مقالاتمقالات الأهرام اليومى

الانفجار.. والرسالة.. ومكانة بيروت!

أسامة سرايا

لا أريد أن أشارك فى بكائية “بيروت.. عاصمة عربية جديدة حكومتها تصفها بالمنكوبة”، حيث جاءت الأخبار تتوالى فى الرابع من أغسطس الحالى: “مرفأ لبنان انفجر بشكل مدوٍ وكأنه ضُرب بقنبلة ذرية من عيار ثقيل طعنت أهلها فى الصميم”.. “آلاف الضحايا والمفقودين.. والعاصمة خارج الخدمة: منازلها وفنادقها ومستشفياتها.. والحياة شبه شلل كامل”..

لقد أصبح تتابع سقوط عواصم عربية مع القرن الحالى متكررا: بغداد، طرابلس الليبية، ثم دمشق وصنعاء.. مسلسل مخيف، كما أن هناك عواصم مختطفة، أو ضائعة، أو فى حاله انعدام وزن وصراعات على سلطة، من بينها بيروت، والكثير من عواصم المغرب، وكل المشرق، ومعظم الخليج، فى حالة من الحرب، والضياع، أو تسليم بلدانها للجيران الإيرانيين والأتراك، مع استمرار النفوذ الإسرائيلى واحتلاله فلسطين كلها، وغير بعيد عن كل ذلك التدخلات الأمريكية والغربية، التى فاقت الحدود.

إن لبنان، وعاصمتها بيروت، لها وضع خاص فى الضمير العربى، بل الإنسانى ككل، لطبيعة أهلها، وحيويتهم، ولأنهم صنعوا فى التاريخ مكانة فى كل مجالات الفكر، والفن، والشعر، والجمال عموما، حيث تستطيع أن تُفرد صفحات لا تنتهى عن فنونهم، وإنسانيتهم المفرطة، وجمال بلدهم، بمعنى حدث ولا حرج، أو قل فى لبنان ما تشاء، فهى واسطة عِقْدِ، لا يكتمل سفرك إلا فى بيروت، ولا تكتمل معرفتك بعروبتك، أو وطنك، إلا إذا قرأت لبنان، وكُتّاب لبنان، وفن لبنان، ومَشيت فى شوارعها، وزرت مدنها، أو عَرفت مدنيتها، وعشت بيروت، وحلاوتها، وجمالها، وطَيِب معشر أهلها، حيث وصُف اللبناني بأنه العنصر الذى يصنع التفاعل الإنسانى فى المكان والزمان الذى يوجد فيه، لفرط حيويته، وفهمه لمن حوله.

منذ سنوات، يعيش اللبنانيون على وقع الكوارث، والحروب، والانفجارات.. حالة حرب أهلية طويلة (1975 – 1990 ) لم يُشفوا منها حتى الآن، حيث تجذرت الطوائف، وتمكنت فى السنوات الأخيرة من تغيير صيغة لبنان، التى ظهرت للوجود كصيغة عربية للتعايش والتسامح بين الأديان الإبراهيمية كلها، وبين المذاهب والطوائف الإسلامية، حيث أصبحت لبنان بعد مقتل رئيس وزرائها رفيق الحريرى فى عام 2005 نقطة تماس كبرى للصراع السنى- الشيعى بعد أن كانت نقطة تماس بين المسلمين والمسيحيين، وقد جاء الاحتلال الإسرائيلى ليزيد الاستقطاب الحاد داخل لبنان بظهور المقاومة، أو “حزب الله”، الذى تحول تدريجيا إلى “ميليشيا” تستغل المقاومة لمصلحة قضايا إيران، واستقطاباتها العالمية، وصراعاتها الإقليمية..

كما عاش اللبنانيون مآسىَ عديدة، حيث لم ترحمهم الصراعات الفلسطينية- الفلسطينية، وعانوا احتلالا سوريا بغيضا لأكثر من 10 سنوات، ومنذ دخول السوريين فى عام 1976 لطرد الجيش الإسرائيلى، وتطبيع الوجود الفلسطينى، فإنه سيطر على أغلب المفاصل السياسية هناك، وعلى نظام الحكم أيضا، وخرج السوريون بعد جريمة الحريرى، لتكتمل السيطرة الإيرانية عبر “حزب الله” على لبنان، والذى استطاع أن يتمدد حتى ابتلع الدولة، وأصبحت بيروت خطا من خطوط إيران الهجومية فى المنطقة.

لم يرحم العرب لبنان، ولم يرحم الإيرانيون اللبنانيين كذلك، ولم يرحم اللبنانيون بلادهم، وينأوا بها عن الصراعات الإقليمية، ويتجهوا إلى تسويات إقليمية، ويكونوا قادرين على إعادة صياغة الحالة اللبنانية، إلى أن تفاقمت الأمور، ودخلت المنطقة كلها فى حالة من الصراعات المُدوية بين كل الجيران، داخل التنظيمات المتطرفة، فى كل المجالات، لتشارك فى صياغة القرارات الكبرى، وحالة الحرب والسلام الإقليمى فى منطقتنا..

أعتقد أن حريق “مرفأ بيروت” لم يكن إلا فرصة للتذكير بأن النخب العربية، والأحزاب السياسية ، فى حاجة إلى إعادة إنتاج نفسها، لتكون هى نفسها، ولا داعى لتكرار تجارب من التاريخ ضَيِّعتْ العرب، وأسقطت بلادهم دولة وراء أخرى.

إن كل ما أستطيع أن أقوله الآن إن بيروت استطاعت فى لحظة كارثية صعبة أن تعيد تذكير العالم بتاريخها المُدوى، ولم يستطع صوت الانفجار أن يَطغى على عظمة لبنان، ودورها التاريخى، فجاءت إليها أوروبا، وماكرون، رئيس فرنسا، وأحمد أبوالغيط، أمين عام الجامعة العربية، وتحرك العرب، وجيرانهم، حتى المحتل الإسرائيلى عرض المساعدة.

يقينى أنه ليس هناك عربى، أو لبنانى واحد، سيكون قادرا على أن يحمل على كاهله أمام التاريخ أنه قتل لبنان، ودمره فى محيطه، وفى رسالته التعايش بين الأديان، ومع القوميات الأخرى..

إننى أتطلع إلى أن تكون الوفود، التى ذهبت إلى بيروت لمشاركة أهلها محنة وقع هذه الكارثة الصعبة، أن تكون قد ذهبت أيضا للمساعدة، والمشاركة فى تخليص هذا الوطن من براثن الاحتلال، والتدخلات الأجنبية الفجة فى شئونه، وأن يتخلص لبنان من الميليشيات، أو تندمج، والتى كانت يوما ما تُسمى بالمقاومة، فى الجيش اللبنانى، وأن يخضع هذا البلد إلى القوانين، التى حكمته منذ استقلاله، وأن تشارك مؤسساته، وإنسانه الحى والفعال، فى عودة العرب إلى مكانتهم فى هذه البقعة الغالية.

أكاد أرى أن طائر “الفينيق” اللبنانى قد سمع دوى الانفجار المخيف، وأن هذا الانفجار والضحايا لم يخيفوه، بل أيقظا فيه حالة الحياة، فهو طائر ينبعث من الرماد، لتعود بيروت حرة وحية للمسلمين والمسيحيين، والسنة والشيعة العرب، قبلتهم جميعا، لا يلعب بعقول أهلها ملالى صغير أو كبير جاء من إيران، أو عثمانى “والى” جاء من تركيا، أو مستعمرة إسرائيلية، أو غربى جديد، جاء يبحث عن موطىء قدم على متوسط العرب، وبينهم، فيجب أن يعيش الجميع، بمن فيهم العرب، فى بلادهم أحرارا مستقلين..

إن بعثْ بيروت هو بعث للمدنية العربية، التى نبحث عنها جميعا، والتى سوف يشعر بعدها العربى السنى والشيعى، المسيحى والمسلم، بأنهم يد واحدة، لن يستطيع أن يلعب بهم المستعمر أو المتطرف.

وأخيرا، إن ما يحدث فى بيروت رسالة، بل رسالة ثقيلة، ولعل الحادث الأخير هو مخاض الألم الكبير، الذى يكون مبعثا للفرح الأعظم، بل نهاية لكل التدخلات الخارجية فى الشأن العربى، ويقظة إقليمية وعالمية لإنقاذ منطقتنا من حالات الحروب العبثية..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق