مقالاتمقالات الأهرام اليومى

مواجهة بين شفرة التقدم والمصالحات فى “البناء”

عندما تبنى مصر جسرا نحو التقدم يَختلج قلبى فرحا.. وفى السنوات الأخيرة بنت دولتنا جسورا عديدة ومتنوعة، فى مجالات مختلفة، والأهم أنها شاملة، وتشير إلى أننا لا نسير فقط نحو المستقبل، رغم صعوبات المسار المختلف عما قبله، لأنه قائم على إرادة تتمثل فى رؤية واضحة تشير فى علم المستقبليات إلى أن هناك شفرة تقدم مكتوبة، لا نسير فيها، كما تعودنا فى سنوات سابقة، كرد فعل لأزمات كبرت، أو مُلمات تخيفنا من عدو أو متربص، أو محاولات إنقاذ عاجلة، فحتى كارثة نكسة 1967 كان تحركنا فيها عبارة عن رد فعل تاريخى وملهم للهزيمة القاسية، التى لا نستحقها، متمثل فى ضرورة إزالة آثارها، بالحشد العسكرى والسياسى فائق الجودة، وعصرى التكوين والقوة، ونجحت الإدارة العسكرية فى حربى الاستنزاف و 1973، ثم تحركها غير التقليدى، والمباغت سياسيا، فى اجتيازها فى سنوات وجيزة، بل قياسية فى عمر الأمم، وهذا يحسب للمصريين العظماء الذين يكررون صنع تاريخ أجدادهم القدماء..
ونحن الآن، فى حقبتنا المعاصرة، نعيد هذه الملحمة التاريخية، بشكل آخر داخليا، نحو بناء مصر الحديثة فى مناخ قاسٍ داخليا وإقليميا، بل عالميا، وتحت الضوء المباشر للمشاركة من الكبير والصغير، فالكل يملك التعليق، والحديث، والنشر، فى عالم مختلف، وهذا أقل توصيف له.
عندما دخلت الحكومة فى مجال تنظيم البناء، ومواجهة المخالفات فى المدن القديمة، والقرى، حيث البناء دون تراخيص، أو مخالف للقوانين، أو البناء والتعدى على أراضى الدولة، والبناء على الأراضى الزراعية؛ انتابنى خوف شديد، بل قلق، على مستقبل التجربة المصرية، بل وضعت يدىَّ على قلبى، لأن الحكومة دخلت متسرعة جدا، وسط غمرة النجاحات التى حققتها قبل ذلك، واستنادا إليها، فى هذا الملف، متصورة قدرة إضافية لدى الناس على استيعاب الجرعة الجديدة من الإصلاح الاقتصادى، والتغيير، ومواجهة العشوائيات، والتخطيط للمدن الجديدة، التى غيّرت خريطة مصر، التى نعرفها، بشبكات الطرق المتنوعة والحديثة، التى فتحت شرايين الوطن للمصريين، للتحرك فى كل مجالاتها الحيوية، وليس فى دلتا النيل فقط، بل صحرائها الغربية والشرقية، وسيناء.
ولم يكن خوفى فقط من عدو يتربص بمصر كلها، وليس تجربتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ويخطط للاستيلاء عليها، وعودتها من جديد إلى الوراء، وهو موجود على حدودنا، وداخل بلادنا، بالإرهاب بكل أشكاله (مادى، ونفسى، وإعلامى)، والمتأسلمين الذين سلموا مقاليدهم وطاقتهم لأعدائنا فى تركيا وقطر، وبعضهم مع إيران، بحثا عن الأموال، والسلطة، التى يتصورون أنهم يستحقونها، وهم خدام عملاء لنفوس شيطانية مجرمة مُسلطة ضد الوطن وأبنائه، وهؤلاء تحولوا من الهجوم على السياسيين (ناصر والسادات ومبارك) إلى الهجوم على كل شىء جميل فى بلدنا، حتى وصلوا إلى سيد درويش، وفاتن حمامة، وأم كلثوم، وعبدالوهاب، وإلى الفنانين، والعلماء، ورجال الدين، بل على كل مصرى ومصرية، فهؤلاء فقدوا عقولهم، وضمائرهم، ولم يعودوا فى حسابات البسطاء، فما بالكم بالعقلاء، بل لم يعودوا فى حسابات المصريين عموما، وهم لا يهموننا، ونحن نتقى شرورهم ليس إلا- ولكن كان خوفى من أن أكثر من نصف مبانى مصر عشوائى، وموجود، ونحن لم نقم بتخطيط الكثير من المدن والقرى فى مصر، ولم نمهد لهذا التحرك الصعب والدقيق لكل أسرة مصرية، بل لكل فرد فينا، كما أننا لا نملك إدارة محلية أو حكومية قادرة على تنفيذ تلك المهمة القاسية، والصعبة، والدقيقة دون تجاوز لحقوق الناس، وحياتهم، ومستقبلهم، أو دون إهدار ثروة عقارية بُنيت بعرق المصريين المهاجرين فى كل الدول العربية، فى سنوات الهجرة الواسعة والنفطية، التى انتهت الآن.
صحيح تماما أنها مبانٍ عشوائية، وغير مخططة، لكن قاطنيها ليسوا مسئولين عنها إلى حد كبير، فهؤلاء بحثوا عن الحياة، والبناء، والعمل، رغم أخطائهم، وتجاوزهم، ولكن لم يجدوا إدارة رشيدة، ونزيهة محلية، تساعدهم، أو حكومية تنظم لهم حركتهم النفطية، الباحثة عن الحياة بأى شكل، وبالتالى، فإن المسئولية والخطأ هنا، وحتى الجريمة، لا تقع عليهم وحدهم، ولكن تقع على المحليات، وتشاركهم فيها الإدارات المتعاقبة فى الحكم، والتى لم تنظم حركة العمران والبناء فى مصر.
ويحسب للحكومة الحالية أنها تداركت خطأها، وسارعت بالتصحيح عبر قبول أوراق التصالح بلا تعقيد أو إرهاق مادى للمواطنين، كما قررت تخفيضا جوهريا فى تكلفة التصالح، والقصد كان التنظيم، ولم يكن تحصيل أموال إضافية من المواطنين، الذين دفعوا فعلا ما يملكون وأكثر ثمنا للكهرباء والبنزين والمياه، التى ارتفعت أسعارها عقب تخفيض الدعم الشره للاستهلاك المفرط لمواردنا، كما أنهم سددوا فاتورة الإصلاح الاقتصادى بنفس راضية، وقبول طوعى.
وكان من الضرورى على الحكومة أن تضع نصب عينيها فى هذه الحركة التصحيحية الكبرى أن تمهد الأرضية لنجاحها بشرح أكثر، وتسهيلات واضحة أكبر، وبحوار واسع مع المواطنين، وأعتقد أن التصحيح الذى حدث يعكس مؤشرا إيجابيا على أن حركتنا فى بناء مصر، وفى التغيير الإيجابى حركة عاقلة ورشيدة، وتستجيب لاحتياجات الناس، وتضعها موضع التنفيذ، بلا مكابرة، أو تعنت، أو إصرار على الخطأ، أو الاستقواء بملكية القوانين، والقدرة على تنفيذها، فنحن جميعا نعرف قدرة الأجهزة فى مصر على وقف أى جريمة أو خطأ متى أرادت،
إن الأمور تحتاج إلى نظرة أكبر، ومخططات عمرانية للقرى والمدن، تسمح باستيعاب النمو السكانى، ومراعاة فقر الناس، وتوفير الخدمات لهم، وأنهم فى مرحلة راهنة يعيش أغلبهم بلا مدخرات، كما أنهم خارجون من أزمات اقتصادية حادة، توقفت فيها الدخول جزئيا إلى حد كبير، حيث أُغلقت الأسواق العربية فى مرحلة الثورات، ثم كانت جائحة “كورونا” مؤثرة كذلك على الكثيرين.
إن نجاح الدولة والمحافظات فى تنفيذ هذا القانون، بأكبر قدر من التسامح والحرفية؛ سوف يعطينا أملا أكبر فى المستقبل، وفى إعلاء هيبة الدولة، وعذوبة التنفيذ، والانحياز للحق، بل إنها فرصة لإعادة بناء جهاز الدولة، وكسب ثقة المواطن فيه، وأن يلوذ به الناس عند الشدائد.. إنها معركة من أقسى وأصعب معاركنا، وقلوبنا مع الحكومة فى التنفيذ، عسى أن تنجح وتضعناا فى مرحلة جديدة ومختلفة من تطورنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق