مقالاتمقالات الأهرام اليومى

فى ظلال السيرة العطرة

أسامة سرايا
من حُسن طالع المسلمين فى ربيع أنه شهران (الأول والآخر) فى التاريخ الهجرى، ففيه وُلد ورحل سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، رسول الله، الذى نزل عليه أشرف كتاب (القرآن الكريم)، معجزة الإسلام، ورسالة الهدى للإنسان. ففى مثل هذا الشهر، وبالتحديد 570 ميلادية، أشرق على البشرية نور نبى الإسلام، المصطفى، السراج المنير، كانت رسالته هى الأعمق، والأكمل، هى النبوة، ووهى الهِداية للبشر كافة، ليعرفوا معنى حياتهم، ومستقبل وجودهم، وأزليتهم.
لم يخاطب الرسول النفوس أو الروح فقط، ولكن خاطب العقول والضمائر.. هذا النبى الكريم كان وحده وهو يبنى الأمة، وينشر الدعوة، وإذا كانت معجزته القرآن، فإن المعجزة الأخرى هى انتشار الإسلام نفسه فى كل العالم، وامبراطوريات الزمن القديم وحتى الآن، والذى يدين به اليوم مليارا مسلم، لأنه الدين، الذى لم ينزل على امبراطورية ، ولكن نزل فى مكة، وانتقل إلى المدينة، واللتين لم يكن بهما بترول أو حتى ماء، بل كانتا عبارة عن مجموعة من الأميين، وهو رسول منهم.
إن حياة الرسول الكريم لم تتجاوز 62 عاما، كما لم تتجاوز دعوته 22عاما، لكنها ملأت الآفاق، وعمت الدنيا، وأصبحت حقيقة ساطعة، يعرفها القاصى والدانى، حيث إنها دين انتشر بين البسطاء، والعامة، والفقراء، ليصبح دينا عالميا، وأكثر انتشارا فى عالمنا الحديث، وتؤمن به أمة عربية وإسلامية هى أحد مكونات عالم اليوم.
لكن هذه الحقيقة سرعان ما ينساها المسلمون أنفسهم، الذين يجب أن يكون يكونوا تعبيرا صحيحا عن الدين، ومتفاعلين مع عالمهم، وقادرين على أن يكونوا أسوة حسنة لنبيهم وقدوتهم، فوسط هذا الواقع الأليم، يحزننا أن يتصور المسلمون، أو جمع كبير منهم، أن الإرهاب، والتطرف، هو طريقهم إلى الحياة فى العالم المعاصر، فديننا ليس فى حاجة إلى من يلوذون بالقتل، والتدمير، ليعبروا عن غضبهم ورفضهم، لأن الإسلام، فى حقيقته، أقوى من المسلمين كافة، وحتى ممن يرفضهم، ويستهزئ برسولهم، لذلك، يجب علينا أن نصحح أوضاعنا، لأن الدين الإسلامى انتشر، وينتشر، وسينتشر، وليس فى حاجة إلى أحد،
لكن المتطرفين عقبة أمامنا، فهم من يشوهون صورتنا، ويجب أن نتخلص منهم، أو نعالجهم.
لقد حدثت فى هذا الشهر، ونحن نحتفل بمولده الكريم صلى الله عليه وسلم، أزمة جديدة، حيث تحرك المتطرفون فى أوروبا، فى فرنسا بالتحديد، وأشعلوا الفتنة بين المسلمين وغيرهم، بهمجية لا تمت للبشرية بصلة، ولا يمكن أن تكون هذه الجرائم، التى حدثت فى باريس ونيس، حبا فى الدين، أو حتى دفاعا عن إساءات للرسول الكريم، لكنها تعبير عن نفوس مريضة، وعقول خَرِبَة، لم تجد من يساعدها، أو يصحح مسارها، ويضعها على الطريق السليم، فاتجهت إلى الذبح، أبشع الجرائم، وقتل الإنسان بلا رحمة، لكننى هنا أتهم المتطرفين فى تركيا، وقطر، وجماعات الإرهاب، التى لعبت فى عقول البعض، ممن يمرون بظروف حياتية، ونفسية صعبة، وتم توظيفهم فى الجرائم السياسية، بل مهدوا لهم جرائم الإرهاب والتطرف، ومن هنا أقول إنه آن الأوان ليجلس الشرق والغرب معا، ويدرسا كيف يوقفان اللعب بالأديان، وصناعة التطرف، وتوظيفه من أجل المصالح السياسية؟..كيف يمكن اقتلاع آفة الإرهاب والتطرف باسم الدين من عالمنا المعاصر، لأنهما جريمة بشعة مضاعفة فى حق الإنسان، والأديان معا، فكيف يقتلون باسم الدين السمح، والنبى الكريم لكى يوظفوا ذلك فى ألاعيب وأحابيل السياسة، والمصالح الضيقة، والمقيتة؟، وإذا كان هؤلاء الإرهابيون والمتطرفون يرتكبون هذه الجرائم البشعة، القتل وترويع الآمنين، فإن عقوبة ذلك مضاعفة، لأنهم يصفون الدين بالسمح، ويظلمون الأغلبية من المسلمين، الذين يتبرأون من هذه الجرائم المروعة، ويرفضونها، وإذا كانت هذه الجرائم البشعة يدينها الزعماء والسياسيون، على الجانبين، والذين يحاولون استثمارها لإيجاد شعبية بين جماهيرهم، فإن الأغلبية فى عالمنا المعاصر تراهم بوضوح، وترفضهم جميعا، بل تتهمهم جميعا بالمشاركة فى هذه الجرائم البشعة، سواء بالتحريض، أو صناعة الكراهية بين الشعوب.
لقد تحدثنا عن ترك المجتمع الدولى، وقواه الكبرى، ملف تمويل جماعات الإرهاب والتطرف، حيث لم يتم تجريمها بما يكفى، واستئصالها، وعدم استخدامها، بل إن هناك دولا إقليمية كبرى تستخدم الدين، وتشجع جماعات الإرهاب، والجماعات الدينية، بموافقة من الدول الكبرى، دون تدخل لمعالجتها.. فهل نقبل من الرئيس الفرنسى ماكرون اتهام الإسلام والمسلمين بوجود خلل فيهما وهو عاجز عن معالجة جذور التطرف، ووقف سرطان الجماعات المتأسلمة فى بلاده، التى تنتشر فى أوروبا، وتنتقل إلى عالمنا، وتهدد استقرارنا نحن؟!
إن الفرنسيين لم يعالجوا، على مدى عقدين من الزمن، حملات الكراهية، التى تنتشر عن طريق إهانة الرموز الإسلامية، وتأجيج المشاعر الدينية بين عامة الناس، وهذا ليس تبريرا لأى جريمة تحدث هناك، لكنه عجز عن المواجهة بحجة حماية الجمهورية، أو العلمانية الفرنسية، كما لو كانت العلمانية تعنى الحض على الكراهية، وإهانة الأنبياء، والرموز الدينية، فماذا فعلت فرنسا طوال عقدين من الزمان وقد تركت الاستهزاء بالحرية نفسها، والمقدسات، يستشرى، لدرجة أنه أصبح يهدد المجتمع الفرنسى نفسه؟!، وما حالة الهياج لدى ماكرون إلا تعبير عن العجز عن الإصلاح، والمواجهة بمزيد من تأجيج المشاعر الدينية بين الفرنسيين (مسلمين وغيرهم).
لقد طرحت الأسبوع الماضى ملفا مهما خاصا بجماعة الإخوان المسلمين، وكيف توظفهم الولايات المتحدة.. وتركيا، وقطر، وإيران تتلاعب بهذه الورقة الخطيرة، التى أشعلت التطرف والإرهاب فى الشرق الأوسط والعالم، وتحتاج إلى المعالجة الدقيقة بالمناقشة والصراحة، واستئصال هذه الجماعات، وتجريم أعمالها، وتجفيف منابعها المالية، ومواجهة تحركها فى الغرب والشرق معا
لقد وصلت حالة الإرهاب والتطرف باسم الدين إلى حالة حرجة فى عالمنا تستدعى المعالجة، وسرعة التحرك، لإنقاذ عالمنا من هذه الآفة الخطيرة، أما نحن المعتدلون، الذين نعرف ديننا حقا، فسوف نواصل العمل على استئصال التطرف، وإنقاذ الدين من تهمة الإرهاب، التى ألصقها فيه بعض أبنائه من المتطرفين، بمساعدة قوة خارجية، من أجل صراعات على السلطة والنفوذ لا تحقق مصالح أحد فى عالمنا إلا إرضاء زعامات صغيرة، استمرأت استخدام الدين فى السياسة، لتغطية عجزها عن تقديم حلول عملية لإنقاذ بلادها، أو البشرية، وتقدمها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى