مقالاتمقالات الأهرام اليومى

رسالة للمتآمرين ضد إنقاذ البلاد العربية

أسامة سرايا
بوضوح، العلاقات “العربية- العربية” تحتاج إلى المكاشفة، لأن قضايانا الحرجة لن تُحل، بصراحة، دون أن يعرف كل طرف أخطاءه، ونتائج تصرفاته، وأن يتحمل نصيبه من قرارات الحل والتصحيح، فنحن الآن فى مفترق طرق، ولن نسمح بالتردد فى مواجهة التجاوزات الكبيرة، والتدخل فى الشأن الداخلى لدولنا من البعض، الذى لم يتوقف عن ذلك، ولم يحاسبه أحد حتى الآن.
لأكثر من 3 عقود، تُركت قطر تلهو بالسياسات، وتُكوِّن تحالفات ضد المصالح العربية المختلفة، وكانت كل الدول، بما فيها الأكثر تضررا (مصر، والسعودية، والإمارات، والبحرين) تعاملها بمنتهى الحساسية، والدقة، بل الصبر، عل وعسى أن تفيق، وتتوقف، وهذا لم يحدث، بل تمادت فى هذه السياسات، وكأنها استمرأت حالة الصبر وعدم الرد، واتخاذ القرار، أو المواجهة، ووصل الأمر إلى العمل على تغيير أنظمة، وتشجيع كل القوى المناوئة للاستقرار فى بلادنا، والتنظيمات الإرهابية على ذلك، وأخيرا انضمت إلى المحور المناوئ لكل الدول العربية بتحالف مع تركيا وإيران، بل رهنت قطر نفسها لهما، وعملت على تقويض المصالح العربية ككل، كما كانت أموال قطر المحرك الرئيسى للاضطرابات، والإرهاب فى كل دول الإقليم.
لكننا فجأة استشعرنا تغييرا جوهريا بالتحالف “المصرى- السعودى- الإماراتى- البحرينى” فى منتصف عام 2017، حيث كشفها أمام الرأى العام القطرى أولا، ثم العربى والعالمى ثانيا، وأصبحت حقيقة قطر، وحشدها للجماعات المتأسلمة، بما فيها “الإخوان المسلمون”، يعرفها القاصى والدانى، وانكشفت الحملات المغرضة، التى تشنها قنواتها، والتى خُصصت لتقويض والإضرار بالأمن القومى لبلادنا، حتى إن المواطن العادى عندما يسمع “الجزيرة” يضحك فى “كُمه”، لأنه يعرف حقيقتها السوداوية.
ووسط التحركات العربية الإيجابية للخلاص، ومساعدة الأقطار أو الدول، التى تعرضت للتفكك، والانقسام، والتدهور، أو القضايا المعلقة لأكثر من 7 عقود، أهمها قضية فلسطين، وكذلك ليبيا، أو اليمن، أو حتى العراق، وسوريا، و لبنان- ظلت القوى الخارجية، سواء التركية أو الإيرانية، تتدخل بالنفود المالى والإعلامى القطرى، حتى وصلنا أخيرا إلى التحرك الإماراتى، الذى سبق أن وصفته بأنه “اختراق حقيقى لمنع ضم الأراضى المحتلة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلى، وإنهاء عملية السلام”، وهو فى حقيقته “موجة” جديدة نتطلع أن تحقق أهدافنا كاملة فى فلسطين، والتى تقود الطريق إليها دولة الإمارات ، ليس لتحقيق سلام عربى- إسرائيلى، أو توقف عمليات الضم الإسرائيلى لأراضى فلسطين فقط، وإنما لكى تعود بالإقليم كله إلى العصر الذى نعيش فيه.
فإذا كانت “الموجة الأولى” للسلام، والتى نبعت بعد حرب “أكتوبر المجيدة”، وشجاعة الرئيس أنور السادات، الذى لم يَعقد فقط اتفاقيات للفصل بين القوات، أو عقد معاهدة للسلام مع إسرائيل، وإنما كانت لديه القدرة على تغيير البيئة التفاوضية، حتى نجح فى النهاية، حتى بعد اغتياله، فى تحقيق الانسحاب الكامل من الأراضى المصرية، بل نجح فى نقل الفلسطينيين المترددين، والعاجزين، والمتقاعسين عن السير فى أى طريق، إلى أن يناضلوا داخل فلسطين نفسها وليس خارجها، وحصل الفلسطينيون بالتفاوض على أول “سلطة وطنية” على أراضيهم فى التاريخ، وكانت هذه الموجة وراء الاتفاق الأردنى، ثم اتفاقيات مدريد وأوسلو..
إن الاتفاق الجديد، الذى انضمت إليه البحرين، أصبحت أبعاده واضحة، فهو الظهير القوىُّ، الذى يَحمى ما تَبقى من الأراضى الفلسطينية والقدس العربية، وهو ما أدركه الجانب الأمريكى، الذى يضمن هذا الاتفاق بين الأطراف الثلاثة، ويعمل على تحقيق أهدافه.
لكن الشىء، الذى أذهلنا، هذه التصرفات الفلسطينية غير الحكيمة، التى تمادت فى عدوانيتها، وذهبت إلى الجامعة العربية، لتحصل على قرار يدين الإمارات، بل يقف ضد المصالح العربية لمصلحة المحور “التركى- الإيرانى”، بل إن السلطة الفلسطينية أعادت إحياء ما مات، وانتهت صلاحيته، من فصائل وتنظيمات، أصبحت مجرد مكاتب فى دمشق، أو بيروت، بل إنها تناست جريمة حماس، وقتلها الفلسطينيين، وانضمت لكى تقف فى المحور “التركى- الإيرانى” المناوئ لهذا الاتفاق، الأمر الذى يشكل تدخلا فى الشأن الداخلى لدولتين عربيتين من حقهما ممارسة اتخاذ القرارات السيادية، بل التحرك لحماية المصالح العربية.
لكن المنظر المضحك كان من رئيس منظمة “حماس” إسماعيل هنية، الذى ذهب إلى المخيمات اللبنانية ليستعرض أسلحتها، وهو يعرف تماما أنها أسلحة إيرانية، مهددا ومتوعدا، غير محترم لسيادة دولة لبنان، التى تعانى أزمة وكارثة مرفأ بيروت.
حسنا فعلت دولة البحرين؛ بانضمامها إلى الإمارات العربية، وقد جاء هذا ردا عمليا على هذه المهاترات، من بعض الفلسطينيين؛ بأن الإمارات ليست وحدها، وكان رسالة كذلك لإسرائيل؛ أن الضمانات التى حصلت عليها الإمارات مقابل التحرك الجديد (حماية أراضى فلسطين والقدس الشرقية) لم تعد محمية بعلاقات الإمارات وحدها، ولكن معها البحرين كذلك، وهذا يعزز مكانة الفلسطينيين أنفسهم، ويحمى القدس الشرقية.
كما يجب هنا أن أشيد بالتحرك “المصرى- العراقى- الأردنى”، وهو التحرك الذى يساعد مصطفى الكاظمى، رئيس الوزراء العراقى، الذى يسعى بجلَد لإنقاذ بلاده من براثن الاحتلالين الأمريكى والايرانى، ولإعادة العراق إلى المعترك العربى، لينقذه من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الأمريكية والإيرانية معا، وتحركه يستلزم دعما عربيا، ولعل مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسى وملك الأردن بدعم التحرك العراقى تشير إلى أن العراق سيعود للقومية العربية مجددا، بجهد مخلص من أشقائه، مثلما كان التحرك المصرى مع القبائل ومؤسسات الدولة الليبية إنقاذا لليبيا من الإرهاب، وسقوطها فى احتلال تركى، أو فوضى لا تنتهى، وهو “الخط الأحمر”، الذى وضعته مصرأمام المعتدى.
ما يحدث فى المنطقة العربية مازال كله فى الأطوار التمهيدية أو الأولية لشبكة الإنقاذ، لكن نجاحه، ونموه وتطوره واستمراره مرهون بالمكاشفة، بل بالحدة ومواجهة من يقفون ضده، خاصة من الأشقاء، أو يساعدون المحتل الإسرائيلى لاستمراره، أو التركى بعدوانه، وتدخلاته المعيبة، أو الإيرانى، الذى لم يتوقف، ولا يتورع، حتى وهو يرى بأم عينيه المتضررين، والاقتصادات التى تنتهى فى بلاده، أو حوله، بلا ضمير، أو خوف، لذا، فإن إنقاذ المنطقة يحتاج إلى دعم وحشد عربى من المخلصين، وشجاعة فى اتخاذ القرار، وإلا سيتوالى سقوط عاصمة أو دولة تلو الأخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق