مقالاتمقالات الأهرام العربى

رئيسان وانتخابات..!

أسامة سرايا
أمريكا 2020 فى الانتخابات حدث فريد، ما بين بايدن الرئيس 46 وترامب الرئيس 45 سيظل العالم يحكى عن الانتخابات الرئاسية رقم 54 فى التاريخ الأمريكى، التى دافعت فيها الولايات المتحدة عن نفسها، وأن الولايات ( 51 ) تقدمت الصفوف للدفاع عن الاتحاد، فى محاولة لتقول إنه عند الأزمة الحادة تماسكت الأطراف لتحمى المركز والمكانة، ولترسل للمركز والمؤسسات المتغلغلة أن الولايات المتحدة لها كلمة ورسالة، وإنها تعى دورها عند الأزمة،.
وعند الاستقطاب الحاد، أو الانقسام العميق فى كيان الدولة، حيث حدثت حركة عامة، لتقول إن الدولة الأمريكية عصية على الانقسام، أو التفكك، وإنها أكبر من ترامب وبايدن، ومن الأوبامية أو الترامبية، بل إنها أكبر من الحزبين الكبيرين اللذين يتقاسمان السلطة فى الولايات المتحدة، وقالت إن الحزبين فى حاجة إلى التغيير، وإنهما أكبر(أى الشعب والولايات)، وإنهما هزما السلطوية الترامبية، التى هددت، وتوعدت، بل إنها قالت بوضوح لن أعترف أو أنقل السلطة بسهولة لحظة هزيمتى، فهزمته الولايات الواحدة تلو أخرى..
إن الانتخابات الأمريكية أوضحت أن المجتمع، رغم هذه الشعبوية، والديماجوجية، مازال أعمق وأقوى من المتغيرات، وقادرا على هزيمتها، بل تحويلها لقوة له، فقد تصور البعض أن الديمقراطية أصابها عطب، أو أن ميكنتها لا تعمل بما يكفى للاستمرار، فذهب الشعب الأمريكى بأكبر نسبة تصويت فى الانتخابات، رغم الوباء والجائحة الصعبة، وحصل الفائز (بايدن) على أكبر عدد من الأصوات، وحصل الخاسر (ترامب) هو الآخر على نسبة كبرى من الأصوات يكاد يحسده عليها كثير من الرؤساء السابقين الذين لم يحصلوا عليها.
لقد صوتت أمريكا كلها ، لأول مرة فى التاريخ، كما لم تصوت من قبل، فجأة اكتشفنا أن الخبرة لها تاريخ طويل وهزمت الكاريزما، حيث السيناتور القديم، أقدم وأصغر سيناتور فى تاريخ أمريكا، أصبح أكبر رئيس فى تاريخها، بايدن قصته السياسية، وتاريخه جعلاه أسطورة، فلأول مرة الدأب والاستمرارية يفوزان، ويصعد بايدن لمنصب الرئاسة، مسجلا رقما قياسيا فى العمل السياسى ( 50 عاما)، 6 دورات فى الكونجرس، 36 عاما، و 8 سنوات نائب رئيس، دخل الانتخابات ، وفى الرابعة أصبح رئيسا وهزم رئيسا، سجل باسمه منهجا للعمل، وأصبح كاريزما فى تاريخ السياسة الأمريكية، حيث يشبهه الكثيرون أمثال ريجان الجمهورى الذى أسقط الاتحاد السوفيتى..
إن ترامب هبط فجأة على منصب الرئيس، بلا تاريخ سياسى، رجل أعمال، وأغنى الرؤساء فى التاريخ الأمريكى، وجاء من المجهول، ليصنع فى 4 سنوات تاريخا جعل نصف أمريكا ينتخبه، بل يحزن عليه ساعة الرحيل أو الهزيمة.
أعتقد أن رئيسين صنعا تاريخ هذه الانتخابات القاسية، بايدن الفائز وترامب الخاسر، لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، صاحب التاريخ السياسى الكبير، والسياسى العتيد، صارع رجل الأعمال (كاريزماتك)، الشعبوى وهزمه بالنقاط، واستعان بـ”كوفيد 19″ لكى يُسقط الرئيس المتطلع لدورة ثانية، فإذا برجل المؤسسات القديم يعطله، ويسحب منه الولاية الثانية، لتصبح ولايته الأولى والأخيرة.
وأخيرا، الانتخابات الأمريكية كانت ملهمة، وأكدت أن الديمقراطية نظام صعب قد تشوبه الفوضى، والاضطرابات، والعشوائية، والأحداث الكثيرة، والإضرابات، والمحاكم، والشارع، وبكاء المهزوم، وصراخ المنتصر، لكنها تنتصر فى النهاية، بل إنها تعلمنا، وتزيدنا ثقة بأن المستقبل لها، ولعلنا نتعلم، وندرس أنها عملية مستمرة فى التحديث والتطور، ولا تتوقف، المهم بناء بنية أساسية، واحترام الأصوات، وإعلاء قيم النزاهة، واحترام القوانين..
وجدنا الرئيس، الذى يملك المؤسسات، هو الذى يلجأ إلى القضاء، وهو الذى يشكو ويطعن فى الانتخابات، وتلك قيمة أخرى تجعلنا نُعلى من سلطة القضاء، وإعطاء الحق لكل مشترك فى لعبة السياسة، من الشكوى والمطالبة بالتحقيق إعلاء للشفافية، وثقة فى نزاهة العملية الانتخابية، لكن فى النهاية حتى يتمكن الجميع من ممارسة العملية الانتخابية يجب أن نحترم المواطن، أى مواطن، نحترم الأبيض، صاحب البلد، أو غيره، والأسود، والملونين، كلنا سواء أمام القانون، ولا ننسى أن نُحيى الديمقراطية، لأن بايدن هو الكاثوليكى الثانى بعد كيندى الكاثوليكى الأول الذى قُتل، وكان نائبا لأوباما، أول أسود يتولى السلطة فى بلد صنعه البيض، ثم انتخبوا ترامب المتعصب، الذى أراد أن يُغير أمريكا، ويفرض أيديولوجيا بقوته، فوجد أن اللعبة أكبر منه، وهزمته بالانتخابات، وهكذا أمريكا تعلمنا الديمقراطية يوما بعد الآخر، رغم صعوباتها وخطورتها.
فتحية للرئيس المنتخب، وتحية إلى الرئيس المنتهية ولايته، وتمنياتنا لعالم به ديمقراطية مثالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى