مقالاتمقالات الأهرام اليومى

من يستطيع أن يتنفس؟!

استغاثة أطلقها أمريكي من أصول إفريقية، وهو يحتضر، (جورج فلويد)، لرجل شرطة أبيض، وهو يخنقه، في مايو 2020، بحجة تطبيق القانون، لم يسمعها الشرطي، وهو أقرب ما يكون إليه، في حين سمعها العالم، في كل مكان حوله، وفي لحظة إطلاقها، وكأنها تغريدة علي موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، أو بكل وسائل الاتصال، حديثها وقديمها معا، أو صيحة طائر راحل، تنبأ بحال العالم بعده، في كل مكان قبل رحيله، وردد الجميع معه، أيضا، ليس في أمريكا وحدها، بل في العالم كله، شرقا وغربا: من يستطيع أن يتنفس؟!.
لقد شعر الجميع بوطأة الحدث، ومعني النداء الأخير للأمريكي الأسود (عدم القدرة علي التنفس) ليس رمزيا فقط، بل مادي، وواقعي، عاشه القتيل كما نعيشه جميعا، كلُ في مكانه كذلك، فنحن جميعا لم نخرج بعد، بل نعيش تحت وطأة زمن كورونا، وكل منا يعاني معاناة من حولنا، في عدم القدرة علي التنفس، أو الخوف من تسرب المرض اللعين، الذي يضرب قدرة التنفس الإنساني، ويقتل صاحبه فورا بفيروس صغير غير مرئي أو معروف، ومازال تحت الفحص، لا يفرق في البحث عن ضحاياه بين أسود وأبيض، غني وفقير، قوي وضعيف.. كلهم تحت المقصلة، وأمام اختبار واحد.
إن الفيروس حول المدن إلي أشباح، وحجز الناس في بيوتهم، لأول مرة في التاريخ الإنساني، فواقع الحياة، وأحداثها، ومرارتها، أغرب من الخيال، وأعمق، بل أقوي من الأساطير، وكأنما العالم، الذي كان ينتظر مؤلفا عبقريا، أو مخرجا عالميا، يُقدم من رحم المآسي الإنسانية، التي نعيشها، رؤيته، كما تعودنا سابقا، يُخرج لنا من رحم ما نعيش أسطورة جديدة مُسطرةً، تلعب بخيالنا، وتلهب عقولنا بعض الوقت، فجاءت الأحداث تسبق العبقرية والإبداع، بل المؤامرة المحبوكة، لتجسد ما نعيشه حاليا، وما نتطلع إليه مستقبلا، فحدثت علي رصيف شارع في مينيابوليس، إحدي مدن أمريكا، ترجمة، أو صورة حقيقية، أغرب من كل الخيالات، أخذ كل من يمثلها (المريض الذي يبحث عن الصحة، والخائف الذي ينتظر المرض) يتنفس وكأنه يمكن أن يُخّزن الهواء لوقت الحاجة.
وقد انطلق الكل في أمريكا والعالم، خاصة الغربي منه، غاضبا علي رحيل إنسان أسود بعنف عنصري بغيض، هل لعودة العنصرية المقيتة إلي مجتمعهم؟.. هل غضبا من الرئيس الأمريكي الحالي ترامب، الذي جاء للحكم كرد فعل لانتخاب رئيس أمريكي أسود سابق (أوباما)، لأول مرة لدورتين متتاليتين، وكأنما أهل أمريكا الأوائل (الأنجلو ساكسون) ينتقمون من الأقلية السوداء الإفريقية، التي استطاعت، وتجرأت أن تنتخب رئيسا أسود، بعد 5 عقود علي قيام أمريكا، وسيظل الرئيسان رقما 44 و45 (أوباما وترامب) في تاريخ أمريكا يقدمان للعقل الأمريكي والعالمي صورة مختلفة (لم تكن في حسبانهم من قبل) عمن قاد ويقود الإمبراطورية العظمي، التي تحكم عالمنا الآن.
لقد أخرجت الأزمة الحالية الرئيس ترامب، والمرشح، أو المنافس، في إشارة رمزية، من كنيسة مختلفة، يحملان الإنجيل، كأنما يقولان نحن خرجنا من أمريكا القديمة إلي دولة أخري، ليس في صراعاتها العالمية فقط، ولكن في أوضاعها الداخلية كذلك، بل إنهما يقولان إن الدستور الحالي أصبح قماشة قديمة لا تتحملنا.
وفي اعتقادي أن صورة أمريكا الحالية والقديمة قد لا تبرح أذهاننا طويلا، سواء ما يحدث علي الأرض، وكل جديد، بل غريب نشهده، أو ما يحدث حولنا من تطورات، وسياسات، بل لغة مختلفة، علي لسان قادتها، ويحتمل تأويلات متعددة، تعتبر أولويات تكشف عن صورة قد لا نتوقعها، أو حتي نتخيلها، نحو المستقبل، ووضع هذه الإمبراطورية الحالية، وعلاقتها بعالمها.
من المهم أن نعي أن كل ما سبق قد يشغلنا، لكن الأهم الآن أن يفكر كل واحد منا، في كل منطقة في عالمنا، في مستقبله، وفي نفسه، فتلك حال تقول إن هناك عالما جديدا يتكون الآن، لكي تكون كل الأوراق موجودة خلف المحيطين (الهادي والأطلنطي).
بل إن هناك مساحات مختلفة تعود إلي الأرض القديمة، حول الأنهار والبحار القديمة، اقرأوا أمريكا وحللوها ما شاء لكم التحليل، لكن الأهم لكم الآن أن فك الارتباط حول أطراف الإمبراطورية قد حدث، وأصبح لكل منكم رأي، أو دور مستقبلا، وفكروا في أنفسكم، ولا تجعلوا اللحظة الأمريكية المفعمة بالتطورات العميقة تتسبب في تفريقكم.
إننا في عالمنا نعاني جميعا فعلا عدم القدرة علي التنفس، وصراعاتنا قد تكون محتدمة، ولن نجد ملاذا نحتمي فيه، فنحن في منطقتنا العربية مقبلون علي صراعات في البحر المتوسط، فجرها تاريخ سقوط الإمبراطورية العثمانية، التي تحاول إعادة إنتاج نفسها بعد هذه المتغيرات، بل إن هناك الأوروبيين يحلون مشكلات حديثة بأفكار قديمة، ومعهم الروس المنقسمون في صراعاتنا، وأصبحت لهم كلمة عليا، وهناك من يحاول أن يخرج من حروب الأعوام العشرين الماضية، وهناك في حوض النيل صراعات تتفجر حول المياه، وحكام يحاولون تفجير صراعات ومخاوف قديمة عفى عليها الزمن.
إن صيحة الأمريكي الأسود يتردد صداها: نحن جميعا نريد أن نتنفس ونستمر في الحياة، فهل ستجد تلك البشرية من يسمع هذا الصوت أو الصدي، ويحاول أن يرمم تلك التصدعات، أم أن الأصوات لن تُسمع، وستنجرف الحياة الإنسانية في مسار الصراعات والحروب القديمة والمتجددة، ولن تكون هناك أمم متحدة، ولا ولايات متحدة؟
إن الكل يحاول أن يحيا، ويعيد إنتاج عالم جديد، ومنطقتنا العربية تحاول النجاة، بينما جيرانها يرون فيها فراغا، أو منطقة لا تجد نفسها، وكل منهم يطرح نفسه زعيما لها، برؤية، وفكر عدائي، وعنصري، وقديم، بينما القائد الفعلي فيها يتريث، ويراقب الموقف، فالمسئولية كبيرة، وقد تكون الفرصة القادمة له، وليس للمقامرين والمتآمرين، الذين يزجون بالمنطقة في أتون صراعات وحروب لا يعلم نهايتها إلا الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى