مقالاتمقالات الأهرام اليومى

سد النهضة.. ومحكمة التاريخ

.. ومستقبل علاقات مصر وإثيوبيا!

أسامة سرايا

عندما توقفت هذا الشهر (يونيو 2020 ) مفاوضات السد الإثيوبى، المعروف بالنهضة، والمقام على أراضٍ مصرية- سودانية قديمة، تم الاتفاق فى حينها، عندما آلت إلى إثيوبيا، ألا تتم إقامة أى سدود، أو إنشاءات، على هذا المجرى، إلا بموافقة واعتراف دولتى الممر والمصب (مصر والسودان)، وعندما خالفت إثيوبيا كل الاتفاقيات السابقة والتاريخية، والتى لا يمكن التنصل منها، وأنشأت هذا السد، وسارعت فى التنفيذ بمعدلات غير طبيعية، أسقطت من حساباتها الدقة، بل العلم، ووقعت فريسة الانتهازية، انتهاز فرصة الضعف المصرى ما بعد 2011 ، لتخلق أمرا واقعا جديدا، أو مفروضا على مصر، متناسية التاريخ العريض بيننا، والجغرافيا الطبيعية، التى تأنف من هذا الأسلوب، وأننا جزء فى حوضٍ نهرى دولى غنى بموارده، لكل عضو فيه نصيبه وحقوقه، والتى يجب أن تتناسب طرديا مع احتياجاته المائيه على مر الزمن، ولن يستطيع أى عضو فيه أن يسرق الآخر، ويفرض عليه أوضاعا غير قانونية أو ملزمة، مستغلا أى وضع مؤقت أو طارئ، أو حتى حالة قوة يمر بها، لأن الحقوق لن تضيع، لأنها حق الحياة نفسها-

قلت لنفسى إن هذا هو القرار الصائب جدا، والوقت المناسب تماما، لأن الإثيوبيين استمرأوا حالة “حُسن النية”، التى بدت من مصر متزايدة، وتصوروا أن المصريين مستمرون فيها، وسيقبلون اتفاقا شكليا بيننا وبينهم، وأنهم متلهفون على اتفاق والسلام، حتى تنتهى أزمة هذا السد، الذى، بكل المقاييس، معيب، وتنقصه كل معدلات الأمان الدولية للسدود الخطرة، ولا يصلح، وأنه، بالتدريج، سيتحول إلى مشكلة إثيوبية- سودانية- مصرية مزمنة، قبل أن يكون مشكلة حادة ومزمنة أيضا فى جبين دولتى الممر والمصب، فى كل مجالات الحياة، فقط لأن أضراره متعددة، ولم يتم حصرها حتى الآن، وهو سد سياسى، فى الأساس أُقيم للتهديد، واكتساب النفوذ، وقد تكون وراءه قوى إقليمية، أو تلاعب لقوى دينية، خططت للاستيلاء على المنطقة العربية، كما أن عمره الافتراضى، منذ اليوم الأول لإنشائه، متناقص، نتيجه ترسبات الطمى والطين، التى ستتزايد بمعدلات كبيرة، وسوف تترسب داخل بحيرة سد النهضة بكميات أكبر من معدلاتها داخل السودان وبحيرة السد العالى، ولكن عندما يتم ذلك ستكون دلتا النيل، التى يسكنها (نصف سكان مصر)، والتى تكونت على مدى آلاف السنين، قد أكلتها المياه الجوفية المالحة، وتسربت إليها مياه البحر، وهذا موقف صعب، لا يمكن تداركه، ستمر به مصر، ولن تستطيع قبوله، تحت أى وضع من الأوضاع الاقتصادية أو السياسية، لأن تكلفة الحرب نفسها بين مصر وإثيوبيا ستكون بالنسبة للمصريين أقل من انتظار أضرار هذا السد التخريبى، الذى أقيم لأسباب غير مفهومة، حيث إنه حتى الكهرباء لن يوفرها لإثيوبيا.

أمام موقف كهذا، ماذا تستطيع مصر أن تفعل؟.. هل تنتظر أن تلجأ إثيوبيا إلى السير فى هذا المسار الخطر المدمر دون توقف؟.. كان يجب أن تتوقف المفاوضات المباشرة، وأن تتجه إلى المجتمع الدولى والعالم بكل الآثار المترتبة على هذا السلوك الإثيوبى العدائى، والذى يرتقى إلى حالات حروب المياه العدائية، والأكثر قسوة من الحروب التقليدية بكل أشكالها، كما أن عناصر الثقة، التى حاولنا أن نبنيها، أسقطها الجانب الإثيوبى، مُثبتا لنا أن لكل شىء، حتى الكرة الأرضية، حدودا، لكن الغباء السياسى ليس له حدود، وكان الشىء العجيب، برغم كل الأخطاء السياسية، والمقامرة العجيبة بمستقبل بلادهم، قبل بلدنا، أنهم يتهمون مصر بالمقامرة السياسية!، وهى التى تحملت المراهقة، وألاعيب الشياطين، الذين من المؤكد لا يعرفون معنى حروب المياه، فهى ليست لعبة بنادق وطائرات فقط، ولكنها الأخطر، لأنها بين الشعوب، ولا تستطيع أن تدرك من أين يأتى الخطر نفسه، ولذلك لا يكفى اللجوء إلى مجلس الأمن، بل يجب علينا أن نذهب إلى كل المنظمات الدولية فى عالمنا، محملين برسالة، ليس دفاعا عن حقوقنا المائية فقط، ولكن دفاعا عن مستقبل شعوب وادى النيل، التى، بديلا عن التنمية والنمو، ستتجه إلى الحروب والكراهية، كما أن نهر النيل ليس الحوض الشرقى فقط، فهناك حوضان آخران (النيل الجنوبى)، الذى يضم أساسا دول هضبة البحيرات الاستوائية (رواندا وبوروندى وأوغندا وكينيا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية)، وكذلك (حوض بحر الغزال)، ويقع جنوب السودان، وهى جميعا ستتأثر وتتضرر بما يحدث فى حوض النيل الأزرق، فيجب على الجميع أن يبدأ التحرك مع مصر لمواجهة الاعتداء الإثيوبى على مجرى نهر النيل، وعلى دول المصب، لأن كل المشروعات، التى كان يمكن الاتفاق عليها، لتحويل هذه المنطقة إلى منطقة رخاء وتنمية، ستتوقف، وسنبدأ فى عصور ظلامية من الصراعات والحروب.

إن الإثيوبيين سوف يسألون أنفسهم قريبا: ماذا استفادوا من “النهضة” المزعومة؟، وسيجدون أنها الاسم نفسه، الذى حملته جماعة الإخوان المتأسلمين، عندما قدمت لمصر بـ”نهضة” مزيفة أسقطها الشعب سريعا، وسيجدون أن المصيدة نفسها، التى نصبتها تركيا وقطر لإثيوبيا الآن، هى نفسها، التى نُصبت لمصر من قبل، والتشجيع نفسه، الذى قد يكون من إسرائيل، أو ممولين انتهازيين فى الصين، وإيطاليا، أو بعض الأموال العربية، لكنه لن يحمل لإثيوبيا أى خير فى المستقبل الراهن، أو المنظور.

فى اعتقادى أن السد الإثيوبى فى المرحلة المقبلة سيكون نقطة قياس لمصر: من معنا؟.. ومن ضدنا؟.. من مع الحروب والصراعات؟.. ومن مع التنمية والنمو؟.. وأعتقد أن الاتحاد الإفريقى وجامعة الدول العربية يجب أن يبدآ التدخل، بشرح كل الأبعاد لجميع الأطراف، والأبعاد الغائبة، أو المغيبة، عن معظم العقلاء، حتى عن الإثيوبيين، الذين يجب أن يعرفوا كل الحقائق عما يحدث، وسيحدث، وماذا خطط لهم السياسيون الشعبويون، الذين يجرون وراء إيهام شعبهم، أو زعامتهم الموهومة؟

وأخيرا، ما أستطيع أن أقوله إن مصر لن تعطش، أو يُشرد أبناؤها، كما أن إثيوبيا والسودان لن تغرقا بسبب سد زعمت إثيوبيا أنه للنهضة، ولكن حالة الصراع على النيل سوف تكشف كل الانتهازيين، والسياسيين، المتلاعبين بمصالح شعوبهم، ومستقبل أوطانهم، وستضع الجميع أمام محكمة التاريخ.. إنها معركة كبرى وطويلة، وتحتاج إلى الصبر والحكمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى