل لا تتجاوز 3.7% من إيرادته، والبقية تحصل عليها إثيوبيا وحدها، وتستفيد بها، أو لا تستفيد وتذهب إلى المستنقعات، فى حين أن 100 مليون مصرى دخلوا حيز الفقر المائي، وهم شركاء فى أغنى وأغلى نهر فى عالمنا، وفى الوقت الذى كان يجب أن نطلب فيه من الإثيوبيين إنقاذنا بحصة إضافية تتناسب مع ظروفنا والنمو السكاني، وهذا طبيعي، بل حق، ليشرب الشعب المصرى ويزرع, فإذا بهم يستكثرون علينا حصتنا التاريخية الموروثة منذ نشأة الخليقة حتى الآن، وقد صور قادة فى إثيوبيا لشعبهم أنهم بهذا السد سوف يصنعون النهضة، ويوفرون الكهرباء، فإذا به يأتى سدا معيبا ناقصا من كل متطلبات الأمان، وغير محقق لأى أهداف، ولا يوفر للإثيوبيين طموحاتهم.
يجب أن يدرك الإثيوبيون أن هذا السد إذا كُشفت أخطاؤه وكوارثه، لتبين أنه لن يكون للنهضة، ولكن للخراب لكل الشعوب فى مصر وإثيوبيا والسودان، ولن يقبله أحد على الإطلاق، لأنه بُنى لأهداف سياسية، مثل بيع المياه، والسيطرة على القرن الإفريقي، وهما هدفان لن يتحققا ببناء هذا السد كذلك، فقد انتهى عصر السيطرة، حتى من القوى الكبري، وليس القوى الإقليمية الضعيفة، ونحن فى عصر التعاون، وبناء الثقة بين الشعوب.
فى اعتقادي، أنه إذا خلصت نية الإثيوبيين, عليهم أن يبدأوا فورا استكمال المفاوضات الناقصة قبل البدء فى ملء خزان السد، حتى لا يهددوا الاستقرار الإقليمى لكل دول وادى النيل، وشمال إفريقيا، والقرن الإفريقي، أو تهجير شعوبها، أو إفقارها، ولهم سوابق إفريقية فى ذلك المسار المخيف للجميع، فى كينيا وإريتريا والصومال، ولن تغيب هذه السوابق سريعا عن الشعب الإثيوبي، فمخاطر السد كبيرة، وتهدد التعاون الإقليمي، الذى هو فقط يبنى ويحقق الأهداف، فكيف لإثيوبيا أن تهدد السودان وتحصل على ملايين الأفدنة حول محيط السد وتستطيع زراعتها؟!، كما أن إنقاذ إثيوبيا، ورفع مستوى معيشة شعبها لن يكون إلا بتعاون إقليمى وعلمي، فإثيوبيا تمتلك 12 نهرا، ويهطل عليها أكثر من 900 مليار متر مكعب سنويا تهدر فى المستنقعات.
على الإثيوبيين أن يعوا أنهم بهذا النهج يدخلون منطقة الدولة غير الصديقة لإقليمها فى مصر والسودان، أو المنطقة العربية ككل، أو العدو، لأنها تمنع المياه والحياة عن جيرانها وأشقائها، وتهدد المصريين ككل، كما أن ملء السد دون الاتفاق مع السودان يعنى قنبلة هيدروجينية على الحدود السودانية- الإثيوبية، والمصرية أيضا، ودخول هذه المنطقة حيز الصراعات، والحروب الممتدة. وتبقى كلمة أخيرة للأشقاء فى إثيوبيا، أن مصر ليس من البلاد، التى سترضخ للأمر الواقع، الذى تريدونه لها، أو يريده من يستخدمكم، ويستغلكم، ويمرر مكائده لها، مهما تكن ظروفها، أو المصاعب، التى تواجهها، ورغم أننا مازلنا نتطلع إلى احترام القانون الدولي، وقوانين الأنهار الدولية، والاتفاقيات الموقعة، والحقوق التاريخية المهدرة، فإن هدفنا وقف المناورات، وإذا أردتم مفاوضات طويلة لا نهاية لها، فأوقفوا البناء فى السد، كبادرة حسن نية من حكومة إثيوبيا لأشقائها السودانيين والمصريين، ولا تفتحوا على شعوب هذه المنطقة صراعات وجودية خطيرة لا يحتاجها الجميع، ونحن جميعا فى غنى عنها، إذا أردنا فعلا بناء دولنا، وتحقيق مصالح شعوبنا المشتركة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق