مقالاتمقالات الأهرام اليومى

ليبيا.. على وقع المعجزة

كانت لحظات صادقة هزت وجدانى ظهر السبت 6 يونيو 2020 فى مقر الرئاسة المصرية، حين وقف الرئيس عبدالفتاح السيسى بين زعيمين سياسيين ليبيين، أحدهما عسكرى كبير يقاتل من أجل بلاده، وضد الإرهاب، والاحتلال، ليعلنوا للعالم ليس مبادرة سياسية لوقف الحرب، والصراع، والاقتتال فى ليبيا، ولكن ليقولوا إن ليبيا ليست أرضا محروقة، أو معروضة للبيع، أو حتى للاحتلال، أو التدخلات الخارجية، أو التقسيم، ويقدموا حلا معقولا، بل متوازنا، يراعى كل الاعتبارات، وظروف الدولة المتآكلة، والمرشحة للتقسيم، حلا يعترف بحقوق الليبيين وأقاليمهم الثلاثة، ويحمى مستقبلهم، كما تنص المبادرة (إعلان القاهرة) على أن ليبيا أرض عربية، والعرب لن يتخلوا عنها، أو يسمحوا باحتلالها، أو طرد، وتهجير أهلها، أوالسيطرة الأجنبية على أكبر دولة عربية من حيث المساحة، والأقل سكانا، والأكثر غني؛ من حيث الثروات النفطية والبترولية، فأصبحت مطمعا لكل المغامرين، أو الباحثين عن ثروات الشعوب من المستعمرين، الذين عادوا بكل أنواعهم، فالأوروبيون عادوا، وكذلك الأتراك، والأمريكيون، والروس، الذين يتصارعون مباشرة، أو بالوكالة، حول الأرض، والغاز فى هذا البلد الأسير.
كنت أتابع الأشقاء العرب وجامعتهم العربية، وأشقاءنا فى شمال إفريقيا، أو منظمة الوحدة الإفريقية، فأراهم بعيدين، كل دولة تحت مطرقة الصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، بين من هو متأسلم، أو مدنى يبحث عن حقوق المواطنة فى عالم مختلف، أو عالم القرون المتقدمة والحديثة، وبين من يريد أن نعود إلى القرون الوسطي، أو عهد المستعمر العثماني، أو الأوروبي، وما بعدهما.
إن ليبيا تحت احتلال حكومة مؤقتة (الوفاق)، تحمى نفسها بالميليشيات الأجنبية، والتدخل التركى والقطرى السافر، وتبيع الدولة قبل أن يَستقر لها الحكم، والصراعات العسكرية محتدمة بين الأقاليم الغربية والشرقية والجنوبية، أو طرابلس وبرقة وفزان، فالصراع العسكرى دائر حول طرابلس العاصمة، أو داخل الغرب (مستعمرة مصراتة نموذجا)، الذى أصبح مركزا أو معقلا عسكريا وتجاريا واقتصاديا لتركيا، للتحكم فى كل ليبيا لمصلحة الأتراك ومموليهم القطريين والطرابلسيين (أهل العاصمة)، الذين أصبحوا عبيدا لدى الإرهابيين، أو رهائن لدى المستعمرين الجدد، ولا يريدون لأحد غيرهم حق الوجود والعيش على الأرض الليبية؛ لا يريدون الليبيين تحديدا!، مما يعنى تفجير الصراع العسكري، لولا وجود مقاتل باسل أعاد بعث الجيش الليبي، وسيطر على معظم الأراضى الليبية (الجنوبية والشرقية)، وأصبح رقما صعبا فى المعادلة داخل ليبيا، وكان فى إمكانه منذ فترة أن يَبْسُطَ يده على الغرب الليبي، الواقع تحت الاحتلال والإرهاب، والعاصمة، برغم التدخلات الخارجية، إلا أن عقلانية تصرفه ترى أنه من الضرورى الحل السلمى وليس العسكري، وأن يجلس الليبيون جميعا معا.
ولكن ماذا يفعل وقد وجد أن أردوغان يريد أن يَبْسُطَ يده على ليبيا كلها، ليكون من الدول، التى تريد أن تستفيد من الغاز والبترول الليبي، وفى الوقت نفسه محاورا فى حوض شرق المتوسط بين الأوروبيين والروس وغيرهما؟!
لقد استغل أردوغان كل الثغرات، وتسلل إلى الغرب الليبي، وكان الكل يتساءل: أين المصريون وهم يرون هذا الزحف الإرهابى على ليبيا؟.. هل ينتظرون أن يصل إلى حدودنا ويهددنا مباشرة؟!.. أعرف أن مِصرَ بلدُ سلمي، لا يبحث عن الحروب، ويؤمن بأن تحقيق الاستقرار والتنمية يجب أن يتم بعيدا عن الصراعات العسكرية، ولكن ما يحدث فى ليبيا كان يُنذر بالخطر واقترابه، فالدولة الليبية أصبحت فريسة لكل الإرهابيين من عيِّنة أردوغان، الذى يَنقل كل المتطرفين، وعصابات الإرهاب، المنتشرة فى المنطقة العربية، جراء حروب أفغانستان، والعراق، وسوريا، إلى الأراضى الليبية، أى أن أردوغان يفرض الحل العسكري، أو الفوضي، على الليبيين وجيرانهم، والأوروبيون مختلفون بينهم، ومترددون، والأمريكيون يرون فى التصرف الأردوغانى فرصة ذهبية للقضاء على الإرهابيين فى المنطقة، داخل الأراضى الليبية، وذلك ضمن المخطط الأمريكي، الذى ظهر للوجود بعد أحداث سبتمبر 2001 فى نيويورك وواشنطن، والذى يعتبر بمثابة فتح أبواب للحروب فى المنطقة، لكى يجر الإرهابيين إليها، لتقتلهم هناك، سواء بالأيدى الأمريكية، أو بالوكالة والنيابة عنها.
لقد أصبحت ليبيا حقلا لكل أنواع التدخلات الخارجية، ليست للدول فقط، بل شركات بترولية، أو أمنية، أو عصابات مافيا، أو جماعات متأسلمة، من كل لون، حتى جاءت المبادرة المصرية الحاسمة، التى أعطت الكلمة والقرار إلى الليبيين وحدهم فقط، وقالت إنها لن تتركهم نهبا للأتراك، ووضعت الأوروبيين، والأمريكيين، والروس، أمام مسئولياتهم الكبري، بل الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية؛ إما أن يتدخلوا لوقف العبث والجنون التركي، أو تكون المنطقة على حافة حرب كبري، وأننا، نحن المصريين والعرب، يجب ألا نترك الليبيين وحدهم فى هذا الأتون الإرهابى المخيف، فهذه المبادرة الكبرى ذكَّرتنى بقدرة مصر على صُنع السلام بعد الحرب، وردع المعتدين، وذكَّرتنى بقدرة مصر على طرد الإخوان المسلمين من الحكم، كما ذكَّرتنى بيوم لا أنساه أبدا عندما قتل الإرهابيون المتأسلمون 21 قبطيا مصريا بعد أن جردوهم من ملابسهم على شواطئ سرت فى فبراير 2015، فى مذبحة يَندى لها جبين الإنسانية، وبثوا واقعة إعدامهم على شبكات التواصل الاجتماعى لإرهاب، ليس فقط الأقباط، ولكن كل المصريين، وعلى الفور جاء الرد المصرى من القوات الجوية على كل معسكرات الإرهابيين، ومناطق تمركزهم، وظلت مصر تتحرى الجريمة البشعة، حتى وصلت إلى كل أطرافها، بل تمكنت من عودة الجثامين للوطن، فهل نترك لكم ليبيا مرة أخرى أيها المتطرفون الحمقي، أو أيها الأردوغانى الساقط؟
فى اعتقادى أن المبادرة الليبية- المصرية سَتُذَّكر أردوغان بواجبات رئيس الدولة، لينسى بعض الشيء أنه زعيم جماعة متطرفة، وسوف تُعرّى كل الإرهابيين والمتطرفين فى المنطقة العربية والعالم، بل سوف تكشف التعاون العالمى والإقليمي، الذى تواطأ، أو شجع على الحرب والتدخلات فى ليبيا، التى لا نريدها سوريا أخري، أو فلسطين جديدة.
وأخيرا، يجب أن يتحكم العقل السياسى فى تفكير مؤسسات العالم، ودول العالم المعاصر، وأن توقف أمريكا، وروسيا، وأوروبا، التدخلات التركية قبل أن يُفتح الباب أمام صراع جديد يصعب أن يتم إيقافه، وأن تنضم الدول العربية، خاصة دول شمال إفريقيا، بل إقريقيا كلها، إلى المبادرة المصرية- الليبية الجديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى