مقالاتمقالات الأهرام اليومى

نحن.. وأمريكا بايدن.. وترامب.. وأوباما

أسامة سرايا

أعيننا تترقب نهاية عام من أطول الأعوام التى عاشتها البشرية، بمتغيراتها وكوارثها، أو عام الوباء الشامل.
جرت الانتخابات الأمريكية، وكانت بين “بايدن وترامب”، ولكن كانت هناك من قريب تلوح ظلال الرئيس أوباما، الذى لم ينته عهده بعد، رغم فترة رئاسية لترامب مضادة له، بل كارهة، إلى حد كبير، بعنصرية بيضاء فجة، حاولت أن تطارده لدى هذه النخبة القديمة، التى تأثرت، لدرجة الخوف من انتخاب رئيس ملون، أو أسود، وحاولت أن تُنهى ميراثه داخليا وخارجيا.
لم يكن ترامب ينافس بايدن فقط، الذى فاز عليه، لكنه كان يطارد شبح أوباما كى لا يعود رئيس رد الفعل، وحاول ترامب أن يرهن مؤيديه ويُنهى الأوبامية، من خلال جمهوره المتعصب، لكنه لم يستطع، وظلت صورة رؤساء أمريكا الثلاثه على المسرح.
انتخابات أمريكا، ليس للتخلص من ترامب فقط، رغم أنها خائفة من عودة أوباما كذلك، وكان حملة الرئيس المنتخب قادرة على أن تقول لا للإثنين وميراثهما، والترامبية وتبعاتها.
تترقب أمريكا، والعالم، فترة رئاسية جديدة، تلخيصها أنها ليست للأوبامية، ولن تكون، رغم أن رئيسها هو نائبه (دورتين)، وعاش فى ظله، ولن تكون ترجمة مضادة كذلك، رغم أن بايدن صديق ماكين الجمهورى العتيد الراحل، وكان هو أقرب ديمقراطى للجمهوريين، وكأن رسالة الناخب أننا نريد رئيسا يوحد أمريكا من المركز فى واشنطن، ولكن الانتخابات جاءت لتقول إن الولايات هى التى دافعت عن المركز، ووقفت ضد الانقسام، ولو كانت هذه الانتخابات القاسية فى أى بلد آخر غير أمريكا، لانقسمت فعليا الدولة، وانفصم عراها، لأن المجتمع نصفان متضادان، أحدهما لا يقبل الآخر، وإلى حد كبير يقبل الانقسام، لكن أمريكا وولاياتها الـ” 50″ قالت كلمة قوية، إنها أقوى من الانقسام، بل إن ديمقراطيتها قد تهتز، وتأتى برؤساء من كل صنف، ولون، الضعيف والمتعصب، والقوى… وغيرها من الصفات، والألوان، والأشكال، لكنهم موظفون كبار لدى الدولة، مهما يعلو شأنهم، قد يلقون بظلالهم، وتأثيرهم، وتنوعهم، ويصبغون العهد، وصورة أمريكا، لكنهم لا يغيرون جلدها على الإطلاق، وتلك سمة الكبار يهتزون، لكنهم يحافظون على مكانتهم فى الصدارة دوما، فالمجتمع ولاياته أقوى من الحزبين المتحكمين فى مسرح السياسة من قبل السياسيين، وكل الفرق المتنافسة على المسرح فى الولايات، ودوائر الحكومة فى العاصمة.
أمريكا تعرف نفسها، لدرجة أن نيويورك، المدينة الكبرى، طردت ترامب منها قبل الانتخابات، وهو ابنها، بل هو الرئيس، ولم يلحظ الكثيرون أنه ذهب إلى كاليفورنيا لاجئا مطرودا من الولاية، التى شهدت مولده، وحياته، وانتعاش تجارته، أو نجوميته الإعلامية، يُحلق فى تليفزيون الواقع، ويحاول أن يلحق بوالده، ويحافظ على مكانته، وثروته الموروثة، فإذا بالظروف تضعه فى السياسة، ويصبح رئيسا شعبويا، ولدرجة كبيرة، أصبح له جماهيره ومريدوه السياسيون، بل إن الرؤساء فى أمريكا ليسوا هم الدولة، أو أصحابها، أو الرقم الأصعب فيها، ويجب أن نضعهم جميعا فى مكانهم، بلا تهويل، أو تهوين، سواء فى المنطقة العربية، أو غيرها.
ونحن فى مصر، لنا تجارب عديدة مع كل الرؤساء، من تاريخ الجمهورية، عندما قامت عندنا، ولعل أنضج تجربة رئاسية مصرية مع أمريكا؛ كانت إبان عهد الرئيس أنور السادات، الذى استطاع استخدام كل إمكانات المؤسسة السياسية (الكونجرس، والإعلام، والبيت الأبيض، والخارجية) حتى حققت مصر أهدافها، باسترداد كامل أراضيها، فى عملية سياسية شديدة التعقيد، وكانت تحتاج إلى متابعات، ومراجعات، وحشد للطاقات.
أثبتت مؤسساتنا المختلفة قدرتها على التأثير، سواء فى أمريكا، أو حتى إسرائيل ، وكان الإثنان، إلى حد كبير، يعزفان على الأنغام المصرية، أو (النوتة) المكتوبة عندنا فى مصر، وليس عندهم، وظلت مصر قادرة على التأثير فيهما، وعلى القرار الأمريكى فى فترة حكم مبارك، لفترات عديدة، ثم ظهرت نزعات متعددة، لم نكن قادرين على متابعتها، أو تفنيدها.
ولعلنا نظرنا إلى ما كتبه أوباما فى مذكراته، التى أصدرها ما بين رحيل ترامب وقدوم بايدن، ليقول إنه مازال موجودا، ومؤثرا على المسرح السياسى الجديد، وهذا ليس حقيقيا على الإطلاق، إلا من منظور، أو فى حدود الرئيس الأسبق “المفوه”، الذى يملك قلما متمكنا، ولغة قادرة على التعبير، لكن هناك الكثير من الأمريكيين، الذين لا يملكون هذا التحليل، وتلك القدرة، بل يستطيعون أن يفندوا ما كتبه أوباما، وهو بالمناسبة فى حديثه عن العالم العربى، كشف عن أخطائه الفادحة، ولم يستطع أن يتبنى سياساته فى تلك الفترة المسماة بالربيع العربى إلا من منظور المحلل، أو الناشط السياسى، أو الحالم، وهو ساعتها لم يكن كل ذلك، لكنه كان الرئيس صاحب القرار، الذى أخطأ، هو ومن معه، وتسبب فى جروح قد يدفع ثمنها اللاحقون، والقادمون.
القرار الأمريكى- كما وصفه الشيخ محمد بن زايد بدقة، لأوباما ساعتها، الذى لم يكن يهدده أو يطلب منه مساعدة، فالرجل كان يقف فى مكان قوى، لكنه كان يرى ما يحدث على الأرض- كان يخسر بسبب أوباما، ولغته، وتدخلاته فى الشئون الداخلية لدول المنطقة، بلا وعى، أو دراسة دقيقة، وهو ما يجعلنا نثق فى قدرة قيادات المنطقة العربية على التغلب على جنوح القرار فى العاصمة واشنطن عندما تصوغه جماعات ومراكز لا تملك المعرفة الدقيقة بمنطقتنا، وظروفها المختلفة.
كما أن مصر استطاعت فى 30 يونيو 2013 تصحيح خطأ التدخل الأمريكى فى الشأن الداخلى لديها، بخروج الشارع المصرى، وقدرة مؤسساته على كشف حركة الإخوان المسلمين، بل محاكمتها، وظهور قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى لمصر، وفى المنطقة، والعالم.. قد تكون التكلفة عالية، لكن المنطقة العربية لم تفقد البوصلة، والرؤية المستقبلية لشعوبها، ومنطقتها، والعالم، ويبقى على أمريكا القادمة أن تدرس بدقة تحالفاتها، ورؤيتها، وماذا تريد من أصدقائها، وكيف تساعدهم، ولا تسبب أضرارا لهم، ولمنطقتهم، وعالمهم، وأن تضع رؤساء أمريكا جميعا، مهما يعلو شأنهم فى القرار الأمريكى، فى مكانهم الطبيعى، بلا نقصان أو تهويل لدورهم.
سيظل الدور الأمريكى هو الأكبر، لاحظوا لم أقل الأعظم، ولكنه سيكون مؤثرا، إلى حد كبير، فى مسار سياسات كثيرة من دول العالم، لكن منطقتنا تحتاج إلى أن تعرف، بوضوح، أولوياتها، وأولويات العالم، وأن تضع أجندتها مع أجندة العالم، على الطاولة نفسها، والرؤية المستقبلية، وفى صورة حقيقية، بلا تكبير أو رتوش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى