مقالاتمقالات الأهرام اليومى

ذكرى الحمامصى٠٠ وحالتنا الإعلامية!

أسامة سرايا
تزدحم الدنيا من حولنا فى هذا الشهر (يناير) من كل عام، حيث تتخطفنا الأحداث، فلا نكاد نجد حدثا حتى يأخذنا ويشدنا إليه بكامل حواسنا ويمنع الآخر، سواء كان فى الداخل أو الخارج!
فجأة خطفنى ابن استاذى “جلال الدين الحمامصى” (كامل)، وهو يكتب مثل أبيه وجده، وهو مهندس مثلهما، تحت عنوان “حديث الهمة”، بحثنا، مثل الأستاذ جلال- رحمه الله- فى عموده “دخان فى الهواء”، لنعيش عصرنا، ونتقدم، وننفض غبار الماضى وراء ظهورنا، وكانت كلماته تُثير الدخان، وكان الحوار معه ممتعا، ويُغذى العقول، ويَحمى النفوس، ولم يكن ليضيع فى الهواء أبدا، ليذكرنا الحمامصى الابن أنه منذ ٣٣ عاما بالضبط رحل عنا هذا الرائد (الحمامصى)، الذى ملأ حياته وشغلها بفنون الإعلام، والكتابة، والتدريس، والتدريب، إنه قصة مأثورة، وعملية، ومفيدة، ليس للأجيال التى عاصرها وحدها، بل لكل الأجيال السابقة، والحالية، والقادمة ، لأنه تستخلص منه العبرة، والقيمة، والقيم، والمبادئ، وحب الوطن، التى تتقدم دائما، ولها الأولوية المطلقة فى حياته، (جلال الدين الحمامصى (٣٠ يونيو 1913-٢٠ يناير ١٩٨٨)، وهو مصادفة فريدة فى عالم الصحافة منذ بداياته، ومتعدد الجوانب، اختار منها جانبا يخصنا نحن الجيل، الذى تعلم منه ومعه، عندما اختار “معهد الإعلام”، فى ذلك الوقت، (كلية الإعلام الآن) بجامعة القاهرة، لكى يحتضن دفعتها الأولى (الصحافة)، التى دخلت فى بداية السبعينيات وخرجت للنور والعمل فى ١٩٧٥ لتعمل فى كل مناحى الإعلام المصرى (صحافة، وإذاعة، وتليفزيون، وعلاقات عامة)، كان المعهد تجربة فريدة، اقتنع خلالها أساتذة الإعلام ومتخصصوه، فى ذلك الوقت، أن الإعلام والصحافة يجب أن يمتزجا بالخبر والعملية المباشرة من أصحاب المفاتيح، وعمالقة المهنة، وأساتذتها، وأصحاب الأقلام، والأصوات، والوجوه الإعلامية المبدعة، وأن أقدر الناس على تعليمهم، أو تشريبهم مهنة الصحافة، من آمنوا برسالتها، وأتقنوها حتى أصبحت حياتهم فى عهدة الصحافة، واكتسبوا مهارات العمل، والتواصل بكل أشكاله، وجذب الناس إلى ما يقدمون، بأساليب تتطور كل يوم، والتعايش مع أفكار المتلقى ورغباته، وتلك كانت تجربة جديدة على بلدنا، بل جامعاتنا فى مصر، (المزج بين التعليم الجامعى والخبرة المهنية المباشرة من أصحابها)، أن نحصل على بكالوريوس حقيقى، وليس نظريا بحتا، أو يعمل الاثنان معا (النظريات الإعلامية وفنونها المختلفة، والتمرس والعمل فى الأسواق، ومع الناس وحياتهم مباشرة)، فكانت تجربة مميزة.
لقد قدم الأستاذ جلال رؤية فريدة من نوعها، فمنذ اليوم الأول أصدر صحيفة لم تكن عادية فى ذلك الزمان (صوت الجامعة)، فكانت صوتا معبرا، عشنا معه ومعها سنوات الدراسة وحتى رحيله، فقد كان الاحتضان من الأستاذ ليس فى وقت الدراسة فقط، ولكن حتى وضعنا على أول سُلم وعتبات المهنة فى الصحف، والتليفزيون، ١٧ عاما مثمرة من عمرنا المهنى (١٩٧١-١٩٨٨)، وحتى رحيله كان يتابع كل تلاميذه فردا فردا، وقدم جيلا للإعلام بكل مؤهلاته، هذا الصوت الطلابى كان يتحاور مع كل المسئولين فى مصر، فى ذلك الوقت، أتذكر أنه استضاف رئيس الجمهورية الراحل أنور السادات، رحمه الله، للحوار مع طلاب يبدأون حياتهم العملية، بل هم فى عامهم الجامعى الأول، يتكلمون مع الرئيس، ويحاورهم، وكل منهم مسئول عن أن ينشر الحوار وكأنه كان يحاور الرئيس وحده، ولم يكن الرئيس هو الهدف الوحيد، بل كان الحوار مع جميع المسئولين، بل كل الوزراء، ورجال أعمال ذلك الزمان (عثمان أحمد عثمان وسيد مرعى)، ورجال الصحافة (هيكل، ومصطفى وعلى أمين، وإحسان عبدالقدوس، وأنيس منصور، وموسى صبرى، والجمال، والسباعى، ونافع، وسعدة… وغيرهم)، لم يكن الطلبة يجلسون فى قاعات المحاضرات، التى تحولت إلى صالة للتحرير، واستوديوهات للحديث، تجربة رائعة تعيش في الذاكرة ولا تضيع، فقد حولت الطالب إلى صحفى ومذيع، فمنذ اليوم الأول للدراسة أدرك الطلاب أنه إذا تحاورت مع الرئيس تحاورت معك كل مصر.
تلك هى تجربة الأستاذ الحمامصى، وبؤرتها تحويل الإنسان إلى طاقة كبرى للعمل والتطور، جيل خرج لا يعرف المستحيل، مثله تماما، يتطلع لأن يكون معبرا وممثلا لمصر كلها، فى كل مكان يعمل فيه، تجربة لا تُنسى ومذهلة، بكل تفاصيلها، وتطوراتها، وقد تذكرتها وذهبت للحوار معه، مختبرا كل ما يقوله، وعاكسه على عالمنا، وإعلامنا اليوم، أستاذ جلال: إعلامنا، وصحافتنا، يمران بأزمة دقيقة وصعبة. الأستاذ يرد: الإعلام ملك الناس، ويجب أن يعود للناس، مهنة لا يمكن أن تضيع، أو تُهمش، ومن يُهمشها يُهمش نفسه، ومجتمعه، بل يُضّيع تاريخه، وحاضره، لا يمكن أن تنظر للإعلام بحالته الراهنة فقط، ولكن يجب أن تتجاوز أزمته، فما يعيشونه ليس أزمة إعلام فقط، بل أزمة مشاهد (القارئ والمتلقى معا)، لأن المشهد الراهن، إذا نظرت له بعمق وتحليل فستجده معقدا للغاية، فالذى يقرأ الصحف، ويستمع إلى وسائل الإعلام (راديو وتليفزيون) يمر حاليا بحالة من انعدام الوزن، نتيجة الظرف الطارئ، الذى مرت به مصر، والمنطقة العربية، فى العقد الأخير، من التوتر، والشد العصبى، الذى وجد المجتمع نفسه فيه (الثورات، والانهيارات، وسقوط البلدان، والتهجير القسرى، والضحايا، من كل فج، ولون، ومن سقطوا بالإرهاب، والدواعش، والصراعات الطائفية)، أجيال متعاقبة عاشت وقودها الإعلامى اليومى قتلى، وانهيارات، وحرائق، وذلك لم يؤثر على المنطقة فقط، بل أثر على الإنسان، ‏وقتل حواسه، وأربك حياته اليومية، وغذّاها بالمخاوف على حاضره، ومستقبله، فأصبح لا يسمع إلا الصوت الزاعق، والرسالة المخيفة، والصراخ اليومى، والمفاجآت المدهشة، مما أوجد شخصية متوترة، خائفة على حاضرها، ومستقبلها، وتعودت على كل ما هو غير مألوف ومقلق، هو زادها اليومى، وأصبح التفكير المتأنى، والقراءة، والرسالة الهادفة عملة نادرة يصعب أن يجدها الإنسان، وإذا وجدها لا يصدقها، لأن حياته اليومية هى وقوده الذى يتغذى عليه، فماذا تنتظر من إنسان خائف على ابنه، وأسرته؟.. هل يقرأ رسالتك؟.. وهل يفكر فى الإعلام؟.. الجهاز العصبى للإنسان تعطل، هل يعود بالريموت كنترول؟.. إنها عملية معقدة، تحتاج إلى تغيير الرسالة، ومضمونها، ومحتواها، وأساليب جديدة للعمل، وجذب المشاهد للصحيفة، والشاشة، والراديو من جديد، هذه الحواس الخمس يجب أن تعود إلى طبيعتها، وهى تحتاج إلى وقت لتُشفى، وتتخلص من التوترات، والمعاناة التى عاشها الإنسان فى تلك الفترة، وإذا كان الإعلام فى أزمة، فإن المتلقى فى أزمة أكبر، وكلا الإثنين يحتاجان إلى مرحلة من الهدوء، ‏والتبصر حتى يعودا إلى حالتهما الطبيعية، وبالإضافة إلى ذلك المتغيرات الحادة فى عالم الإعلام ككل، بعد دخول “السوشيال ميديا”، حيث أصبح كل مواطن إعلاميا، له رأى، ومشارك، ودخلت الأسواق صحف من لون جديد، لم تكتسب خبرات، وليس لها تقاليد مهنية، وليس لديها تاريخ فى عالم الإعلام، يتعلمون فى المتلقى، ساحة واسعة للإعلام مختلفة عما كانت قبلها تماما، فالصورة فى عالم الإعلام تحتاج إلى عقول جديدة، أو دراسات أكثر تعمقا لحالة الأسواق فى مجتمعنا، حيث لم تعد الدراسات والوصفات الجاهزة القادمة من الخارج تصلح لتقييم وإعادة دراسة حالتنا الإعلامية الصحفية الراهنة، وإذا أضفنا لكل ما سبق التطورات المتلاحقة ‏فى عالم السياسة، والاقتصاد، محليا وإقليميا، ثم “الجائحة” أو “الوباء”، والتطورات الصحية، والاجتماعية، المصاحبة له؛ لوجدنا صورة معقدة جدا، وتحليلا يحتاج لمن يفك شفرته، وإعادة توصيفه، وعلاجه، كما أن كل هذه التطورات فاجأتنا مرة واحدة، ومؤسساتنا الإعلامية (صحف وتليفزيون) ليس فى أحسن حالتها، أو صحتها، فهذه المؤسسات رغم أنها ذات بنية أساسية قوية لمجتمعنا للنهوض والتطور، فإنها مؤسسات قديمة، بقوانين وملكية قديمة، منذ الستينيات لم يطرأ عليها تطور، أو لم تدخل عملية إصلاح كبرى كانت تحتاجها، فالإعلام فى مصر قضية حيوية، لا يمكن أن يتم تركه للاقتصاديين، والسياسيين، وأن يكون الإعلاميون والصحفيون الحلقة الأضعف‏ فى هذه السلسلة، كما أن تكوين الصحفى عملية صعبة متراكمة منذ عشرات السنين، وقد تعرضتم فى مصر لعملية تجريف للمهنة، وطرد لعناصره المهمة، ولأنها مهنة تلاحم بين الأجيال، وبحث عن احتياجات، وروح الناس، فإن عدوها الأساسى هو الصراع، وأنتم فى مصر وقعتم فريسة للتجريف، وصراع الأجيال، بدلا من تعاونكم للوصول إلى المستهلك الإعلامى بصورة أفضل ومتطورة.
أنا: الأستاذ الحمامصى، لقد أخذنا الإعلام طويلا، لأن مهنتنا تتعرض لصعوبات جمة، ونسينا السياسة، والاقتصاد، وعلاقات مصر بأشقائها، وإقليمها، والمجتمع الدولى، وتلك قصة صعبة، وطويلة، وتحتاج إلى حوارات متعددة..الأستاذ الحمامصى: ولكن لا تنسى أنكم فى حاجة ماسة للإعلام، ليس لتسلية الناس، وإخبارهم بحياتهم، ومجتمعهم فقط، ولكن لأنه أسرع وسيلة لتعليم الجميع المشاركة فى بناء المجتمع، كما أنه القوة الرئيسية لبناء الوعى الذى يحمى عمليات البناء والتطور التى تقومون بها، وإذا لم يكن لديكم إعلام حديث، فإن تطوركم الاقتصادى والسياسى مهزوز وضعيف، ولن تستطيعون بناء نظام سياسى متطور دون مشاركة كل أطراف المجتمع، وتحاورهم الإيجابى معا، وهذا هو خط الدفاع الأول والرئيسى لكل بناء مجتمعى تقومون به، فهو من الأولويات‏ التى يجب أن تضعها أى حكومة ومجتمع يرنو إلى التقدم، كما أن الإعلام مهنة خطيرة يجب ألا تُترك للقطاع الخاص، أو التجارى، الذى يَنزِعُ إلى الإثارة، والإعلان، ويزرع كل ما هو تافه، ورخيص، وإثارة الغرائز، فالإعلام هو البوتقة، التى تحتضن الفن والإبداع، وإذا أردنا مجتمعا متطورا وحرا، فيجب أن يكون إعلامه متناسبا طرديا مع هذا الهدف ‏والمسئولية الخطيرة، إعلاما يحافظ على التعددية، ويُعلى من قيمة التنوع، ويَنبذ الصوت الواحد، ويضع المهنية أمامه، ويُنهى الخلط بين الإعلام، والإعلان، وغلبة الاعتبارات التجارية على المقتضيات المهنية، وهذا لن يتحقق دون مشاركة أصحاب الحق فى الإعلام أنفسهم (الجمهور أو المتلقين) فى ملكية وسائل الإعلام على اختلاف أنماطها، فهم من سوف يُعلون قيمة أسهم وقيمة الرسالة الإعلامية، وساعتها سيبدأ التغيير بإستراتيجية جديدة، تنطلق من ثوابت مجتمعنا، وعلى أكتاف رموز المهنة فى عالم الفنون، والآداب، والإبداع، والصحافة، والفكر، وأن يعود الإعلام لاحتضان كل الكفاءات، مع تكاتف الدولة مع الإعلاميين، لعملية الإصلاح، وليس فقط من خلال عملية مالية، ولكن عمليه مالية وإدارية معا.
وقد ختم أستاذنا الحمامصى تفكيره معى بأنه يعتقد أن الإصلاحات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتغيير كامل البنية الأساسية المصرية، وبناء المدن والتحديث الشامل… كل ذلك سينعكس أثره على الإعلام المصرى، وسيؤدى إلى تقديم إعلام راقٍ، وهو حلم سوف يتحقق عبر تجاوز المجتمع كل آفات التحولات الاجتماعية التى لها تأثير على نمط الشخصية المصرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى