مقالاتمقالات الأهرام اليومى

خطوط التماس الأربعة ملتهبة..

كان الله فى عون الشرق الأوسط!

أسامة سرايا
فى لحظات وداع الأيام، يأخذنا الشجن، وتتقلص الصور الجزئية تماما، وتطفو الكليات، أو الصور البانورامية، على الأحداث، وها هو عامنا المنصرم بعد أيام (2020) كان من أصعب الأعوام توليدا للمخاوف!
لم أكتب مقالا هنا لأسرد أحداثا ومآسىَ، فأكثر من قُطر عربى تحت القصف، والمعاناة كلنا يعرفها، وأحداث المهاجرين حولنا بالملايين، والاقتصادات المنهارة خير شاهد على ما يحدث حولنا،
ولكن سأتوقف أمام استقبالنا عاما جديدا، وخطوط التماس العربية ملتهبة، والحروب مشتعلة، ولا يبدو لها حالة توقف، أو التقاط أنفاس، أو ظهور العقلاء القادرين على لجمْ هذه الصراعات للسيطرة، أو التحكم.
الخط الأول هو خط التماس مع إسرائيل، فرغم المحاولات الأمريكية الأخيرة، فى عهد ترامب، تغيير النمط، عبر إحداث صدمات متتابعة، بإقامة علاقات رسمية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وصدمات للإنقاذ خاصة بإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أو عدم الاعتراف بالصحراء لوحدة الكيان المغربى، بعد عقود من الصراعات، التى صنعها المتطرفون لاستمرار الصراعات والمخاوف بين البلدان العربية، أو بإقامة عدد من العلاقات الدبلوماسية بين دول عربية (السودان والمغرب والإمارات والبحرين) وإسرائيل- ولكن ظلت المعضلة قائمة (القضية الفلسطينية، وعدم إقامة دولة للشعب الفلسطينى) وتؤرق الضمير العربى خاصة، والإنسانى عامة، ولا يمكن إقامة سلام دائم وشامل إقليمى مع خط التماس “العربى- الإسرائيلى” دون هذه الدولة العتيدة، والاعتراف بالحقوق المهدرة لهذا الشعب منذ أكثر من 7 عقود كاملة، والتى أقرتها الاتفاقيات، التى وقعت بين مصر وإسرائيل بعهدة أمريكا فى “كامب ديفيد 79″، حيث التزم “بيجن”، الزعيم اليمينى القوى فى إسرائيل، أمام “السادات وكارتر” بالاعتراف، وقيام دولة فلسطينية، كما أقرتها وأكدتها اتفاقيات “أوسلو” بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فى التسعينيات فى القرن الماضى، والتى بموجبها اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل.
أما الخط الثانى، والأكثر التهابا، فهو بين حدودنا مع تركيا، فقد أعاد الزعيم التركى (أردوغان) طموحات “عثمانلية” قديمة، أو “هتلرية” مستحدثة- متجددة، للسيطرة على البلاد العربية، فاستغل قطر والإخوان المسلمين، فى جهات عديدة، وانطلق فى شرق المتوسط، مهددا ليبيا، وفى شمال سوريا والعراق استوطن هناك، واستغل المهاجرين السوريين المشردين لتهديد أوروبا بهم، وتجنيد الإرهابيين والمتطرفين منهم للقتال فى كل مكان يسعى فيه للسيطرة الإقليمية فى ليبيا، وحتى القوقاز، وكانت حركته الاستعمارية الجديدة مخيفة لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فشهدت الأيام الأخيرة من عام 2020 عقوبات “أمريكية- أوروبية” على تركيا (أردوغان) للجمْ هذه الطموحات المخيفة للعالم، وتركيا نفسها ومستقبلها.
وخط التماس الثالث هو إيران، التى تواجه معضلة مع المجتمع الدولى، وأمريكا، والدول الكبرى، خاصة بالبرنامج النووى والصاروخى، وهناك لعب بالمفاوضات، وآخر بالعقوبات، لمحاولة السيطرة على الطموح، والرغبة فى التوسع والسيطرة العدوانية الإيرانية، لتكون دولة نووية فى الشرق الأوسط، حيث استغلت المنطقة العربية الرخوة للمقايضة بها فى مفاوضاتها المرتقبة مع أمريكا وأوروبا، فنراها تسيطر على لبنان، وتمنع قيام حكومة، أو حل مشكلة الاقتصاد هناك، وفى العراق تستغل “الحشد الشعبى”، كما منعت إيران سوريا من أن تعود إلى حالتها الطبيعية، واستغلت اليمن، والتغيير فيه، بتجنيد الطائفية للانقلاب على الحكومة الشرعية، وشد اليمن فى معركة لا نهاية لها، بل هددت طهران المناطق المقدسة، والمدن السعودية، مثل جدة والبحر الأحمر، وكل ذلك لتكون المنطقة العربية، والصواريخ الباليستية، والسلاح النووى الإيرانى على طاولة المفاوضات “الأوروبية- الأمريكية” مع إيران.
أما خط التماس الأخير، والرابع، فهو فى القرن الإفريقى، حدودنا مع إثيوبيا، حيث هناك حرب أهلية مشتعلة فى الحبشة، فقد ظهر قائد إثيوبى حصل على جائزة “نوبل” للسلام (آبى أحمد)، بحجة أنه أنهى الصراع بين بلاده وإريتريا، ودخل فى صراع جديد مع طائفة أخرى، هى “التيجراى” المهاجرين الإثيوبيين، الذين تشردوا، ولم يمنعهم الفقر والحاجة من الخروج لإنقاذ أرواحهم من أهوال حرب جديدة يجب أن تتوقف، حتى لا تؤثر على استقرار المنطقة كلها، وقبلها دخل فى أكبر شأن يفجر الصراعات بين الشعوب، الماء، وهو شأن كل عناصر هذا الكون، كالمطر والنار، قليله يكفى وكثيره يحرق ويغرق، فأنشأ سدا على النيل الأزرق ليمنع المياه عن دولتى المصب (مصر والسودان)، ويتحكم فى مواردها، فى حين أن إثيوبيا هى بلد المياه، والتى لا تنقطع عنها الأمطار طوال العام، وحباها الله بالمياه والأنهار بالتريليونات، ولكنها تصورت أنها قادرة على منع المياه عن مصر، والتحكم فى النهر، عبر بناء سد بمواصفات مخيفة، لتخزين المياه، وتوليد الكهرباء، فى حين أنه يمكن توليد الكهرباء بشكل أفضل، وظلت فى مفاوضات لمدة 10 سنوات بلا جدوى مع مصر والسودان، ولا تتوقف عن كل المراوغات والتسويف المخيف، ثم أنهت المفاوضات فى محاولة لفرض الأمر الواقع على البلدين، الأمر الذى يفتح نيران جهنم بين الأشقاء والأخوة.
إن هذه الخطوط الأربعة سيطرت على عقلى، ومنعتنى من أن أتفاءل بالعام الجديد، رغم أن أمامى التحالف العربى الرباعى بين “مصر والسعودية والإمارات والبحرين”، والذى ظهر فى يونيو 2017 لمكافحة الإرهاب، واستطاع أن يكشف تلاعب قطر وتحالفاتها بين تركيا وإيران والإخوان المسلمين، ولا نعرف مَنْ يستخدم مَنْ بالضبط؟، وقد كان تحالف “مصر والسعودية والإمارات والبحرين” خطوة ضرورية لانتشال العرب والمنطقة من التخريب، ومواجهة التلاعبات الإقليمية المخيفة، باستخدام الأموال العربية القطرية كأداة لاستنزاف كل البلدان العربية، ومنع عودتها إلى الحالة الطبيعية، لكننى أرى من بعيد من يسعى من العرب لفك هذا “التحالف” عبر ما يسمى بـ”المصالحات الجزئية”، أو “التهدئة” لأهداف بعينها، دون حلول كافية تعاقب من تآمر على المنطقة، ومن فتح جبهات للمستعمر، ومن زاد أعداد الضحايا المتساقطين من الدول العربية.
إننى أعتقد أن المصالحات يجب ألا تكون على حساب الدم العربى، أو على حساب الإنسان ومستقبل الدول، فلابد من مواجهة الأنظمة، التى تلاعبت بمستقبل منطقتنا، ووضعتها على حافة الهاوية والسقوط،
وإذا كانت هناك وساطة أمريكية، وكويتية، وعمانية مستمرة منذ عامين، ولم تنجح فى مكاشفة المعتدين بحقائق أمورهم، فلنحافظ على “التحالف” الذى ظهر منذ 3 أعوام، وأعطى العرب بعض الأمل فى عودة أمورهم إلى الاستقرار، وفى مكاشفة المعتدين بعدوانهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى